|
|
الجذور الإسلامية للرأسمالية فى مصر
|
عرض و تحليل لكتاب بيتر جران الجذور الإسلامية للرأسمالية فى مصر و الذى يحاول فيه أن يعيد صياغة التاريخ الإقتصادى الإجتماعى الثقافى للفترة الواقعة ما بين 1760 و 1840 من تاريخ مصر .
|
* عاطف أحمد
لست متخصصاً فى التاريخ ، رغم ذلك فقد أثار هذا الكتاب اهتمامى . فعلى الرغم من أنه يستكشف مناطق فى تاريخ المجتمع المصرى لم تلق عليها أضواء كافية ، و تتطلب خبرة المحترفين فى البحث و التنقيب ، إلا أنه أيضاً محمل بالنظرية ربما فوق ما يحتمل ، بل ربما فوق ما تحتمل النظرية . فالمؤلف يحاول أن يعيد صياغة التاريخ الإقتصادى - الإجتماعى - الثقافى للفترة الواقعة ما بين 1760 و حتى 1840 من تاريخ مصر . وقد عومل القرن الثامن عشر - من قبل - " كما لو كان جانباً ثانوياً من تاريخ الإمبراطورية العثمانية و كما لو كان ناتجاً جانبياً للعلاقات الدولية . و نتيجة لذلك أرتكز تاريخ هذه الفترة على أفتراضين : الأول :

برزت الطرق الصوفية باعتبارها شكلاً للمؤسسة الإجتماعية الخاصة بالطبقات الوسطى و العليا ، خلال فترة التحول من مجتمع يتكون من طوائف العصور الوسطى ذات الطابع التكافلى ، إلى البنية الطبقية الحديثة . وكلمة " شكلاً " هنا تعنى أن بنيتها تقترب إلى حد كبير من بنية الواقع الإقتصادى الإجتماعى القائم ، وأن وسطها كان مثل البؤرة النشطة للحياة الإجتماعية الثقافية فى المجتمع .
|
أنها عمتها الفوضى و الاضطراب ولم يحدث فيها سوى القليل من الأحداث ذات الأهمية التاريخية اللهم إلا الصراعات التى لا تبقى ولا تذر بين المماليك . و الإفتراض الثانى : أن هذه الفترة كانت فترة أضمحلال ثقافى لم يكتب فيها جديد سوى الشروح و الحواشى على نصوص دينية كتبت فى العصور الوسطى .. وقد عاد الدارسون إلى المصادر الأولى الأصلية لجمع موادهم : إلى الأرشيف و إلى وثاق المحكمة الشرعية و الأوقاف وإلى الشروح و الحواشى التى ترجع لهذه الفترة فكانت الصورة التى خرجوا بها نتيجة لجهود جديدة رائعة وكان كتاب أندرية ريمون " الحرفيون و التجار فى القاهرة إبان القرن الثامن عشر " وكان كتاب بيتر جران " الجذور الإسلامية للرأسمالية فى مصر 1760 - 1840 وينطلق بيتر جران نظرياً من مقولة الرأسمالية الحديثة هى عملية تاريخية عالمية ، وأنها قائمة على تقسيم العمل الدولى منذ بدايتها ، على تكامل الأدوار بين الأطراف فالسوق الداخلية للمركز محددة و غير متطورة ، فهى لا تفى باستهلاك منتجاتها ، كما لا يستطيع تزويد صناعتها بالمواد الخام اللازمة . فالأطرف هنا هى التى تقوم بتغذية المركز فهو لا يحيا بدونها . من هنا فالمركز و الأطراف يشكلان معاً بنية واحدة هى الرأسمالية الحديثة . وهذا التصور للبنية العالمية للرأسمالية الحديثة يشكل أتجاهاً معرفياً جديداً مخالفاً للتصور السائد فى الغرب عن تحديث البلاد النامية
( الطرفية ) و الذى يرى أن الغرب الأوربى هو الذى قام بتحديث العالم الثالث ، وأنه لا توجد حداثة مستقلة عن الدور الأوربى.
فوقفا لمركزية الذات الأوربية تصبح عملية التحديث فى مصر من نتائج الحملة الفرنسية ، ويصبح غياب الكتابات الدينية مساوياً لغياب النزعة العلمانية . وقد تشكل الإطار المفاهيمى للكتابات عن الشرق الأوسط من خلال مركزية الذات الأوربية فعانى من خلل طويل الأمد ، واوقع مجال الدراسات الشرق أوسطية فى مشكلات تتجاوز نطاق سيطرته .
فعلى المستوى النظرى تبنى مفهوم التعريف قياسياً على الذات ، أى على ما يحدث فى الغرب ، وجعل من نفسه مركزاً لبحث التاريخ . وعلى المستوى العملى أقام عقبات فى وجه تطور الشعوب غير الأوربية حينما كف عن منحها دوراً سوى دور التلقى السلبى ، وحينما ركز علاقاته فى النخبة التى هى ضعيفة فى أوطانها و معتمدة فى وجودها عليه هو.
وبديلاً لما رسمته الدراسات الغربية بالفوضى و البربرية فى مصر القرن الثامن عشر ، يرى جران أن ثمة تحولات أقتصادية إجتماعية كانت آخذة فى الحدوث فالطلب الخارجى على الحبوب حول قطاع الزراعة فى الدلتا إلى إنتاج سلع تصديرية ، وتغلغل المقروضون و برزت العلاقات النقدية ، وبدأت المنتجات الحديثة تتوافر للنخبة مغيرة نمط الإستهلاك لديها . وتحول قطاع عريض من الحرفيين إلى العمل باليومية وتفكك نظام طوائف الحرف ، أما الشرائح التجارية الوسطى فقد أخذ جزء منها يندمج فى الصفوة السياسية الملوكية . تلك الصفوة التى تحول الكثير منها إلى شريك موص فى التجارة ، وفى بيع الإنتاج الزراعى لأوربا . وتولت البنية الأساسية التقيدية للنخبة التى تمثلت فى البيت المملوكى فكثير من مملوكيهم تم عتقهم توفيراً لنفقاتهم ، وأستأجروا بدلاً من ذلك مرتزقة مدربين على السلاح الحديث البرى و البحرى ووجهت فئات التجارة بمنافسة شديدة جعلتهم يمارسون ضغوطاً على الحرفيين مما اثار لديهم تذمراً و عنفاً و ارتبط ذلك بحملة إحياء دينى بين الجماهير ، وشجعها الأزهر فى محاولة منه لاستعادة الإستقرار الإجتماعى .
وقد مثل الأزهر الطبقة الوسطى التى تعانى من وضعها فى الظل فى صراعها مع النخبة الحاكمة ، والتى تضع - مثلما تفعل النخبة - حاجزاً بينها و بين الجماهير.
ولم يكن الأزهر هو محور التغيير الدينى فى المجتمع فى تلك الفترة ، فقد سحبت منه الطرق الصوفية تلك المكانة عن جدارة .
وجران يرى أن الإسلام فى مصر يعنى الصوفية أو على الأقل هو متأثر بها . ويعرفها بأنها فكر دينى و بأنها ذات أهمية تاريخية خطيرة .
وهو يرى أن الطرق الصوفية ظاهرة إجتماعية اقتصادية . دينية ثقافية فى الوقت . نفسه برزت كإطار لتلبية الإحتياجات الإجتماعية الثقافية لمختلف الطبقات خاصة فى فترة التحول إلى البنية الإجتماعية الحديثة .
فمجتمع العصور الوسطى يتميز بأنه يتكون من مؤسسات مغلقة على ذاتها ، و بأن لها بنية رأسية . فشيخ الطائفة يقع على أعلى سلم الرتب و يقوم بدور الوسيط بين أعضاء طائفته و بين المجتمع بأسره .
وقد أخذت هذه الأبنية تنهار مع النهضة التجارية دون أن تخفى تماماً ، ودون أن تنشأ بدائل عنها . ومن ثم برز احتياج ملموس بصفة عامة للمشاركة فى مجموعات إجتماعية تعبر عن الواقع الإجتماعى الجديد . فمثلاً لم يعد الحرفيون أو بعض الطوائف العرقية أو المقاتلون من المماليك الذين ينتسبون إلى بيت معين ، لم يعد أى من هؤلاء جزءاً من المنظومة التى ينضوى تحت لوائها .
كذلك فقيام البنية الطبقية الحضرية بما جلبت معها من ثروة و بما وعدت بها البعض دون البعض الآخر وعلى أسس جديدة ؛ جعلها فى حاجة إلى إضفاء الشريعة عليها .
لذلك برزت الطرق الصوفية باعتبارها شكلاً للمؤسسة الإجتماعية الخاصة بالطبقات الوسطى و العليا ، خلال فترة التحول من مجتمع يتكون من طوائف العصور الوسطى ذات الطابع التكافلى ، إلى البنية الطبقية الحديثة . وكلمة " شكلاً " هنا تعنى أن بنيتها تقترب إلى حد كبير من بنية الواقع الإقتصادى الإجتماعى القائم ، وأن وسطها كان مثل البؤرة النشطة للحياة الإجتماعية الثقافية فى المجتمع . أما بالنسبة للطبقات الدنيا فقد مثلت الطرق الصوفية الشعبية درعاً إضافياً واقياً فى وقت يتأكل فيه هيكل طوائف الحرف و قد أدت الهوة المتزايدة بين الأغنياء و الفقراء بعد 1790 انهيار التضامن داخل الطرق فتفككت .
و يبين المؤلف بالتفصيل كيف أن البيئة الداخلية للطرق الصوفية كانت تعكس التحولات الجارية ، حيث الثروة أصبحت هى الطريق للمكانة الإجتماعية . ففى أوساط علية القوم أو النخبة تلفت مجموعة من الأثرياء حول شيخ الطريقة الذى غالبا ما يكون ثرياً أيضاً .
و تتشكل داخلها صفوة هى خليط من المماليك وأثرياء التجار و العلماء و بعض رجال الإدارة العثمانية و غيرهم .
وقد نشأت طريقتان رئيسيتان على هذا النمط : البكرية الخلوتية التى قادها التجار بصورة مباشرة و الساداتية الوفائية التى قامت على علاقات رعاية مع الطبقة العليا و كلاهما تأثر بالنهضة التجارية و كلاهما أنتج أعمالاً فى مجال الحديث وقد أثيرت القضايا المتعلقة بالربح و التجارة فى العديد من شروح الحديث تبريراً للنشاط المربح فقد شكلت دراسة الحديث جزءاً أساسياً من الوعى الدينى الجمعى و كانت تؤدى دوراً مساوياً لدور الذكر و الإنشاد كذلك فدراسة الحديث لعبت دوراً توحيدياً و أسهمت فى التطور التشريعى الداخلى فى التاريخ الإسلامى .
لقد أعادت نخبة المثقفين بناء نفسها ، فى مواجهة تداعى المؤسسات التكافلية ، باستخدام الطرق الصوفية كسد منيع فى مواجهة الإيديولوجية الجديدة القائمة على النزعة الفردية و النفعية .
ولقد اتخذ ذلك لدى كل من الطريقتين اللتين تمثلان الطبقات العليا نمطاً خاصاً . واختلفت تبعاً لذلك توجهات كل منهما الفقهية و الصوفية .
فالطريقة البكرية الخلوتية تميزت بنمط تدين فعال يقوم على " الجلاء " .
وكان نسبها الروحى يعود للخلفاء الراشيدين ، وعظمت زيادة الأضرحة لشخصيات عاشت فى أوقات لاحقة .
و كانت بيئتها الدينية تتناسب مع وضعها المادى و الروحى . وكانت ذات أفق إصلاحى قائم على تطوير التهذيب فلديها برنامج للانتظام ترتقى فيه النفس فى الطريق الروحى , وتعتمد إجراء اختيارات روحية فردية . وكانت " الخلوة " بالنسبة لها نوعاً من الانسحاب الرمزى .
وكان الاحتجاج على النظام يتم لديها بأسلوب فردى و كان الجهاد لديها موجهاً إلى داخل النفس .
أما الطريقة الساداتية الوفائية فكان تدينها من النمط السكونى الذى يعتمد على " الإشراق "وكان شيخها أبو الأنوار يحظى بتقديس مطلق و كان يعتبر لدى بعض قادتها : امتداد للحقيقة المحمدية و المهدى المنتظر وهى مسألة مرتبطة على نحو مقعد بواقع الرعاية المشمولة بها .
وكانت عقيدتها قائمة على تمجيد الدور الخاص أهل البيت . والألتزام بزيارة أضرحة الصحابة فى مصر .
أما الطرق الصوفية الشعبية ( البيومية مثلاً ) قفد تنامت فى القاهرة فى أواخر القران الثامن عشر لتدخل صفوف عمال المياومة المتضخمة ,وكانت تنادى بأفكار دينية مختلفة عن طريق النخبة . وكان دور الشيخ فيها أكثر أهمية , وتعزى إليه قوى خارقة ، وقد تتاح له فرصة زعامة سياسية . وكانت قائمة على مبدأين أساسيين مبدأ الإمامة: ويتمثل فى أن الإمام شخص يمكن أن يجترح الخوارق ببركاته ؛ ومبدأ تقديم العون : أى التعهد بتقديم العون للزميل عضو الطريقة فى أوقات الحاجة .
ويدور نشاطها حول مراتب فهم اسماء الله وقدراتها ذات الطابع السحرى فى تحقيق المنافع .
وكانت تمر بمرحلة فهم معانى الأسماء ثم بمرحلة التخلق و فهم ماهياتها وما خلقه الله عن طريقها ، ثم بمرحلة التحقيق حيث السعى للفناء فى الأسماء .
كانت تبرز أهمية الفقر ويتواتر لديها قول النبى لجعفر الصادق : " يا جعفر الفقر سر من أسرار الله يودعه فمن يشاء من عباده من كتمه كان من أهله ومن باح به زال عنه لأن الله تعالى أمر الأنبياء بمخالطة الفقراء و الصبر معهم فى الخلاء والبلاء " .
ويقسم بيتر جران فترة البحث إلى ثلاث فترات :
الأولى وهى فترة هيمنة رأس المال التجارى ( 1760 - 1790 )
و الثانية هى فترة القطاع التجارى للدولة ( 1790 - 1840 ) ،
و الثالثة هى فترة الاندماج فى السوق العالمى للرأسمالية ( 1840 - 1860 ) .
ولكل فترة من تلك الفترات نمط فكرى مميز ففى الفترة الأولى كان الاستقرار هو النهج المنطقى لدراسات علم الحديث وفى الفترة الثانية بعث المنطق الاستدلالى علم الإليهات وفى الفترة الثالثة كان يتم تناول المعرفة بصورة تجزيئية تميل للتقليد سواء أكان تقليداً لأعمال أوربية أم لأعمال إسلامية .
بالنسبة للفترتين الأولى و الثانية يلاحظ أن أفكاراً حديثة مثل النفعية و المواقعية واصلت النمو خلال المرحلتين مع تنوع محاور الموضوعات وأن تطور الدراسات العلمانية كان يدعم دراسات علم الحديث و يواكب علم الكلام وأن نفس النموذج المنطقى كان متضمناً فى الأعمال ثقافية الدينية و العلمانية على السواء .
أما بالنسبة للفترة الثالثة وهى التى نما فيها مجتمع برجوازى مؤسس على ملكية الأرض و التجارة فقد كان الأوربيون و الأقليات يمثلون البيروقراطية و البلاط و الجهاز التربوى .
أما الطبقة الوسطى و كان يمثلها التجار المصريون و الحرفيون وأعيان الريف .
وأبرز الشخصيات الثقافية التى كانت حلقة وصل بين ثقافة القرن الثامن عشر و بين عصر محمد على كانت شخصية حسن العطار ، والذى تجسدت فى فكرة مشاكل الثقافة و التحول الثقافى فى بلاد الأطراف .
وكانت تحولاته فى البنية الإجتماعية الاقتصادية التى شهدتها المرحلتان الأولى و الثانية فقد تطور فكرة من مرحلة جدلية أشعرية إلى مرحلة ما تريدية تبرز العقل واستخدام مبدأ العلية الطبيعية . كذلك تحول من دراسات الحديث بالمنطق الإستقرائى فى المرحلة الأولى ، إلى الفقه و المنطق الاستدلالى فى المرحلة الثانية ، ثم تبدت النزعة النفعية فى كتاباته المتأخرة فى صورة التوسع فى منهج القياس ، وهو المنهج الذى يمكن عن طريقة إبداء استجابة لما يحدث من تحولات فى الواقع المحيط ، وأصبحت الثقافة لديه أكثر استقلالاً عن الدين و الشريعة بأساليب معينة وبالتالى كانت النماذج المستلهمة من الماضى مختلفة تماماً عن نماذج القرن الثامن عشر . ففى [ حاشية على شرح قاضى زاده] يقسم الكليات إلى أجزاء يمكن تفسيرها ، ويمحص القضايا ، ويعتمد على التجريب و يقدمه على السلطة الفكرية ، أما فى [ شرح النزهة ] فينقد التراث الطبى لابن سيناء من الداخل من حيث الدقة ، والموضوعات وصحة المنهج .
و العطار هو أستاذ الطهطاوى . فمعظم المؤثرات التى يعتقد أنها ذات أصل أوربى لدى الطهطاوى إنما أتته عن طريق العطار . فهذا ما يعلنه بنفسه فى اثنين من أهم كتبه ، وما توضحه مقارنة : أنماط الاهتمام ، واختيار المصادر ، ومقولات الفكر لدى الاثنين فى أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينيات من القرن التاسع عشر .
يحدد بيتر جران السمات العامة للإحياء الثقافى أولاً بأنه كان إحياء اتباعياً ( كلاسيكياً ) جديداً للثقافة الإسلامية غلب فيه التفكير النقدى على النزعة القدرية السلطوية ، وثانياً بأن مبحث فقه اللغة شهد فى القرن الثامن عشر ميلاداً جديداً لعلم تصنيف المعاجم ، وارتبط بدراسات الحديث ، وفى أواخر القرنين الثامن عشر وأوائل التاسع عشر غلبت عليه البلاغة ، وثالثاً أن مبحث التاريخ شهد تداخلا بين الدينى و العلمانى ، وبرز فيه دور الثقافة بوصفها نتاجاً لطبقة فى حالة نضال .
فالمزاج النضالى بين التجار المسلمين فى وجه تحالف الأقليات و الأوربيين وجه الطريقة التى عولجت بها غزوة بدر .
(قارن كتابات التجار البروتستانت فى مواجهتهم للحكم المطلق فى فرنسا ) .
ولايفوت المؤلف أن يفسر لنا أشهر كتابات تلك الفترة : عجائب الأثار للجبرتى : فقد مزج الجبرتى بين نمطين من الفهم الوطنى أو الأهلى فى عمل واحد :
أولاً : تسجيل الواقع و الأخبار ، و ثانياً تراجم الشيوخ التى تضمنت السيرة الدينية لدى الطبقات التجارية و الامتزاج بين هذين النمطين هو تعبير عن الإمتزاج فى شخص الجبرتى بين النخبة السياسية و النخبة الإقتصادية .
و بالطريقة نفسها يربط جران بين الثقافى و بين الاجتماعى الاقتصادى .
* فهو يجعل دراسات الحديث مرتبطة بالاستقراء و بالوضعية من ناحية ، ومرتبطة بالتجارة من ناحية أخرى : فقد تطور منطق المختصين فى دراسات الحديث تحت تاثير الثورة الصناعية فى إتجاه الوضعية ،و جهة النظر المعرفية الأساسية للرأسمالية .
وقد حبذ القرآن و السنة التجارة و الربح و الإنتاج للسوق . وإذا كانت هناك بعض الممارسات التجارية التى حرمها القرآن و السنة إلا أنه فى كل حالة كان هناك عنصر غامض سمح ببعض الحرية فى الممارسة . وقد تم التوسع فى مفهوم الربح و تفسيره بما يرضى وجهة نظر التجار فى دراسات الحديث أكثر مما تم ذلك فى الفقه . كذلك فإن تنظيمات الملكية كانت أكثر وضوحاً فى السنة مما هى فى القرآن . وقد اعتمد دراسات الحديث على مجموعة كبيرة من الدراسات المعينة منها الأدب وعلوم اللغة و التاريخ .
وهى دراسات أعتبرت بمثابة الأصول المحلية للثقافة العلمانية الحديثة . وقد ركزت الكتابات التاريخية فى أواخر القرن 18 بوضوح على غزوة بدر .
وبالذات على أن عدد المشاركين فيها كان أقل كثيراً مما ذكره المؤرخون ، وبالتالى فالرسول (ص) قد أنتزع نصراً على أعداء كانوا يفوتونه قوة بما لا يقاس وهى بذلك تعكس مزاجاً نضالياً بين التجار المسلمين فى وجه تحالف الأقليات و الأوربيين .
*ويجعل دراسات الفقه وعلم الكلام مرتبطة بالمنطق الإستدلالى المرتبط بهيمنة بيروقراطية الدولة فالفقه كما كان يدرس فى القرن الثامن عشر يرتكز على علم الكلام ، وبعبارة أخرى يرتكز تماماً على منطق الأرسطى الذى يرتكز - خلافاً للمنطق السياقى و الوضعية - على المطلق الأزلى . أنه منطق الحكم بصورة رئيسية ، ومنطق الدولة .
فعندما كانت الدولة قوية أتخذ الفقه طابعاً منهاجياً وأزدهر و لكن مع ضعف الدولة المركزية فى أواخر القرن الثامن عشر أنحصر الفقه و المنطق الأرسطى فى حدود ضيقة على نحو متزايد فى الفهرسة ، ولم يلق المنطق الأرسطى تطوراً يعتد به فى كافة المجالات التى تطور فيها علم الإلهيات .
ويؤدى بنا ذلك إلى الاعتقاد بأن العلاقات الناشئة عن هذا المنطق و التى ترتكز على القطبية المطلقة تتناسب بصورة متباينة مع الأوضاع الإجتماعية الدينية . والمراكز التجارية السابقة على الرأسمالية التى يقطنها عدد كبير من الحرفيين لا تتميز بعلاقات إجتماعية يمكن أن تندرج تحت هذا الإطار . وقد مر المنطق الأرسطى بمرحلة جذر فى مصر إبان فترة الهيمنة التجارية و لكنه أنتعش فى أوائل القرن التاسع عشر عندما هيمنت الدولة على القطاع الرأسمالى وأخضعته لإرادتها .
وأنتعش مع تحول العلاقات الإجتماعية الفعلى إلى القطبية بين البيروقراطية و الفلاح . وفى موضع آخر يرى أن التحول لدراسة المنطق الصورى فى القرن التاسع التاسع عشر كان جزاء من رد فعل ثقافى عام على الأوضاع الحديثة. وجهداً لتجاوز التعامل المجزأ و التكيف مع الأوضاع حسب كل حالة على حدة ؛ إلى موقف أكثر عمومية .
*وهو يؤسس على ما سبق نظرية نقدية للانعكاس : لقد كانت النفعية هى أساس النقاش فى الدراسات علم الحديث ، التى أجريت على أساس استقرائى و فقاً لقواعد التقييم . كما أن النزعة النفعية و الواقع التى راى جران " أنها كانت التعبير السائد عن الرأسمالية التقليدية أنتقلت إلى المرحلة اللاحقة وإن كانت قد ارتبطت بالمنطق الأرسطى الكلى .
ومن هنا فأن نظرية الانعكاس تتعرض مرة أخرى للانتقاد .
فاتحول فى تنظيم العمل لا يؤدى بصورة تلقائية إلى تحول الثقافة و الإيديولوجيا ، ولكن يؤدى إلى إعادة ترتيب لشكل الاستدلال .
وعلى ذلك فأفضل طريقة لفهم العلاقة بين الثقافة و الإجتماعى هى النظر إلى الثقافة فى مجملها على أنها جزء عضوى فى حياة التشكلية الإجتماعية الإقتصادية ، وعلى إنهما يشكلان معاً بنية مركبة ، بحيث نرى بمجرد النظر
للإنتاج الثقافى أنه جزء لا يتجزأ من عمليات تكامل التشكيلة و إعادة انتاجها ( وهذه هى اللحظة التاريخية ) ، كما نرى فيه ، من ناحية أخرى عرضية ، جزءاً من المتصل الممثل لثقافة النخبة التى تتسم بأن لها منطقها الداخلى الخاص . وقد أدى بنا أكتشاف إرتباط شكل معين من الاستدلال القانونى بتشكيلة إجتماعية معينة أكتشاف أن نفس المجموعة من الكتابات التراثية التى ترجع للعصور الوسطى كان يتم إقتباسها و إعادة إقتباسها بأساليب مختلفة .
*ويؤسس كذلك على نتائج بحثة فى خصوصيات تطور الثقافة فى البلدان الطرفية ما يسميه نظرية " تقسيم العمل الإقليمى للثقافة " فالبلدان ( العواصم ) المختلفة تمثل مجموعة مختلفة من العلاقات الطبقية ، تنشأ عنه نظريات معرفية مختلفة فى ثقافات الطبقات الحاكمة . ففى أواخر القرن الثامن عشر كانت ( أستنبول ) تمثل بنية ثقافية
وثيقة الصلة بالاتجاهات الأوربية ذات النزعة الفعلية البارزة فى دراسة العلوم ، بينما كانت دمشق ، وهى مدينة صناعية و تجارية ليس بها أنقسامات رأسية ، تمثل مركزاً تقليدياً للفكر الصوفى الكياتى .
ومن خصوصيات تطور الثقافة فى البلدان الصوفية دور التعليم فى الخارج : فالمجتمعات الإسلامية المتأخرة تأصل فيها شكل واحد من القانون و المنطق لا يسمح بأدنى درجات الاختلاف بين الإتجاهات داخلها . ولذلك فإن الرحلات للخارج تقوم بآلية إعادة التنشئة الإجتماعية . فهناك علاقة مستمرة بين التعليم فى الخارج و بين تحولات النخبة داخل الإطار الرأسمالى .
*ويدعو بيتر جران ، بناء على كل ما تقدم ، إلى إنشاء علم إجتماع معرفة قائم على بنية السوق
ذلك أن النسق المعرفى السائد فى بلاد الأطراف لم يمنح الأولويات للمعرفة العلمية ، كما حدث مبكراً فىالمجتمعات الرأسمالية الناشئة فى أوربا الحديثة فقد كانت الأولوية فى المعرفة مشتركة بين المعرفة الفلسفية و المعرفة التقنية . أما فى إنجلترا فى القرن التاسع عشر فقد ظلت كل من المعرفة العلمية و المعرفة التقنية مستقلة عن الأخرى . بينما كانتا مندمجتين فى مصر .
كذلك فعلى عكس النظم الرأسمالية الوليدة فى أوربا الحديثة فإن نظم الدولة الرأسمالية فى بلاد الأطراف من السوق العالمى الحديث ( مثل مصر و تركيا ) تتميز بسيادة العقلانية و ما يتعلق بالمفاهيم ، وهى نزعة تعلو على التجريبية رغم أنها اضطرت لإجراء عمليات مواءمة تجريبية فى كل مرحلة خلال استيرادها المعرفة من الغرب .
وعلى النقيض من الثقافة فى مركز السوق العالمى كانت الثقافة فى مناطق الأطراف فى مطلع الثورة الصناعية تتميز بفترة طويلة ممتدة من الكلاسيكية ( الاتباعية ) الجديدة .
وفى المجالات التى لا غنى فيها عن العلم المحلى كان هذا العلم يطور حتى يفى بالاحتياجات اللازمة لبناء الأمة ، وإلى جانب ذلك ، يظل صانعو الوعى الوطنى فى هذه البلدان هم : المؤرخ- المؤلف المعاجم - جامع الأغانى الشعبية .
بذلك تكتمل الدوأئر النظرية الرئيسية لدى المؤلف ، لكن يتبقى لديه بعض التفسيرات النظرية لبعض المسائل الفرعية فمثلاً واقعة أن كتابى العطار فى الطب والعلوم ظلا مخطوطين منسيين فى مكتبة الأزهر ، ويفسرها جران بأن : الإتباع الجديدة فى مجال العلوم و الطب تفتح الطريق أمام حراك إجتماعى للمسليمين المصريين المتذمرين بإضفاء شرعية على تراثهم .
أى أن المخطوطين منعاً من الطباعة منعاً للحراك الإجتماعى الذى سيترتب عليهما .
و المسألة التنظيرية الثانية جاءت بمناسبة تمرد العطار على أبيه . فقد تطوع جران بأن يقدم تحليلاً نفسياُ لهذه المسألة لكنه رأى أن يجرى تعديلات على نظرية التحليل النفسى ذاتها قبل استخدامها فالنظرية ينبغى تعديلها لتناسب الحقبة التاريخية .
فعلم النفس الغربى القائم على الأنا تمت صياغته فى ضوء العلاقات داخل الأسرة النووية . ففى وضع تتوسط فيه الأسرة الممتدة فى علاقة الأب و الأم بالأبن ، فإن إمكانية التمرد الكامل و التفرقة أقل تحققياً بكثير . وحتى فى حالة حدوث مثل هذه العمليات فإنها ليس من الضرورى أن تحدث بنفس الخطى التى تحدث بها فى العصور الحديثة ، لأن مفهوم الطفل و الحدث و عملية " النمو " غريبة عن عالم العصور الوسطى .
فالطفل يتوجه للعمل فى مبكرة و سرعان ما ينظر إليه على أنه بالغ . ومراحل النمو النفسى ذاتها مشروطة بطبيعة العصر . فالشعور بالحاجة للتمرد و السعى للصعود إلى وضع إجتماعى أفضل للتمتع بالحياة الثقافية من سمات مجتمع تنمو فيه فوارق طبقية صارمة .
فما الذى يترتب على ذلك بالنسبة لحالة العطار على أبيه ؟ هناك نتيجان :
الأولى : إذا كان العطار قد ثار على والده ، فهو بالتأكيد لم يثير على شخصة ، وإنما ثار على قيم معينة ارتبطت بحرفة والده وطبقته الإجتماعية . فكانت ثورة عارمة لكنها فى الوقت نفسه ثورة مزدوجة . لقد قاوم العطار هذه الأوضاع كما بحث عن الظروف التى تتيح له الحراك الإجتماعى إلى أعلى ، ومن ثم فإن العطار هجر بشكل أساسى مجتمع المغاربة ، وفى النهاية هجر مصر كلها .
و الثانية : أن الأحتياج للتمرد كان مرتبطاً أيضاً بالشذوذ الجنسى ، الأمر الذى جعل فرص العطار فى بيئة تسعينيات القرن الثامن عشر ، ضئيلة على نحو خاص .
و النقطة الأخيرة كانت أيضاَ مصدراً لتنظير آخر خاص بموقف العطار من الصحابة :
فمقولات العطار عن الصحابة ذات أهمية أيضاًَ بالنسبة لتحليل النفسى الذى سبق أن عرضناه .
إذا كان العطار أعترض على إسناد صفة الصحابى للبعض و أخذ بأقوال المتكلمين . فإنه بموقفه هذا إنما يستبعد دور المرأة كحجة ينقل عنها وعندما رفض بأخذ معيار المشاركة فى "غزوة" من غزوات النبى على الأقل ، فإنما كان ذلك دفاعاً عن مكانة الرجل وليس دفاعاً عن عائشة أو أى امرأة أخرى . إن تحديد المعرفة الجديرة بالثقة حول محمد ، وربطها بضرورة حضور مجالسة ، كان مخالفاً لروح الأصالة فى القرن الثامن عشر .
لقد لعبت النساء دورا هاماً و معروفاً فى حياة محمد . فهل كان من قبيل الصدفة أن العطار لم يرتكب عن سيرة محمد ؟
هذا على الرغم م أن جران هو نفسه الذى قال .. قدم العطار فكرته العامة عن الخلافة ، وأتجه فى نفس الوقت إلى تفنيد الرواية الشعبية عن اختيار محمد لعلى وهو على فراش الموت ، تلك الرواية التى قبلها كثيرون من آل البيت وأستشهد برفض عائشة لهذه الرواية .
وملاحظات حول بعض المسائل النظرية :
1- العلاقة بين الإقتصاد الإجتماعى و بين الثقافى :
يقيم المؤلف توازياً و تساوياً انعكاسياً بين ما هو اقتصادى اجتماعى ، وما هو ثقافى . بحيث تكاد تكون العلاقة بينهما علاقة الأصل بالصورة المنعكسة فى المرآة .
و المفارقة هى أنه ، فى عالم العلاقات الإنسانية ، ليس لدينا مرآة عاكسة و ليس لدينا أصل ذا معالم بصرية محددة ، ليس لدينا أشياء قائمة برأسها و مجسمة تقبل التقاط الصور من هذه الزاوية أو تلك .
ولكى نصل إلى حالة تسمح بذلك ، علينا أن نشيئ الواقع الإنسانى ، بأن نحول المفاهيم إلى أشياء ، ونتعامل معها بصفتها تلك .
فمفهوم الطبقة الإجتماعية مثلاً يتعلق بفئة إجتماعية تتميز بخصائص مشتركة فيما بين أفرادها تميزهم عن باقى الأفراد الآخرين .
وهى خصائص قد تنشأ من الوضع النسبى لمجمل أفرادها تجاه الأفراد أو الفئات الأخرى ، قد يكون العامل الإقتصادى السياسى بمعنى العلاقات الناشئة حول العملية الإنتاجية ، عاملاً مهما فى تشكيل الطبقة لكنه قد لا يكون العامل الوحيد و أفراد الطبقة لا يظلون يسلكون طوال الوقت سلوكاً طبقياً ، لكن ما يميزهم هو مواقف معينة تتميز فيها سلوكياتهم وانفعالاتهم بخصائص معينة وهى مواقف تتعلق غالباً بخبرات خاصة مكتسبة نتيجة لأسلوب حياتهم ، ودرجة و نوعية المعارف المتحصلة لديهم ، أنماط التنشئة الإجتماعية التى يتكون من خلالها ..ومجمل هذه التصورات و المواقف و المعتقدات و الميول المزاجية .. تشكل ما يمكن تسميته بالوعى الإجتماعى ذى الطبيعة الطبقية .
وهى عملية تتطلب تاريخاً ولا تتم خارج التاريخ . وتتطلب استمرارية تاريخية لتلك الخصائص حتى تصبح واضحة البصمات أو المعالم . وهو ما يتطلب بالتالى درجة من الثبات فى التركيب الإجتماعى .
وداخل الإطار العام للوعى الطبقى الخاص توجد تنوعات وتباينات عديدة تنتج عن العوامل الذاتية الخاصة بالأفراد أنفسهم فالطبقات الإجتماعية و أنماط الوعى الخاص بها ليست إذن كتلا حجرية صماء موحدة المادة و الملامح .
و المثقفون المنتمون لفئة إجتماعية معينة ليسوا نسخاً واحدة من نفس الأصل ، وليسوا مجرد صدى للوعى الجمعى ، دائماً لأنهم يتشكلون داخل إطار خصائص عامة متقاربة : مستوى ونوعية التعليم ، أفق التفكير و الانشغالات ، أنماط الاستجابات و الميول ؛ تنشأ لديهم متقاربة .
لكن ذلك لا يعنى أنهم بفكرون بنفس الطريقة ، ولا يعنى أنهم يعبرون عن نفس المضمون فالفردية العقلية و تعدد الأصوات بين المثقفين مسألة ملحوظة منا جميعاً ، بل ليس هناك ارتباط تلقائى انبثاقى بين المضامين التى يعبر عنها المثقف و بين طبقة المنشأة . والأمثلة على ذلك لا حصر لها .
المثقفون إذن ليسوا خلايا إفراز فى غدة الطبقة المعينة لا تفرز إلا المادة المتكونة منها و التى تتوظف فى إستمرار دورتها البيولوجية .
و العلاقة بين الطبقة الإجتماعية من ناحية ، وبين مثقفيها و إنتاجهم العقلى من ناحية أخرى ، ليست ، إذن ، علاقة الأصل بالصورة المنعكسة فى المرآة .
2- البنية الإقتصادية
الإجتماعية للطرق الصوفية :
الطرق الصوفية الثلاث التى درسها جران ، يعرضها على نحو يجعلنا نكون تصوراً محدداً لها : هو أن البنة الإقتصادية للطبقة التى نشأت فيها كل طريقة قد أنعكس فى بنيتها التنظيمية وفى بنية معتقداتها ، بحيث أصبحت الطرق الصوفية ، بالذات فى الطيقة العليا و الوسطى ، شكلاُ للمؤسسة الإجتماعية الخاصة بها .
فلأن الطبقة التجارية فعالة أصبح طريقها التصوفى فعالاً متمثلاً فى الجلاء و لأنها حركية أصبح نشاطها الصوفى متحركاً ترقى فيه النفس فى الطريق الروحى ، لأنها فردية أصبح احتياجها يتم بصورة فردية ، ولأنها ذات وضع سلبى أصبح جهادها سلبياً موجهاً إلى الداخل ، لأنها وسيطة أصبح نسبها يعود للخلفاء وليس للنبى .
أما الطبقة المشمولة بالرعاية من أعلى ، فلأنها سكونية أصبح طريقها التصوفى سكونيا متمثلاً فى الإشراق و لأنها مشمولة برعاية النخبة أصبح شيخها موضع تقديس و أصبحت تمجد الدور الخاص بآل البيت دون الصحابة .
أما الطريقة الصوفية الشعبية فلأنها شعبية لا نرى لها بنية تنظيمية محكمة ، ونراها تؤمن بالأمامة و بالتكافل وبتقديس أسماء الله ، وتمجد الفقر .
ومفهوم طبعاً أن تكون الفرق الصوفية كجماعات اجتماعية وثيقة الصلة بخصائص الحياة الاجتماعية و الثقافية ، لكن هل يعنى ذلك أن تكون صورة طبق الأصل من بنية و خصائص طبقة إجتماعية معينة كما حاول جران أن يصورها . فالجماعات الصوفية مثل غيرها من الجماعات العقائدية يظل لها بنية محورية تدور حول مركزية الزعيم ذى الكاريزما الخاصة ، و الريدين المؤمنين به ، ونمط من العقائد الإيمانية التى تتخذ لدى الجماعات الصوفية شكل حالات وجدانية شعورية تتطلب تدريبات و طقوساً خاصة .
وخصائصها التنظيمية تنشأ من نسق الاعتقاد ذاته المتدرج من الأعم فالأخص فالمتفرد الخصوصية حيث القمة التى يحتلها شيخ الطريقة ، وأنشطتها تدور حول الممارسات الصوفية التى تكون هى ذاتها حلقاتها التنظيمية ، وهذه
الخصائص التى تكونت تاريخياً كانت متحققة فى الجماعات الثلاث التى تحدث عنها جران . وعقائدها لها جميعاً أصول تاريخية سابقة على تكوين هذه الجماعات و سابقة بالتالى على تكوين الطبقات التى يفترض أنها مصدرها .
3- الطبقات ككائنات واعية
بأدواتها المنطقية :
يجعل جران من الاستقراء نهجاً منطقياً لدراسات علم الحديث التى عبرت عن هيمنة رأس المال التجارى ويجعل المنطق الاستدلالى ( القياس ) نهجاً لعلم الإلهيات الذى عبر عن هيمنة القطاع التجارى للدولة ، ويجعل النهج التجزيئى للمعرفة و التقليد ( التبعية) السمات المميزة لفترة الاندماج فى السوق العالمية للرأسمال . فأوضاع المجتمع خلال تلك الفترات ، بقواها الاجتماعية المتنوعة وجوانبها التاريخية : الاجتماعية و الإقتصادية و السياسية و الثقافية و الإقتصادية و العرقية ، تختزل إلى جانب واحد منها هو الجانب الإقتصادى ، ثم يختزل الجانب الإقتصادى إلى سمة واحدة من سماته هى السمة التجارية التى تمر بحالات متعاقبة فمرة تعمل من خلال المشروع الخاص ، ومرة تعمل من خلال الهيمنة على المجتمع ومرة ثالثة تعمل من خلال الإندماج مع السوق العالمى .
ولأنها تجارية فالميل إلى النفعية و الفردية يميز جميع مراحلها .
أما مراحلها الخاصة فتتميز كل منها بسمة عقلية نابعة من بنيتها : فعندما تعمل من خلال المشروع الخاص يصبح تفكيرها خاصاً أى استقرائياً ؛ وحينما تعمل من خلال الهيمنة : هيمنة الكل على الأجزاء تصبح ذات عقلية قياسية ؛ وحينما تصبح تابعة مندمجة فى الآخر وجزءاً منه تصبح ذات عقلية تجزيئية تابعة .
يتمثل الاستقراء فى دراسات الحديث ، و يتمثل القياس فى دراسة الإلهيات ، و تتمثل التجزيئية التابعة فى الإنتقائية الفكرية سواء أكانت أوربية أم إسلامية .
فنحن أمام عملية أختزال أخرى تجرى هذه المرة على الثقافى ، فيتحول بكل غناه و تعدد مستوياته و تباين أنماطه التعبيرية إلى تجريد ذهنى بحت ، محايد إزاء المضمون . وكأن ما يهم الطبقة الحائرة للسلطة ، ليس أيديولوجية ذات مضمون يضفى شرعية على سلطتها و يلبى أحتياجاتها ، وإنما يهمها بالدرجة الأولى امتلاك أداة ذهنية منطقية مفرغة من المحتوى الواقعى تتناسب مع إطارها الخارجى .
فالطبقات هنا تبدو كأنها كائنات واعية بذواتها أو بالتحديد بصورتها المنطقية التى تحدد بنيتها مكانة الطبقة الإجتماعية فتبحث عن الصورة أو الأداة المنطقية المناسبة لها لدى مثقفى الطبقة الذين تتحدد مهمتهم فى صياغة تلك الأداة و منحها للطبقة المعنية .
4- الولع التنظيرى و التحليل النفسى :
يبدو واضحاً أن المؤلف لديه ولع خاص بالتنظير ، فهو لا يكاد يلتقى بواقعية مهما كانت جزئية أو عريضة أو حتى خارج سياق البحث ، دون أن يجد نفسه شغوفاً بوضع نظرية لها . فجمع الجبرتى فى منهجية بين تسجيل الوقائع و بين سرد سير الشيوخ تعبيراً عن تجسيده للنخبة الإقتصادية و السياسية ؛ و المخطوطان المنسيان للعطار لهما صلة بالحراك الإجتماعى الذى لو تم نشرها لأثاراه فى المجتمع ، رغم أنهما فى الطب و العلوم .
ويبلغ الولع التنظيرى بالمؤلف أن يقدم على إجراء عملية تحليل نفسى للعطار فينظر للتحليل قبل أن يستخدمة . و تنظيره يتعلق بالبيئة التى تكونت فيها نظرية التحليل النفسى .
و النتيجة التى يصل إليها - بعد التنظير - هى أن العطار لم يتمرد على أبيه و إنما تمرد على مجتمعه ، هذه واحدة ؛ ثالثة هى أن تمرده كان مرتبطاً بحالة الجنسية المثلية التى كان يعانى منها . وما يهمنا هنا ليس مدى صحة التنظير ، على خطئه ، وإنما الطريقة التى يتعامل بها مع نظريات لا تدخل فى سياق البحث ولا تدخل فى تخصص الباحث ، فضلاً عن إنها النظرية و تنظيرها - بلا أثر على النتيجة التى توصل إليها . فهو يقرر نتائجه فى صورة أحكام لا تنبنى على سياق من الملاحظات الاكلينيكية أو التحليلة ، ولا يستخدم أى تكنيك من تكنيكات التحليل النفسى حتى يمكن نسبة تلك النتائج إليه . فهى نتائج لا علاقة لها بالتحليل النفسى ولا بأى من المدارس النفسية الاكلينيكية الأخرى . وإنما هى تعبير عن وجهة نظر عموم الناس فيما يتصورونه عن التحليل النفسى . وبالذات فى مسألة إرتباط الجنس بالمواقف النفسية المختلفة .
وهى المسألة التى عاد جران إلى تأكيدها وهو يحلل - نفسياً - موقف العطار من السيرة النبوية دون أن يسأل نفسه ولو مرة واحدة عن النظرية الإجتماعية للجنسية المثلية فى ذلك العصر .
5- بنية النظرية و تطبيقهاتها :
ليس لدى أعتراض على التنظير فى حد ذاته . فهو مباح بل مطلوب لأنه فيه إثراء لفهم الواقع . لكن النظرية لها بنية و لها وظيفة . فإذا لم تتوافر لها مقومات البنية أو إذا أصبحت فاقدة القدرة على التفسير أو التنبؤ ، فإنها تفقد خصائص النظرية ، وتصبح رأيا شخصياً أو حكماً بلا مبرر .
وبنية النظرية قضايا ذات حدود بينها علاقات . والحدود يجب أن تكون على درجة معقولة من التجانس و من الوضوح و العلاقة بينهما التى تقترحها النظرية يجب أن تكون قابلة لآثبات صوابها أو خطئها . بمعنى أن يكون واضحاً ما الذى ستكون عليه الأمور الملاحظة فى حالة صحة النظرية ، وما الذى ستكون عليه فى حالة خطئها .
وأن تكون هناك مسألة مطروحة للبحث تجيب عليها النظرية .
فإذا أخذنا مثلاً ، ما يسميه جران " تقسيم العمل الإقليمى للثقافة " وهى وجهة النظر التى ترى أن البلدان (العواصم ) المختلفة تمثل مجموعة مختلفة من العلاقات الطبقية فى القرن الثامن عشر ، نشأت عنها نظريات معرفية مختلفة فى ثقافات الطبقات الحاكمة ، فإننا نجد أن المسألة ببساطة عبارة عن ملاحظة مفادها أن المناخ الثقافى فى كل من القاهرة و دمشق و استنبول فى القرن الثامن عشر كان مختلفاً عنه فى البلد الآخر .
و جران يفسر ذلك باختلاف العلاقات الطبقية .
فإذا حدد جران ما يعنيه بالعلاقات الطبقية ، وما يعنية باختلافها فيما بينها ؛ فإن عليه أن يوضح لنا كيف أن الاختلاف فى العلاقات الطبقية ،و ليس الإختلاف فى أى وضع آخر ؛ هو الذى أدى لإختلاف الثقافة . وكيف تنشأ العلاقة بين التكوين الطبقى و بين الثقافة ، هل يعنى ذلك أن التكوينات الطبقية المختلفة يستبعد أن تشترك فى ثقافة عامة واحدة ؛ أو أن تكوينات طبقية متماثلة يمكن أن يكون لديها ثقافات مختلفة ، بأختلاف التاريخ أو أختلاف المجتمع .
وما الذى يعنيه بالنظريات المعرفية للطبقة ، هل هى مسألة مختلفة عن الثقافة ، هل يعنى بذلك أن لكل طبقة نظرية معرفية خاصة بها .
وهل ينطبق هذا الحكم على القرن الثامن عشر فحسب ،و على البلدان التى ذكرها فحسب ، أم يسرى على جميع البلدان فى مختلف العصور .
واضح طبعاً من الدعوة إلى علم إجتماع للمعرفة قائم على بنية السوق أم المسألة أعمق لديه من أن تكون مجرد حالة خاصة . فهى تبدو هنا تمييزا بين الأنساق المعرفية لبلدان المركز من ناحية ، وبلدان الأطراف من ناحية أخرى . فهو يؤكد على إرتباط المعارف فى المركز ، بالعلمى و التقنى و إرتباطها فى الأطراف بالعقلانية التى تعلو على التجريبية . مرة أخرى نواجه بالتعبيرات الفضفاضة التى تحوى أشياء كثيرة ولا تقول شيئاً محدداً يمكن إثبات صوابه أو إثبات خطئه . لكن العلاقة بين مركزية المركز و عملية المعارف من ناحية ، وبين طرفية الأطراف و عقلانية المعارف من ناحية أخرى ، لا تجد توضيحاً كافياً .
فالعملية الرأسمالية هى مشروع يتميز بنوع ما من أنواع العقلانية . بمعنى التنظيم الإدارى و الإستثمارى القائم على دراسة السوق و الحركة السلعية وعلى تطوير تكنولوجيا الإنتاج و أعتمادها على المعرفة ؛ فما هى العقلانية المفتقدة فى المركز و المتحققة فى الأطراف .
أما نظرية الإنعكاس التى ينتقدها فى أحد المواضع و التى يتبناها رغم ذلك فى كافة تنظيراته ، فإنها لا تجد أيضاً توضيحاً كافياً : فالتعديل الذى يرى إدخاله عليها هو أن هناك مستويين لعلاقة الثقافة بالواقع الإجتماعى الإقتصادى ، المستوى الأول هو مستوى العملية الإنتاجية نفسها حيث تصبح الثقافة جزءا منها ، و المستوى الثانى هو مستوى الإستمرار التاريخى لثقافة ما وهى مسألة ثانوية . ولم يوضح لنا هل الثقافة الداخلية فى العملية الإنتاجية هى ذاتها المستمرة تاريخياً فى المتصل الممثل لثقافة النخبة أولاً . وما الذى يجعلها و بأى طريقة تدخل فى العملية الإنتاجية .
على المسألة الأساسية ، التى لا نرى إشارة لها لدى جران ، هى الكيفية التى يتحول بها الإقتصادى الإجتماعى إلى ثقافى . فميكانزمات هذا التحول ووسائطة هى التى تمنحه قابلية أن يصدق . وقد تتنوع و تتعدد تلك الوسائط لكن من الصعب تصور أنها تحدث خارج خبرات الأفراد الحياتية ، وخارج خصائص التكوين الثقافى التاريخى للمجتمع ككل ، و للجماعات الثقافية المختلفة داخلة .
وهذه الوسائط ليست مجرد قنوات بث مباشر تنقل الإجتماعى إلى الثقاقى . بل هى ذاتها لها خصائصها و لها تاريخها و لها فاعليتها .
و النظرة التى تحول الإجتماعى إلى ثقافى مباشر ، إنما تحول الإجتماعى إلى تجريد ذهنى بحت ، وتجرى عليه عمليات ذهنية بحتة ، وتخرج نتائجها فى صورة مقولة منطقية لا تغار فى واقع الأمر ذهن صاحبها ، الذى لن يصعب عليه أن يجد من بين العديد من المنتجات الثقافية المتنوعة ، أحد الشواهد التى تبدو و كأنها اثبات لبنيته الذهنية الخالصة . وهكذا يبدأ الطريق إلى الأنساق النظرية المغلة التى تتوالد ذاتياً فى دوائر متزايدة الإتساع حتى تحتوى الظاهرة موضوع البحث بأسرها ولا تدع بها مكانا لنظرية مغايرة .
6- الإسلام و الرأسمالية : مسائل فى المنهج :
عنوان البحث - و الذى هو محوره - ينطوى على حكم عام ، لم أجد له تخصيصاً فى متن الكتاب ، إذ ما هو"الإسلامى" الذى وجد فيه جذوراً للرأسمالية " . وما الذى يعنية بالرأسمالية " على وجه التحديد . احتمالات المعنى مفتوحة فى كلا التعبيرين . فالإسلامى قد يعنى النص المقدس وحده ، وقد يضيف إليه النص التراثى ، وقد يعنى تأويلاً خاصاً لهما . وقد يعنى الممارسة السلوكية الفعلية لجماعة من المسلمين فى عصر معين ومكان معين . وقد يعنى مجمل القيم و المعايير و العقائد و الموقف التى تشكل وجدان جماعة المسلمين . وقد يعنى تحديداً نوعاً معيناً من القيم و التصورات التى توجه السلوك الإقتصادى لجماعة من المسلمين . لقد كنت أتوقع أن يحدد لنا المؤلف أى معنى من تلك المعانى يعالج البحث .
و بالنسبة للرأسمالية ، فتحديدها لديه . والذى أدرك فى مقدمته للطبعة العربية ، يجعلها قابلة لتفسيرات شتى و يجعلها عنده عبر فترات طويلة من الزمن ، فلا يفرق على الأقل بين الرأسمالية الحديثة و الرأسماليات أو الأشكال الرأسمالية السابقة عليها .
فاعتبار عامل أقصى حد للربح عاملاً محدداً ومميزاً للرأسمالية عن الاقطاع . يجعل كافة الممارسات التجارية منذ بداية التاريخ ممارسات رأسمالية و بذلك يفقد المصطلح قيمته التشخيصية و المتميزية . فإذا كنا بصدد التساؤل عن التشكل التاريخى لعناصر الرأسمالية الحديثة فى مجتمعنا المصرى ، وما إذا كانت عناصر داخلية المنشأ أم مستقدمة من الخارج فتحديد المصطلحات يصبح ذا أهمية مضاعفة .
فإذا حدثنا الكاتب بعد ذلك عن رأسمالية ثقافية فقد وضعنا معه فى مأزق حقيقى . فالمفروض بحكم المنطوق ، أن الرأسمالية الثقافية هى الثقافة المميزة للرأسمالية : التى لم تنفق أصلاً على معنى محدد لها .
وإرتباط الرأسمالية فى مصر بجذور إسلامية يعنى أن الإرتباط بينهما له صيغة محددة هى صيغة إرتباط الشئ بجذوره . و بالتالى فالنمو الطبيعى للإسلام يثمر نظاماً رأسمالياً . ولكن المؤلف يوافق ضمناً على ما ذهب إليه - دونسون فى بحثه الهام فى هذا الموضوع و الذى ذهب فيه إلى أن الإسلام قد يدعم الرأسمالية كما قد يدعم مختلف الأنظمة الأنتاجية الأخرى . فهل يعنى ذلك بالنسبة لجران أن الإسلام ذو جذور متعددة و متنوعة تستطيع أن تنبت نظماً إقتصادية متباينة. أتصور أن هناك أحد أحتمالين :
أولهما أم المؤلف يريد أن يقول أن الكتابات و التصورات التى كانت شائعة فى أوساط المسلمين ، قبل نشأة الرأسماللية التجارية ، أعيد تأويلها و أعيدت صياغتها بحيث توائم و تدعم النشاط التجارى المهئ للرأسمالية .
ثانيهما : أن ثمة عناصر معينة تميز بها الإسلام كما تصوره و فهمه و مارسه مثقفو المجتمع المصرى فى الفترة موضوع البحث ، وأن مجموع تلك العناصر وفر الإطار الفكرى لحركة الرأسمالية التجارية .
الإحتمال الأول يتوافق مع فكرة أن الإسلام قد يدعم الرأسمالية كما قد يدعم مختلف الأنظمة الإنتاجية الأخرى ، وهو يكاد المؤلف يصرخ به فى المقدمة العربية .
و الإحتمال الثانى : يتوافق أكثر عنوان البحث ، حيث يجعل للرأسمالية جذوراً إسلامية . الأمر الذى يستدعى للذهن دراسة ماكس فيبر الشهيرة عن العقائد البروتستانية وروح الرأسمالية .
على أن هناك عدة فروق بين الدارسين . فأولاً الموضوع لدى فيبر أكثر تحديداً . فهو يتحدث عن الأخلاق البروتستانتية و الجماعات الأعتقادية البروتستانتية و علاقتها بالأخلاقيات و السلوكيات التى تطلبها نشأة ونمو
الرأسمالية الحديثة بنمطها الغربى بالتحديد فالعلاقة بين حدود الموضوع هنا فيها تجانس و خالية من الفجوات .
وثانياً : فهو لا يتحدث عن علاقة علية مباشرة أو عن علاقة الأصل لصورته المنعكسة فى المرآه ، إنما يتحدث عن شروط تاريخية ذات طابع إجتماعى أخلاقى هيأت المناخ لنشأة نظام إنتاجى معين ، متضافرة مع عوامل أخرى أساسية دون أن تدعى لنفسها مكانة السبب الكافى أو حتى الضرورى لنشأة الرأسمالية ، ولكن بدونها كان من الصعب تصور أن الرأسمالية الحديثة كانت ستكون على ما هى عليه .
وثالثاً : فالوسائط أو الميكانزمات حاضرة بوضوح وفى مركز الضوء . فهو لا يجرى تقابلاً بين النصوص البروتستانتية من الناحية و بين خصائص الرأسمالية من ناحية أخرى ؛ ثم يقيم تطابقا بين جوانب مجردة فى كل منهما ، وإنما يتحدث عن النصوص من حيث هى مؤشرات لممارسات متحققة فى الواقع من خلال جماعات أعتقادية تمارس هى ذاتها أعمالاً متعلقة بالاستثمار الرأسمالى ، وتميل إلى التقشف و إلى الالتزام بالأتفاقات و إلى الأمانة ، وتعلى من القيمة الدينية للنجاح فى العمل المهنى الذى هو البدليل الحقيقى لرضا الرب و اصطفائه .
فتكون مثل الجماعات بقيمها السلوكية تلك و بممارستها الإقتصادية تلك تشكل الوسيط العيانى بين الثقافى من ناحية و بين الإقتصادى الإجتماعى من ناحية أخرى .
وبذلك لا يدعنا فيبر - سواء اتفقنا معه أو أختلفنا - نحلق فى انساق نظرية مغلقة ومجردة لا تترك لنا - ونحن داخلها سبيلا للهبوط إلى أرض الواقع .
على أننا لو نزعنا عن البحث غلافه النظرى لوجدنا إنجازات رائدة :
1- فقد أعاد الباحث الاعتبار للشروح و الحواشى بحيث ترقى إلى مستوى التأليف ، خاصة حينما تكون هى شكل التعبير المتاح فى عصر معين .
2- كشف عن حياة فكرية نشطة مصاحبة لتغيرات الظروف الإجتماعية و الإقتصادية ، خلال فترة مهملة من التاريخ المصرى .
3- بين كيف يتدخل العلمانى و الدينى فى المؤلفات ذات الطابع الدينى . فراصد الفكر العلمانى عليه أن ينقب داخل المؤلفات الدينية ليكتشف التحولات العلمانية التى تجرى تحت السطح .
4- رصد تغيرات مهمة فى نوعية النشاط الإقتصادى مثل التحول السلعى للزراعة ودخول التعامل النقدى ، و التحولات الإجتماعية المصاحبة له .
5- بين كيف أن الرأسمالية الحديثة أتخذت منذ نشأتها طابع تقسيم العمل الدولى . وحددت الأدوار - تاريخياً - لبلدان الأطراف ، مما أحدث تغيرات بنيوية فى تركيبها سلبتها قدرتها على التقدم الذاتى .
ملاحظات الترجمة :
يتميز الكتاب الأصلى بأسلوب معقد ، و بمصطلحات متنوعة و لعل هذا هو السبب الذى جعل الترجمة العربية عسيرة القراءة ، بها من الأخطاء اللغوية و الاصطلاحة و التاريخية ما يتجاوز الحد المسموح به عموماً .
فمن أمثلة الأخطاء اللغوية أن النفايات التى كان ت تلقى فى الشوارع أو فى النيل ، أصبحت " نفايات تباع بأسعار رخيصة فى الشوارع أو على شاطئ النيل ".
و العبارة القائلة بأن الجهود الأولى فى هذا السبيل ( كتابة المقامات ) لم تكن متقنة بطبيعة الحال ، تصبح " و بينما كان من الطبيعى أم يمثل الرجوع إلى مراجع ما قبل الإسلام جهداً غير مرغوب فيه ".
و من أمثلة الأخطاء الاصطلاحية :
أن الإقتصاد التصديرى يصبح أقتصاداً شرقياً فى أتجاه التصدير .
ورسوم الأنعام بالنياشين و الألقاب على الموظفين ، تصبح " الهدايا التى يتلقها من الموظفين الرسميين " .
ومن أمثلة الأخطاء التاريخية ، يجعل تشمليس من كبار ضباط الحملة الفرنسية بينما هو أمير بحر يعمل لدى مراد بك ، وهذا الخطأ جعل المترجم يغير إتجاه مدفعيتة إلى الناحية الأخرى .
وحركة الأسيجة ، هى حركة تسوير الأرض فى أوربا ، جعلها المترجم " حركة الإنغلاق " ووصل منها إلى أن الكروم لا يحتاج إلى الإنغلاق " .
وكتاب " الكشكول " الذى كان مرجعاً أساسياً للوفاء ، جعله المترجم ، " العمل الأدبى الأساسى حول الوفائية " وجعله يتحدث عن الإمام أبى الأنوار الذى جاء بعده بقرنين .
___________________________________________________________________
القاهرة العدد 125 إبريل 1993
الناشر : الهيئة المصرية العامة للكتاب
________________________________________
*صاحب " نقد المفهوم العصرى للقرآن " لمصطفى محمود ، وصاحب أول كتاب عن المنطق الوضعى لزكى نجيب محمود .
|
|