lamalef.net
  

لام الف دوت نت

 


حكومة "العدالة و التنمية " و مستقبل
العلاقات الإسرائيلية - التركية

خالد السرجاني
وصف أحد كبار قادة الجيش الإسرائيلى فوز حزب العدالة و التنمية " الموصوف بأنه إسلامى التوجه ، فى الإنتخابات التشريعية التركية التى جرت فى 3 نوفمبر الماضى ، بأنه كارثة على العلاقات الإسرائيلية التركية .
زادت خلال النصف الثانى من التسعينيات جهود و ضغوط من اللوبى الأرمنى و اللوبي اليونانى فى الولايات المتحدة من أجل إجبار الكونجورس على اتخاذ خطوات و إصدار قرارات ضد تركيا سواء بسبب مذبحة الأرمن أو سجل حقوق الإنسان ، أو المشكلة القبرصية ، ووجدت أجنحة فى النخبة السياسية العسكرية التركية أن مقاومة هذه الجهود و الضغوط تطلب الإستعانة بلوبى قوى داخل الولايات المتحدة مثل اللوبى الصهيونى ، و كان تعزيز و تقوية العلاقات مع إسرائيل يستهدف دفعها إلى استنهاض اللوبى الصهيونى للتصدى للضغوط الأمريكية الداخلية التى تستهدف تركيا .
فى الوقت الذى ذكر فيه مسؤول سياسى أن على إسرائيل أن تحترم اختيار الناخب التركى . ومهما كانت درجة صدق أي من هذين المسؤولين فإن النجاح الكاسح الذى حققه حزب "العدالة و التنمية" يتطلب معرفة آفاق العلاقات التركية الإسرائيلية بعد التحول النوعى الذى طرأ على الساحة السياسية التركية ، ترى الأولى أن هذه العلاقات لن تتأثر بهذا التحول ، أما الأخرى فترى أن تحولاً كيفياً سوف يطرأ عليها فى ظل المستجدات التى شهدتها تركيا

خلفية تاريخية

تساعد الخلفية التاريخية على تفسير وفهم مسار العلاقات الإسرائيلية التركية ، و تشكل بالتالى مقدمة لطرح السيناريوهات المتوقعة لهذه العلاقات خلال السنوات القادمة ، و فى ظل سيطرة حزب " العدالة و التنمية " على البرلمان و تشكيلة للحكومة التركية الجديدة .
و تبدأ هذه الخلفية مع عام 1947 حينما عارضت تركيا قرار تقسيم فلسطين ، ورفضت بالتالى الإعتراف باسرائيل ، لكن العوامل الخارجية و ظروف انحياز تركيا للعالم الغربى خلال الحرب الباردة لعبت دوراً حاسماً لكى يصبح اعترافها بإسرائيل أمراُ واقعياً ، حيث تم تبادل السفراء بين البلدين عام 1952 ، و لنفس الأسباب أى الخارجية حدث تحول ثانوى فى موقف تركيا من الدول العربية عندما قدمت تنازلات للدول العربية من أجل جذبها إلى حلف بغداد ، وقد كانت هذه التنازلات - حسب وصف فيليب روبنس - على حساب إسرائيل .
فقد رفضت تركيا إصدار بيان دعم للسيادة الإسرائيلية و أمنها الإقليمى ، كما وافقت على إضافة ملحق للميثاق يقول أن البنود التى تتناول المساعدة العسكرية أثناء الأزمات ، تعد نافذة فى إطار القضية الفلسطينية ، بل و تعد فى نفس الوقت متصلة بها بصورة خاصة .
وقد شجبت تركيا إسرائيل على اعتبارها الخطر الأكبر على السلام و الهدوء فى الشرق الأوسط ، وكان ذلك متضمناً فى البيان الذى أصدرته و الخاص بسحب سفيرها من تل أبيب احتجاجاً على الغزو الإسرائيلى لسيناء عام 1956 ، ثم خفضت بعد ذلك تمثيلها الدبلوماسى إلى مستوى المندوبية .
و ظلت تركيا تتبنى موقفاً حيادياً إزاء الصراع العربى الإسرائيلى ، وإن كان يضع فى إعتباره حجم المصالح الإقتصادية مع الدول العربية ، فقد أيدت القرارات العربية فى الجمعية العامة للأمم المتحدة بما فيها قرار اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية و الذى صدر فى نوفمبر 1975 .

و كانت قبل ذلك بشهور قليلة ، أي فى يناير من نفس العام ، قد أعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعى الوحيد للشعب الفلسطينى ، على الرغم من أن هذا القرار لم يأت على هوى الأردن فى ذلك الوقت ، وهى التى كانت تعتبر الحليف العربى التقليدى الأقرب لتركيا .

وفى رأى روبنس أن الحافز الذى دفع تركيا إلى إتخاذ هذا الموقف هو قلقها من الإستخدام الفعال لسلاح النفط من الدول الخليجية ، و سعيها لفتح فرص إقتصادية لشركاتها فى الدول العربية النفطية . أى أن تركيا شعرت أن هناك الكثير من المنافع الإقتصادية قد تتعرض للخطر من جراء سياستها الحيادية الحذرة إزاء الصراع العربى الإسرائيلى .
و بالتالى ، فإن تركيا قدمت تنازلات أمام مطالب السياسة العربية لكى تبقى علاقاتها مع الدول العربية ودية و مزدهرة .

و كان المرجح لدى معظم المراقبين أن يسهل اعتراف مصر بإسرائيل عام 1979 عودة تركيا إلى علاقاتها المتوازنة مرة أخرى بين العرب و إسرائيل . ولكن جاء هذا الصلح في وقت كانت ترتفع فيه أسعار النفط فى أعقاب الثورة الإيرانية ، وجاء الرد المتشدد على هذا الصلح من كل من العراق و سوريا ، ليشكل رادعاً لتركيا فى محاولتها السياسية المحايدة ، خاصة و أنهما دولتان متاخمتان لها. وخلال هذه الفترة سمحت تركيا لمنظمة التحرير الفلسطينية بأن تفتح مكتباً لها فى العاصمة التركية . و احتجت تركيا بشدة على ضم إسرائيل للقدس المحتلة ، وسحبت القائم بأعمالها فى تل أبيب ، وخفضت تمثيلها الدبلوماسى مع إسرائيل .

ومع بدء عمليات حزب العمال الكردستانى عام 1984 بدأت العلاقات بين الجانبين تعود إلى حالتها الطبيعية حيث زاد التعاون فى المجال الإستخبارى ، خاصة و أن الإنفراج بدأ يعود إلى العلاقات المصرية العربية ، الأمر الذى رأت معه تركيا أن إقامة العلاقات مع إسرائيل أصبح أمراً مشروعاً ، خاصة أن إنخفاض أسعار النفط خفف من إحتمالات استخدام الطاقة كسلاح سياسى ، كما تدهورت أسواق الشرق الأوسط بالنسبة للتجارة التركية ، بما أضعف الأهمية الإقتصادية للدول العربية .
وقد توقف التحسن الذى طرأ على العلاقات التركية الإسرائيلية بين أوائل و منتصف الثمانينيات باندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ، حيث أعادت تركيز الأنظار الدولية على محنة الشعب الفلسطينى ، بما أشعر تركيا بأنها ملزمة بتعديل موقفها ، خاصة مع إهتمام الإعلام الكبير بالممارسات الوحشية التى لجأ إليها الجيش الإسرائيلى لإخماد الإنتفاضة . وعلى الرغم من الإهتمام المتزايد من قبل تركيا بالمأساة الفلسطينية ، فإن العلاقات مع إسرائيل بقيت على حالها ، ووجدت تركيا نفسها قادرة على انتهاج سياسة محايدة فى المنطقة ، خاصة و أن مصلحتها الوطنية كانت تفرض استمرار علاقتها بإسرائيل ، خاصة بهدف مكافحة حزب العمال الكردستانى ، و تحسين صورتها لدى الولايات المتحدة .
وقد حاولت تركيا تقليد النموذج المصرى ، القائم على الجمع بين معاهدة الصلح مع إسرائيل ، و العلاقة الوثيقة مع منظمة التحرير الفلسطينية ، وبقبولها من الدول العربية .

و كان بإستطاعة تركيا أن تتمثل بمصر كسابقة ، إذا ما تعرضت علاقاتها مع إسرائيل للأنتقاد من الدول العربية . و قد ساعد المناخ الإقليمى السائد على المضي قدما فى علاقاتها مع إسرائيل ، فقد تبنى المجلس الوطنى الفلسطينى مواقف سياسية معتدلة مثل قبول قرار مجلس الأمن 242 ، و مبدأ الأرض مقابل السلام و شجب العمليات الإرهابية و اعترف ضمنياً بإسرائيل و قد اعترفت تركيا اعترافاً كاملاً بالدولة الفلسطينية التى أعلنها المجلس ، وذلك فى اليوم الأول لإعلانها ، و كانت الدولة الحادية عشر على مستوى العالم و كانت الأولى من دول المعسكر الغربى التى تفعل ذلك . و قد حدثت منذ منتصف التسعينيات طفرة فى العلاقات التركية الإسرائيلية ..
وهذه الطفرة لابد من ربطها بتطورات متعددة فى مقدمتها توقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و إسرائيل ، حيث رأى الساسة الأتراك أنه ليس مطلوباً من بلدهم أن تكون ملكية أكثر من الملك ، فإن كان الفلسطينيون أصحاب القضية قد وقعوا على معاهدة صلح مع إسرائيل فليس مطلوباً منهم أن يحجموا من علاقتهم مع الأخيرة .
يضاف إلى ذلك زيادة حدة عمليات حزب العمال الكردستانى ، الأمر الذى تطلب الاستفادة من الخبرة الاستخبارية و المساعدة العسكرية الإسرائيلية . خاصة الصور التى تلتقطها الأقمار الصناعية الإسرائيلية لعناصر حزب العمال ، و الخبرة العسكرية فى مجال حرب العصابات التى تطبقها هذه العناصر .

و قد زادت خلال النصف الثانى من التسعينيات جهود و ضغوط من اللوبى الأرمنى و اللوبي اليونانى فى الولايات المتحدة من أجل إجبار الكونجورس على اتخاذ خطوات و إصدار قرارات ضد تركيا سواء بسبب مذبحة الأرمن أو سجل حقوق الإنسان ، أو المشكلة القبرصية ، ووجدت أجنحة فى النخبة السياسية العسكرية التركية أن مقاومة هذه الجهود و الضغوط تطلب الإستعانة بلوبى قوى داخل الولايات المتحدة مثل اللوبى الصهيونى ، و كان تعزيز و تقوية العلاقات مع إسرائيل يستهدف دفعها إلى استنهاض اللوبى الصهيونى للتصدى للضغوط الأمريكية الداخلية التى تستهدف تركيا .
وهذا الأمر حدث بالفعل ، بما أقنع الساسة الأتراك بأن هناك مزايا إيجابية تعود على بلدهم نتيجة لتعزيز علاقاتهم مع إسرائيل .

ملاحظات أولية :

نعتقد أنه يجب قبل الدخول فى مناقشة الإحتمالات المستقبلية للعلاقات التركية - الإسرائيلية فى ظل تشكيل حكومة تركية جديدة من قبل حزب "العدالة و التنمية " بمفرده ، ومناقشة العديد من النقاط بالغة الأهمية . وأولى هذه النقاط هى أن علاقات البلدين تشهد نفوراً واضحاً بسبب سياسة إسرائيل العدوانية فى الأراضى العربية المحتلة ، وهو الأمر الذى دفع الشعب التركى إلى التظاهر أكثر من مرة احتجاجاً على هذه السياسة . وهذا النفور يمكن استنتاجه من العديد من المؤشرات منها حدة الخطاب النقدى لإسرائيل من قبل العديد من الساسة الأتراك و فى مقدمتهم رئيس الوزراء السابق بولنت أجاويد ، أثناء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى آريئيل شارون لتركيا منذ عدة أشهر ، وهو الأمر الذى وصفه الإسرائيليون بعدم اللياقة ، ولكن موقف أجاويد كان يتماشى مع مزاج الشارع التركى الذى كان يتظاهر و يحرق دمى رئيس الوزراء الإسرائيلى .
أيضاً هناك حركة مقاطعة البضائع الإسرائيلية فى تركيا ، وهى حركة يقودها التيار الإسلامى التركى بمعناه الواسع و ذلك قبل تأسيس حزب " العدالة و التنمية " .
أى أنها حركة عفوية فى الشارع و ليست حركة مؤسسة ، وهذه الحركة يمكن أن تشكل ضغوطاً مهمة على حزب العدالة و التنمية لدفعه إلى إتخاذ قرارات بشأن تجميد العلاقات مع إسرائيل . وهذه الضغوط سوف تكون من القاعدة الشعبية الأساسية للحزب ، الأمر الذى قد يضعه فى تناقضات معها إذا لم يستجب لطلباتها .
كذلك هناك التظاهرات شبه اليومية التى تندلع فى معظم المدن المدن التركية للتضامن مع الشعب الفلسطينى و التنديد بالسياسة الإسرائيلية ، وهو الأمر الذى دفع السياسة الرسمية إلى ما يشبه تجميد التعاون التركى - الإسرائيلى فى معظم المجالات و من بينها المجال العسكرى .
و أخيراً هناك تراجع تركيا عن صفقات سلاح قيمتها مليارات الدولارات كان من المقرر شراؤها من إسرائيل ، وهذه الصفقات يمكن أن تلغى تماماً بعد التطورات السياسية الجديدة فى تركيا .
أما ثانى هذه النقاط ، فتتعلق بأن الدفعة الأساسية التى شهدتها علاقات البلدين خلال الأعوام العشرة الماضية كانت تتركز بالأساس على الجانب العسكرى ، و على اتفاق التحالف الإستراتيجى بين الجانبين ، وهذا الأمر هو من اختصاص المؤسسة العسكرية ، و بالتالى فإن وجود حكومة منتمية لحزب " العدالة و التنمية " بغض النظر عن موقفها من إسرائيل ، لن يلعب دوراً رئيسياً فى وقف هذا التعاون ، الذى سوف يكون خاضعاً لرغبات المؤسسة العسكرية و إن كانت لا تضع أية أهمية لرغبات السياسيين و تصوراتهم ، فهى يمكن أن تضع أهمية لرغبة الشارع التركى حتى لا تفقد مصداقيتها لديه ، جزء كبير من شرعيتها قائم على أحترام المواطنين لها ، و بالتالى فإن ضغوط الشارع التركى يمكن أن تدفع هذه المؤسسة إلى مراجعة سياستها تجاه إسرائيل . و الحاصل أن المؤسسة العسكرية التركية مضت قدماً فى طريق تعزيز علاقاتها العسكرية مع إسرائيل مدفوعة بعدة أسباب :
أولها هو أن الولايات المتحدة رفضت التعاون المباشر مع تركيا ، خاصة فى مجالات شراء قطع غيار الأسلحة و صيانتها ، وطلبت من الأخيرة التعاون مع إسرائيل فى هذه المجالات ، و بالتالى فهى كانت مجبرة على هذا التعاون .
و ثانيها ، أن إسرائيل عرضت على تركيا مدها بالخبرة التكنولوجية العسكرية المتقدمة ، وهذا الأمر لم يكن تستطيع الحصول عليه عن طريق آخر إلا بتكاليف باهظة من الناحية المالية .
أما ثالث الأسباب فهو أنها رأت أن تعزيز العلاقات مع إسرائيل يقيدها سياسياً فى العديد من المجالات ، فمن جهة فهو يكشف رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان أمام عناصر تياره السياسى الإسلامى ، أولاً لبيان عجزه عن اتخاذ أية قرارات مصيرية فى المجال السياسى الخارجى ، أو إيقاف التوجيهات التى تتعارض مع تصوراته الأيديولوجية ، و ثانيهما باستفزاز القاعدة السياسية لحزب الرفاة الإسلامى التى تكن عداءاً شديداً لإسرائيل ضد أربكان ، بما يوسع الفجوة فيما بينهما و يسهل على المؤسسة العسكرية إقالته ، وهذا ما تم بالفعل .

و قد شهد التعاون العسكرى بين تركيا و إسرائيل خلال حكم أربكان طفرة لم يشهدها قبل هذه الفترة و بعدها . و ليس من المستبعد أن تتبع المؤسسة العسكرية نفس النهج مع الحكومة الجديدة سواء بهدف تحجيمها أو لاختيار القوة و جس النبض ، أو استفزازها .

و السؤال المطلوب الإجابة عنه هو : كيف سيرد رجب طيب أردوغان على هذا التحدى ...؟

أما ثالث الملاحظات و آخرها فهى تتعلق بأن رجب طيب أردوغان زعيم العدالة و التنمية يحاول أن يظهر نفسه فى موقف المعتدل وهو ما يعني أنه لن يجرى أية تغييرات جذرية على سياسة بلاده و منها بالطبع تعاونها العسكرى مع إسرائيل ، وهذا بالضبط ما أعلنه أحد كبار أركان حزبه و خص بالذكر إسرائيل ، بما يعنى أنه لن تحدث أية تعديلات دراماتيكية على مسار هذه العلاقات و إن كان هذا الأمر يمكن أن يحدث بالتدريج خاصة و أن خيار التعاون التركى مع إسرائيل كان مرتبطاً بالصراع القائم داخل تركيا على خيار الهوية .
وكان الداعون إلى خيار الهوية الغربية يرون أن ربط بلدهم بإسرائيل القلعة المتقدمة للعالم الغربى فى الشرق الأوسط - حسب رؤيتهم بالطبع - يمكن أن يلعب دوراً فى حسم هذا الخيار على حساب خيار الهوية الإسلامية الذى سعى أربكان إلى فرضه ، وسوف يسعى بالطبع أردوغان إليه و لكن بصورة تدريجية و ناعمة ، و بالتالى فإن النخبة الساعية للإرتباط مع الغرب سوف تسعى إلى تفعيل و تنشيط التعاون مع إسرائيل ، ولن يصدهم أردوغان حتى لا يتهم بمحاولة أسلمة الدولة .

السيناريوهات المتوقعة :

من الضرورى معرفة مصادر القلق الإسرائيلى من نجاح حزب " العدالة و التنمية " فى الإنتخابات التشريعية التركية .
فمن البديهى أن قيادات الدولة العبرية تدرك جيداً أن هناك مؤسسات متعدة تحفظ السياسة الخارجية التركية ، وأن مجلس الأمن القومى الذى يسيطر عليه العسكريون الأتراك هو الحاكم الفعلى هناك و ليس مجلس الوزراء ، و بالتالى فإن هامش المناورة أمام حزب العدالة و التنمية و حكومته سوف يكون هامشاً محدوداً لن يسمح بإجراء تغييرات جذرية على السياسة الخارجية التركية .
فضلاً عن أنهم يدركون جيداً براجماتية الجناح الذى انشق عن التيار الإسلامى التركى و أسس حزب العدالة و التنمية وكل هذه العوامل تعمل لصالح استمرار العلاقات القائمة حالياً بين الدولتين .
و لكن هناك مصادر أخرى للقلق ، أولها أن نجاح حزب " العدالة و التنمية " أثبت لإسرائيل عدم شعبية أجنحة النخبة التركية التى يدعو إلى دعم و تعزيز العلاقات بين البلدين .
و بالتالى عدم شعبية إقامة العلاقات مع إسرائيل . من هنا ، فإن النخبة الإسرائيلية لديها الحق فى القلق لأنها تدرك أن ليس هناك مستقبل لعلاقات مستقرة و طيبة مع تركيا فى ظل الرفض الشعبى لهذا الأمر .
أما المصدر الثانى من مصادر القلق الإسرائيلي فيأتى من أن سيطرة حزب العدالة و التنمية على البرلمان و تشكيله للحكومة يقوض أساس العلاقات الإسرائيلية التركية فهى تأتى من تماثل النخبة فى البلدين باعتبارهما ينتميان إلى العالم الغربى المتقدم وسط محيط شرقى متخلف ، بما يفرض عليهما التعاون و التنسيق و التحلف ، ومع المتغير الجديد لم يعد هذا التماثل قائماً ، بل قد يرى أعضاء النخبة الجديدة فى تركيا أن النخبة الحاكمة فى كل من إيران و مصر و سوريا أقرب إليهم من النخبة الغربية الحاكمة فى إسرائيل .
و المصدر الثالث و الأخير من مصادر القلق الإسرائيلى ، تأتى من أن الشعب التركى عندما اختار حزب العدالة و التنمية التركى قد حسم نسبياً خيار الهوية لصالح الهوية الإسلامية، و ليس الغربية ، و كان انتماء الدولتين إلى العالم الغربى و سط المحيط الشرقى أحد عوامل التقريب فيما بينهما ، و بالتالى فإن حسم خيار الهوية لغير صالح الهوية الغربية لن يكون فى صالح العلاقات التركية - الإسرائيلية.
و بالتالى ، فبغض النظر عما سوف تتخذه حكومة عبد الله جول من إجراءات أو خطوات تجاه العلاقات التركية - الإسرائيلية ، عما سوف يكون عليه موقف قيادات الجيش من هذا الأمر ، فإن المرجح هو ألا تعود الحرارة إلى هذه العلاقات على النحو الذى تريده إسرائيل ، و التى كانت تعتمد على علاقاتها مع تركيا ، لكى تكسر عزلتها فى محيطها العربى - الإسلامى ، والدليل على ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلى آريئيل شارون عندما شعر بعزلة بلاده قام بزيارة خارجية لتركيا ، و بالتالى فإن نجاح حزب العدالة و التنمية و ما سوف يؤدى إليه من تداعيات على علاقات البلدين يمكن أن يزيد من عزلة إسرائيل فى محيطها العربى - الإسلامى ، بل و يجعلها كياناً شاذاً فى منطقة الشرق الأوسط .
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه