لام ألف دوت نت تحاول أن تقول لا فى وجه الحاكم الجائر والمستبد، وفى وجه من يقولون نعم لهذه الأوضاع السيئة التى تعيشها مصر، والعالم العربى
المحتويات | الكتاب الأول ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 |

نقلا عن مجلة القاهرة العدد (149 ) إبريل 1995


3- الدين وانتحال الشعر

ولم تكن العواطف والمنافع الدينية أقل من العواطف والمنافع السياسية أثرا في تكلف الشعر وانتحاله وإضافته إلي الجاهليين ، لا نقول في العصور المتأخرة وحدها ، بل فيها وفي العصر الأموي أيضا .
وربما ارتقى عصر الانتحال المتأثر بالدين إلي ايام الخلفاء الراشدين أيضا، ولو أن لدينا من سعة الوقت وفراغ البال ما يحتاج إليه هذا الموضوع للهونا وألهينا القاريء بنوع من البحث لا يخلو من فائدة علمية وأدبية قيمة ، وهو أن نضع تاريخا لهذا الانتحال المتأثر بالدين .
فنحن نرى أنه تشكل إشكالا مختلفة دعت إليها الظروف المختلفة التي أحاطت بالحياة الدينية للعرب خاصة وللمسلمين عامة .
فكل هذا الانتحال في بعض أطواره يقصد به إلي إثبات صحة النبوة وصدق النبي ، وكان هذا النوع موجها إلي عامة الناس .
وأنت تستطيع أن تحمل علي كل هذا كل ما يروى من هذا الشعر الذي قيل في الجاهلية ممهدا لبعثة النبي وكل ما يتصل به من هذه الأخبار والأساطير التي تروى لتقنع العامة بأن علماء العرب وكهانهم وأحبار اليهود ورهبان النصارى كانوا ينتظرون بعثة نبي عربي يخرج من قريش أو من مكة .
وفي سيرة ابن هشام وغيرها من كتب التاريخ والسير ضروب كثيرة من هذا النوع .
وأنت تستطيع أن تحمل علي هذا لونا آخر من الشعر المنتحل لم يضف إلي الجاهليين من عرب الإنس وإنما أضيف إلي الجاهليين من عرب الجن .
فقد يظهر أن الأمة العربية لم تكن أمة من الناس الذين ينتسبون إلي آدم ليس غير ، وإنما كان بإزاء هذه الأمة الإنسية أمة أخرى من الجن كانت تحيا حياة الأمة الإنسية وتخضع لما تخضع له من المؤثرات ، وتحس مثلما تحس ، وتتوقع مثل ما تتوقع .
وكانت تقول الشعر وكان شعرها أجود من شعر الإنس ، بل كان شعراؤها هم الذين يلهمون شعراء الإنس فأنت تعرف قصة عبيد وهبيد .
وأنت تعرف أن الأعراب والرواة قد لهو بعد الإسلام بتسمية الشياطين الذين كانوا يلهمون الشعراء قبل النبوة وبعدها .
وفي القرآن سورة تسمي " سورة الجن " أنبأت بأن الجن استمعوا للنبي وهو يتلو القرآن فلانت قلوبهم وآمنوا بالله ورسوله ، وعادوا فأنذروا قومهم ودعوهم إلي الدين الجديد .
وهذه السورة تنبيء أيضا بأن الجن كانوا يصعدون في السماء يسترقون السمع ، ثم يهبطون وقد ألموا إلماما يختلف قوة وضعفا بأسرار الغيب ، فلما قارب زمن النبوة حيل بينهم وبين استراق السمع فرجموا بهذه الشهب وانقطعت أخبار السماء عن أهل الأرض حينا .
فلم يكد القصاص والرواة يقرءون هذه السورة وما يشبهها من الآيات التي فيها حديث عن الجن حتى ذهبوا في تأويلها كل مذهب واستغلوها استغلالا لا حد له ، وأنطقوا الجن بضروب من الشعر وفنون من السجع ، ووضعوا علي النبي نفسه أحاديث لم يكن بد منها لتأويل آيات القرآن علي النحو الذي يريدونه ويقصدون إليه .
وأعجب من هذا أن السياسة نفسها قد اتخذت الجن أداة من أدواتها وأنطقتها بالشعر في العصر الإسلامي نفسه .
فقد أشرنا في الفصل السابق إلي ما كان من قتل سعد بن عبادة ، ذلك الأنصاري الذي أبي أن يذعن بالخلافة لقريش ، وقلنا أنهم تحدثوا أن الجن قد قتلته .
وهم لم يكتفوا بهذا الحديث ، وإنما رووا شعرا قالته الجن تفتخر فيه بقتل سعد بن عبادة هذا :

قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده
ورميناه بسهمين فلم نخطيء فؤاده
وكذلك قالت الجن شعرا رثت فيه عمر بن الخطاب

أبعد قتيل بالمدينة أظلمت
له الأرض تهتز العضاه بأسوق
جزى الله خيرا من إمام وباركت
يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة
ليدرك ما حاولت بالأمس يسبق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها
بوائق في أكمامها لم تفتق
وما كنت أخشى أن تكون وفاته
بكفي سبتني أزرق العين مطرق

والعجب أن أصحاب الرواية مقتنعون بأن هذا الكلام من شعر الجن .
وهم يتحدثون في شيء من الإنكار والسخرية بأن الناس قد أضافوا هذا الشعر إلي الشماخ بن ضرار .
ولنعد إلي ما نحن فيه فقد أظهرناك علي نحو من الشعر علي الجن والإنس باسم الدين .
والغرض من هذا الانتحال - فيما نرجح - إنما هو إرضاء حاجات العامة الذين يريدون المعجزة في كل شيء ، ولا يكرهون أن يقال لهم أن من دلائل صدق النبي في رسالته أنه كان منتظرا قبل أن يجيء بدهر طويل ، تحدثت بهذا الانتظار شياطين الجن وكهان الإنس وأحبار اليهود ورهبان النصارى .
وكما أن القصاص والمنتحلين قد اعتمدوا علي الآيات التي ذكرت فيها الجن ليخترعوا ما اخترعوا من شعر الجن وأخبارهم المتصلة بالدين فهم قد اعتمدوا علي القرآن أيضا فيما رووا أو انتحلوا من الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلي الأخبار والرهبان .
فالقرآن يحدثنا بأن اليهود والنصارى يجدون النبي مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .
وإذن فيجب أن تخترع القصص والأساطير وما يتصل بها من الشعر ليثبت أن المخلصين من الأحبار والرهبان كانوا يتوقعون بعثة النبي ويدعون الناس إلي الإيمان به حتى قبل أن يظل الناس زمانه .
ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلي الجاهليين ، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش .
فلأمر ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم ، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف ، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ، وأن يكون قصي صفوة قريش .
وقريش صفوة مضر ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلها .
وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتصل منه بأسرة النبي خاصة ، فيضيفون إلي عبد الله وعبد المطلب وهاشم وعبد مناف وقصي من الأخبار ما يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم ويثبت تفوقهم علي قومهم خاصة وعلي العرب عامة .
وأمن نعلم أن طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ، ولا سيما إذا كانت العامة هي التي تراد بهذا القصص .
وهنا تتظاهر العواطف الدينية والعواطف السياسية علي انتحال الشعر .
فقد أرادت الظروف أن تكون الخلافة والملك في قريش رهط النبي ، وأن تختلف قريش حول هذا الملك فيستقر حينا في بني أمية وينتقل منهم إلي بني هاشم رهط النبي الأدنين .
ويشتد التنافس بين أولئك وهؤلاء ، ويتخذ أولئك وهؤلاء القصص وسيلة من وسائل الجهاد السياسي .
فأما في أيام بني أمية فيجتهد القصاص في أثبات ما كان لأمية من مجد في الجاهلية .
وأما في أيام العباسيين فيجتهد القصاص إثبات ما كان لبني هاشم من مجد في الجاهلية .
وتشتد هذه الخصومة بين قصاص هذين الحزبين السياسيين ، وتكثر الروايات والأخبار والأشعار .
ثم لا يقتصر الأمر علي هذين الصنوين من بني عبد مناف ، فالأرستقراطية القرشية كلها طموحة إلي المجد حريصة علي أن يكون لها حظ منه في قديمها كما أن لها حظا منه في حديثها.
وإذن فالبطون القرشية علي اختلافها تنتحل الأخبار والأشعار وتغري القصاص وغير القصاص بانتحالها .
ولا أصل لهذا كله إلا أن قريشا رهط النبي من ناحية ، وأن الملك قد استقر فيها من ناحية أخرى .
فأنظر إلي تعاون العواطف الدينية والسياسية علي انتحال الشعر أيام بني أمية وبني العباس .
ولست في حاجة إلي أن أضرب لك من الأمثال .
فأنت تستطيع أن تنظر في سيرة ابن هشام وغيرها من كتب السير والتاريخ لترى من هذا كله الشيء الكثير .
وإنما أضرب لك مثلا واحدا يوضح ما ذهبت إليه من أن بطون قريش كانت تحث علي انتحال الشعر منافسة للأسرة المالكة أموية كانت أو هاشمية .
وهذه القصة التي سأرويها تمس رهط بني مخزوم من قريش ، وهي تعطيك مثلا صادقا قويا لحرص قريش علي انتحال الشعر لا تتحرج في ذلك ولا ترعى فيه صدقا ولا دينا .
تحدث صاحب الأغاني بإسناد له عن عبد العزيز بن أبي نهشل قال : قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث ابن هشام وجئته اطلب منه مغرما : يا خال هذه أربعة آلاف درهم وانشد هذه الأبيات الأربعة وقل سمعت حسان ينشدها رسول الله صلي الله عليه وسلم ؛ فقلت أعوذ بالله أن أفتري علي الله ورسوله ، ولكن إن شئت أن أقول سمعت عائشة تنشدها فعلت .
فقال لا ، إلا أن تقول سمعت حسان ينشدها رسول الله صلي الله عليه وسلم ورسول الله صلي الله عليه وسلم جالس ؛ فأبي علي وأبيت عليه .
فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليال .
فأرسل إلي فقال قل أبياتا تمدح بها هشاما - يعني ابن المغيرة - وبني أمية ؛ فقلت سمهم لي ؛ فسماهم ، وقال اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك ؛ فقلت :
ألا لله قوم ولدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبد مناف مدرة الخصم
وذو الرمحين أشباك علي القوة والحزم
فهذان يذودان وذا عن كثب يرمي
أسود تزدهي الأفران مناعون للهضم
وهم يوم عكاظ منعوا الناس من الهزم
وهم من ولدوا أشبوا بسر الحسب الضخم
فإن أحلف وبيت لله لا أحلف علي إث
م لما من أخوة تبني قصور الشام والردم
بأزكى من بني ربطة أو أوزن في الحلم

قال : ثم جئت فقلت : هذه قالها أبي ؛ فقال لا ولكن قل قالها ابن الزبعري ؛ قال فهي إلي الآن منسوبة في كتب الناس إلي ابن الزبعري .
فأنظر إلي عبد الرحمن ابن الحارث ابن هشام كيف أراد صاحبه علي أن يكذب وينتحل الشعر علي حسان ؛ ثم لا يكفيه هذا الانتحال حتى يذيع صاحبه أنه سمع حسانا ينشد هذا الشعر بين يدي النبي ، كل ذلك بأربعة الآلاف درهم .
ولكن صاحبنا كره أن يكذب علي النبي بهذا المقدار ، وأستباح أن يكذب علي عائشة .
وعبد الرحمن لا يرضيه إلا الكذب علي النبي ؛ فاختصما .
وكلاهما شديد الحاجة إلي صاحبه ، هذا يريد شعرا لشاعر معروف ، والآخر يريد المال ؛ فيتفقان آخر الأمر علي ان ينحل الشعر عبد الله بن الزبعري شاعر قريش .
ومثل هذا كثير .
نحو آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وهو هذا الذي يلجأ إليه القصاص لتفسير ما يجدونه مكتوبا في القرآن من أخبار الأمم القديمة البائدة كعاد وثمود ومن إليهم .
فالرواة يضيفون إليهم شعرا كثيرا .
وقد كفانا ابن سلام نقده وتحليله حين جد في طبقات الشعراء في إثبات أن هذا الشعر وما يشبهه مما يضاف إلي تبع وحمير موضوع منتحل ، وضعه ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص .
و ابن إسحاق ومن إليه من أصحاب القصص لا يكتفون بالشعر يضيفونه إلي عاد وثمود وتبع وحمير ، وإنما هم يضيفون الشعر إلي آدم نفسه ، فهم يزعمون أنه رثى هابيل حين قتله أخوه قابيل .
ونظن أن من الإطالة والإملال أن نقف عند هذا النحو من السخف .
ونحو آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر ، وذلك حين ظهرت الحياة العلمية عند العرب بعد أن اتصلت الأسباب بينهم وبين الأمم المغلوبة .
فأرادوا هم أو الموالي أو أولئك وهؤلاء أن يدوسوا القرآن درسا لغويا ويثبتوا صحة ألفاظه ومعانيه .
ولأمر ما شعروا بالحاجة إلي إثبات أن القرآن كتابا عربيا مطابق في ألفاظه للغة العرب .
فحرصوا علي أن يستشهدوا علي كل كلمة من كلمات القرآن بشيء من شعر العرب يثبت أن هذه الكلمة القرآنية عربية لا سبيل إلي الشك في عربيتها .
وأنت توافقني في غير مشقة علي أن من العسير كما قدمت في الكتاب الأول أن نطمئن إلي كل هذا الشعر الذي يستشهد به الرواة والمفسرون علي ألفاظ القرآن ومعانيه .
وقد عرفت رأينا في ذلك وفي قصة عبد الله بن عباس ونافع ابن الأزرق ، فلا حاجة إلي أن نعيد القول فيه .
وإنما نعيد شيئا واحدا وهو أننا نعتقد أنه إذا كان هناك نص عربي لا تقبل لغته شكا ولا ريبا وهو لذلك أصدق مصدر للغة العربية فهو القرآن .
وبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن نستشهد علي صحة ما يسمونه الشعر الجاهلي بدل أن نستشهد بهذا الشعر علي نصوص القرآن .
ولست أفهم كيف يمكن أن يتسرب الشك إلي عالم جاد في عربية القرآن واستقامة ألفاظه وأساليبه ونظمه علي ما عرف العرب أيام النبي من لفظ ونظم وأسلوب !
وإنما هناك مسألة أخرى وهي أن العلماء وأصحاب التأويل من الموالي بنوع خاص لم يتفقوا في كثير من الأحيان علي فهم القرآن وتأويل نصوصه ، فكانت بينهم خصومات في التأويل والتفسير .
وعن هذه الخصومات نشأت خصومات أخرى بين الفقهاء وأصحاب التشريع .
وهنا نوع جديد من تأثير الدين في انتحال الشعر .
فهذه الخصومات بين العلماء كان لها تأثير غير قليل في مكانة العالم وشهرته ورأي الناس فيه وثقة الأمراء والخلفاء بعلمه .
ومن هنا كان هؤلاء العلماء حراصا علي أن يظهروا دائما مظهر المنتصرين في خصوماتهم الموفقين إلي الحق والصواب فيما يذهبون إليه من رأي .
وأي شيء يطيح لهم هذا مثل الاستشهاد بما قالته العرب قبل نزول القرآن !
وقد كثر استغلالهم لهذا الاستشهاد فاستشهدوا بشعر الجاهليين علي كل شيء وأصبحت قراءة الكتب الأدبية واللغوية وكتب التفسير والمقالات تترك في نفسك أثرا قويا وصورة غريبة لهذا الشعر الجاهلي ، حتى ليخيل إليك أن أحد هؤلاء العلماء علي اختلاف ما كان ينظر فيه من فروع العلم لم يكن عليه إلا أن يمد يده إذا احتاج فيظفر بما شاء الله من كلام العرب قبل الإسلام كأن كلام العرب قبل الإسلام قد وعي كل شيء وأحصي كل شيء .
هذا وهم مجمعون علي أن هؤلاء الجاهليين الذين قالوا في كل شيء كانوا جهلة غلاظا فظاظا .
أفترى إلي هؤلاء الجهال الغلاظ يستشهد بجهلهم وغلظتهم علي ما انتهت إليه الحضارة العباسية من علم ودقة فنية !
فالمعتزلة يثبتون مذاهبهم بشعر العرب الجاهليين .
وغير المعتزلة من أصحاب المقالات ينقضون آراء المعتزلة معتمدين علي شعر الجاهليين .
وما أرى إلا أنك ضاحك مثلي أمام هذا الشطر الذي رواه بعض المعتزلة ليثبت أن كرسي الله الذي هو وسع السماوات والأرض هو علمه ؛ وهذا الشطر هو قول الشاعر ( المجهول طبعا ) : " ولا بكرسي علم الله مخلوق " .
وكذلك أصحاب العلم علي الجاهليين كثير لا سبيل إلي إحصائه أو استقصائه .
فهو ليس مقصورا علي رجال الدين وأصحاب التأويل والمقالات ورجال اللغة وأهل الأدب ، وإنما هو يجاوزهم إلي غيرهم من الذين قالوا في العلم مهما يكن الموضوع الذي تناولوه .
لأمر ما كان البدع في العصر العباسي عند فريق من الناس أن يرد كل شيء إلي العرب حتى الأشياء التي استحدثت أو جاء بها المغلوبون من الفرس والروم وغيرهم .
وإذا كان الأمر كذلك فليس لانتحال الشعر علي الجاهليين حد .
وأنت إذا نظرت في كتاب الحيوان للجاحظ رأيت من هذا الانتحال ما يقنعك ويرضيك .
ولكني لا أريد أبعد عما أنا فيه من تأثير العواطف والمنافع الدينية في انتحال الشعر وإضافته إلي الجاهليين .
وقد رأينا إلي الآن فنونا من هذا التأثير ولكننا لم نصل بعد إلي أعظم هذه الفنون كلها خطرا وابعدها أثرا وأشدها عبثا بعقول القدماء والمحدثين ، وهو هذا النوع الذي ظهرعندما استأنف الجدال في الدين بين المسلمين وأصحاب الملل الأخرى ، ولا سيما اليهود والنصارى .
هذا الجدل الذي قوي بين النبي وخصومة ، ثم هدأ بعد أن تم انتصار النبي علي اليهود والوثنيين في بلاد العرب ، وانقطع أو كاد ينقطع أيام الخلفاء الراشدين ؛ لأن الكلمة في أيام هؤلاء لم تكن للحجة ولا للسان ، وإنما كانت لهذا السيف الذي أزال سلطان الفرس وأقتطع من دولة الروم الشام وفلسطين ومصر وقسما من أفريقيا الشمالية .
فلما انتهت هذه الفتوح واستقر العرب في الأمصار واتصلت الأسباب بينهم وبين المغلوبين من النصارى وغير النصارى استؤنف هذا الجدال وأخذ صورة أقرب إلي النضال منها إلي شيء آخر .
وذهب المجادلون في هذا النوع من الخصومة مذاهب لا تخلو من الغرابة نحب أن نشير إلي بعضها في شيء من الإيجاز .
أما المسلمين فقد أرادو أن يثبتوا أن للإسلام أولية في بلاد العرب كانت قبل أن يبعث النبي ، وأن خلاصة الدين الإسلامي وصفوته هي خلاصة الدين الحق الذي أوحاه الله إلي الأنبياء من قبل .
فليس غريبا أن نجد قبل الإسلام قوما يدينون بالإسلام أخذوه من هذه الكتب السماوية التي أوحيت قبل القرآن .
والقرآن يحدثنا عن هذه الكتب ، فهو يذكر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى .
وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئا آخر هو صحف إبراهيم .
ويذكر غير دين اليهود والنصارى دين آخر هو ملة إبراهيم ، هو هذه الحنيفية التي لم نستطيع إلي الآن أن نتبين معناها الصحيح .
وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله ، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله ، وكان القرآن قد وقف من أولئك وهؤلاء موقف من ينكر عليهم صحة ما يزعمون ، فطعن في صحة ما بين أيديهم من التوراة والإنجيل واتهمهم بالتحريف والتغيير ، ولم يكن أحد قد أحتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها ، فقد أخذ المسلمون يردون الإسلام في خلاصته إلي دين إبراهيم هذا الذي هو أقدم وانقي من دين اليهود والنصارى .
وشاعت في العرب أثناء ظهور وبعده فكرة أن الإسلام يجدد دين إبراهيم .
ومن هنا أخذوا يعتقدون أن دين إبراهيم هذا قد كان دين العرب في عصر من العصور ثم أعرضت عنه لما أضلها به المضلون وانصرفت إلي عبادة الأوثان .
ولم يحتفظ بدين إبراهيم إلا أفراد قليلون يظهرون من حين إلي حين .
وهؤلاء الأفراد يتحدثون فنجد من أحاديثهم ما يشبه الإسلام .
وتأويل ذلك يسير ، فهم أتباع إبراهيم ، ودين إبراهيم هو الإسلام .
وتفسير هذا من الوجهة العلمية يسير أيضا ، فأحاديث هؤلاء الناس قد وضعت لهم وحملت عليهم حملا بعد الإسلام لا لشيء إلا ليثبت أن للإسلام في بلاد العرب قدمه وسابقة .
وعلي هذا النحو تستطيع أن تحمل كل ما تجد من هذه الأخبار والأشعار والأحاديث التي تضاف إلي الجاهليين والتي يظهر بينها وبين ما في القرآن من الحديث شبه قوي أو ضعيف .
وهنا نصل إلي مسألة عني بها الباحثون عن تاريخ القرآن من الفرنج والمستشرقين خاصة ، وهي تأثير المصادر العربية الخالصة في القرآن .
فقد كان هؤلاء الباحثون يرون أن القرآن تأثر باليهودية والنصرانية ومذاهب أخرى بين بين كانت شائعة في البلاد العربية وما جاورها .
ولكنهم رأوا أن يضيفوا إلي هذه المصادر مصدرا عربيا خالصا ؛ والتمسوا هذا المصدر من شعر العرب الجاهليين ، ولاسيما الذين كانوا يتمنعون منهم .
وزعم الأستاذ ( كليمان هوار ) - في فصل طويل نشرته له المجلة الأسيوية سنة 1804 - أنه قد ظفر من ذلك بشيء قيم واستكشف مصدرا جديدا من مصادر القرآن ، هذا الشيء القيم وهذا المصدر الجديد هو شعر أمية بن أبي الصلت .
وقد أطال الأستاذ ( هوار ) في هذا البحث وقارن بين هذا الشعر الذي ينسب إلي أمية ابن أبي الصلت وبين آيات القرآن ، وانتهي من هذه المقارنة إلي نتيجتين :
    ( الأولى ) أن هذا الشعر الذي ينسب لأمية ابن أبي الصلت صحيح لأن هناك فروقا بين ما جاء فيه وما جاء في القرآن من تفصيل بعض القصص ، ولو كان منتحلا لكانت المطابقة تامة بينه وبين القرآن .
    وإذا كان هذا الشعر صحيحا ، فيجب في رأي الأستاذ ( هوار ) أن يكون النبي قد استعان به قليلا أو كثيرا في نظم القرآن .
    ( الثانية ) أن صحة هذا الشعر واستعانة النبي به في نظم القرآن قد حملتا المسلمين علي محاربة شعر أمية ابن أبي الصلت ومحوه ليستأثر القرآن بالجدة وليصح أن النبي قد انفرد بتلقي الوحي من السماء .
وعلي هذا النحو استطاع الأستاذ ( هوار ) أو خيل أليه أنه استطاع أن يثبت أن هناك شعرا جاهليا صحيحا ، وأن هذا الشعر الجاهلي قد كان له أثر في القرآن .
ومع أني من أشد الناس إعجابا بالأستاذ ( هوار ) وبطائفة من أصحابه المستشرقين وبما ينتهون إليه في كثير من الأحيان من النتائج العلمية القيمة في تاريخ الأدب العربي وبالمناهج التي يتخذونها للبحث ، فأني لا استطيع أن أقرأ مثل هذا الفصل الذي أشرت إليه آنفا دون أن أعجب كيف يتورط العلماء أحيانا في مواقف لا صلة بينها وبين العلم .
وليس يعنيني هنا أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أو لا يكون ، فأنا لا أؤرخ القرآن ، وأنا لا أزود عنه ولا أتعرض للوحي وما يتصل به ، ولا للصلة بين القرآن وما كان يتحدث به اليهود والنصارى .
وإنما الذي يعنيني هو شعر أمية بن أبي الصلت وأمثاله من الشعراء .
والغريب من أمر المستشرقين في هذا الموضوع وأمثاله أنهم يشكون في صحة السيرة نفسها ويتجاوز بعضهم الشك إلي الجحود ، فلا يرون في السيرة مصدرا تاريخيا صحيحا ، وإنما هي عندهم كما ينبغي أن تكون عند العلماء جميعا : طائفة من الأخبار والأحاديث تحتاج إلي التحقيق والبحث العلمي الدقيق ليمتاز صحيحها من منتحلها .
هم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويغلون في هذا الموقف ؛ ولكنهم يقفون من أمية بن أبي الصلت وشعره موقف المستيقن المطمئن ، مع أن أخبار أمية ليست ادني إلي الصدق ولا أبلغ في الصحة من أخبار السيرة .
فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلي نحو من الأخبار دون النحو الآخر ؟ أيمكن أن يكون المستشرقين أنفسهم لم يبرءوا من هذا التعصب الذي يرمون به الباحثين من أصحاب الديانات ؟
أما أنا فلست مستشرقا ولست رجلا من رجال الدين .
وإنما أريد أن اقف من شعر أمية بن أبي الصلت نفس الموقف العلمي الذي وقفته من شعر الجاهليين جميعا .
وحسبي أن شعر أمية ابن أبي الصلت لم يصل إلينا إلا من طريق الرواية والحفظ لأشك في صحته كما شككت في شعر أمريء القيس والأعشى وزهير ، وأن لم يكن لهم من النبي موقف أمية بن أبي الصلت .
ثم أن هذا الموقف نفسه يحملني علي أن ارتاب الارتياب كله في شعر أمية ابن أبي الصلت ؛ فقد وقف أمية من النبي موقف الخصومة : هجا أصحابه وأيد مخالفيه ورثي أهل بدر من المشركين .
وكان هذا وحده يكفي لينهي عن رواية شعره ، وليضيع هذا الشعر كما ضاعت الكثرة المطلقة من الشعر الوثني الذي هجا فيه النبي وأصحابه حين كانت الخصومة شديدة بينهم وبين مخالفيهم من العرب الوثنيين واليهود .
وليس يمكن أن يكون من الحق في شيء أن النبي نهي عن رواية شعر أمية لينفرد بالعلم والوحي وأخبار الغيب .
فما كان شعر أمية ابن أبي الصلت إلا شعرا كغيره من الشعر لا يستطيع أن ينهض للقرآن كما لم يستطع غيره من الشعر أن ينهض للقرآن .
وما كان علم أمية ابن أبي الصلت بأمور الدين إلا كعلم أحبار اليهود ورهبان النصارى . وقد ثبت النبي لأولئك وهؤلاء واستطاع أن يغلبهم علي عقول العرب بالحجة مرة وبالسيف مرة أخرى .
فأمر النبي مع أمية بن أبي الصلت كأمره مع هؤلاء الشعراء الكثيرين الذين هجوه وناهضوه وألبوا عليه .
ومن هنا تستطيع أن تفهم ما يروى من أن النبي أنشد شيئا من شعر أمية فيه دين وتحنف فقال : " آمن لسانه وكفر قلبه " آمن لسانه لأنه كان يدعو إلي مثل ما كان يدعو إليه النبي ، وكفر قلبه لأنه كان يظاهر المشركين علي صاحب هذا الدين الذي كان يدعو إليه . فأمره كأمر هؤلاء اليهود الذين أيدوا ووادعوه ، حتى إذا خافوه علي سلطانهم السياسي والاقتصادي والديني ظاهروا عليه المشركين من قريش .
ليس إذا شعر أمية بن ابي الصلت بدعا في شعر المتحنفين من العرب أو المنتصرين والمتهودين منهم .
وليس يمكن أن يكون المسلمون قد تعمدوا محوه ؛ إلا ما كان منه هجاء النبي وأصحابه ونعيا علي ألإسلام ؛ فقد سلك المسلمون فيه مسلكهم في غيره من الشعر الذي أهمل حتى ضاع .
ولكن في شعر أمية بن ابي الصلت وردت في القرآن كأخبار ثمود وصالح والناقة والصيحة .
ويرى الأستاذ ( هوار ) أن ورود هذه الأخبار في شعر أمية مخالفة بعض المخالفة لما جاء في القرآن دليل علي صحة هذا الشعر من جهة ، وعلي أن النبي قد استقى منه أخباره من جهة أخرى .
ولست أدري قيمة هذا النحو من البحث .
فمن الذي زعم أن ما جاء في القرآن من أخبار كان كله مجهولا قبل أن يجيء به القرآن ؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن كثيرا من القصص القرآني كان معروفا بعضه عند اليهود وبعضه عند النصارى وبعضه عند العرب أنفسهم ، وكان من اليسير أن يعرفه النبي ، كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبي من المتصلين بأهل الكتاب .
ثم كان النبي وأمية متعاصرين .
فلم يكون النبي هو أخذ عن أمية ولا يكون أمية هو الذي أخذ عن النبي ؟
ثم من الذي يستطيع أن يقول : إن من ينتحل الشعر ليحاكي القرآن ملزم أن يلائم بين شعره وبين نصوص القرآن ؟
أليس المعقول أن يخالف بسنهما ما استطاع ليخفي الانتحال ويوهم أن شعره صحيح لا تكلف فيه ولا تعمل ؟ بلى !
ونحن نعتقد أن هذا الشعر الذي يضاف إلي أمية بن أبي الصلت وإلي غيره من المتحنفين الذين عاصروا النبي أو جاءوا قبله ، إنما انتحل انتحالا .
انتحله المسلمون ليثبتوا - كما قدمنا - أن للإسلام قدمه وسابقه في البلاد العربية ، ومن هنا لا نستطيع أن نقبل ما يضاف إلي هؤلاء الشعراء والمتحنفين إلا مع شيء من الاحتياط والشك غير قليل .
هذا شأن المسلمين .
فأما غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى فقد نظروا فإذا لهم في حياة الأمة العربية قبل الإسلام قديم .
وفي الحق أن اليهود قد استعمروا جزءا غير قليل من بلاد الحجاز في المدينة وحولها وعلي طريق الشام .
وفي الحق أيضا أن اليهود قد جاوزت الحجاز إلي اليمن .
ويظهر أنها استقرت حينا عند سراة اليمن وأشرافها ، وأنها أثرت بوجه ما في الخصومة التي كانت بين أهل اليمن وبين الحبشة ، وهم نصارى .
ثم في الحق أن اليهودية قد استتبعت حركة اضطهاد للنصارى في نجران قد ذكرها القرآن في سورة البروج .
كان هذا حق لا شك فيه .
وكل هذا ظاهر في أخبار العرب وأساطيرهم ، وهو ظاهر في القرآن بنوع خاص ؛ فليس قليلا ما يمس اليهود من سور القرآن وآياته .
وأنت تعلم ما كان بين النبي واليهود من خصومة انتهت بإجلاء اليهود عن بلاد العرب أيام عمر بن الخطاب .
وكان اليهود قد تعربوا حقا ، وكان كثير من العرب قد تهودوا .
وليس من شك عندي في أن الاختلاط بين اليهود وبين الأوس والخزرج قد أعد هاتين القبيلتين لقبول هذا الدين الجديد وتأييد صاحبه .
هذا حال اليهود .
فأما النصارى فقد انتشرت ديانتهم انتشارا قويا في بعض بلاد العرب فيما يلي الشام حيث كان الغسانيون الخاضعون لسلطان الروم .
وفيما يلي العراق حيث كان المناذرة الخاضعون لسلطان الفرس ، وفي نجران من بلاد اليمن التي كانت علي اتصال بالحبش وهم نصارى .
ويظهر أن قبائل من العرب البادين تنصرت قبل الإسلام بأزمان تختلف طولا وقصرا .
فنحن نعلم مثلا أن تغلب كانت نصرانية وأنها أثارت مسألة من مسائل الفقه .
فالقاعدة أنه لا يقبل من العربي إلا الإسلام أو السيف ؛ فأما الجزية فتقبل من غير العرب .
ولكن تغلب قبلت منها الجزية ، قبلها عمر فيما يقول الفقهاء .
تغلغلت النصرانية إذن كما تغلغلت اليهودية في بلاد العرب .
وأكبر الظن أن الإسلام لو لم يظهر لانتهى الأمر بالعرب إلي اعتناق إحدى هاتين الديانتين .
ولكن الأمة العربية كان لها مزاجها الخاص الذي لم يستقم لهذين الديانتين والذي استتبع دينا جديدا أقل ما يوصف به أنه ملائم ملائمة تامة لطبيعة الأمة العربية .
مهما يكن من شيء ، فليس من المعقول أن ينتشر هذان الدينان في البلاد العربية دون أن يكون لهما أثر ظاهر في الشعر العربي قبل الإسلام .
وقد رأيت أن العصبية العربية حملت العرب علي أن ينتحلوا الشعر ويضيفوه إلي عشائرهم في الجاهلية بعد أن ضاع شعر هذه العشائر .
فالأمر كذلك في اليهود والنصارى : تعصبوا لأسلافهم من الجاهليين وأبوا إلا أن يكون لهم شعر كشعر غيرهم من الوثنيين ، وأبوا إلا أن يكون لهم مجد وسؤدد كما كان لغيرهم مجد وسؤدد أيضا ، فانتحلوا كما انتحل غيرهم ، ونظموا شعرا أشافوه إلي السموءل بن عادياء وإلي عدي بن زيد وغيرهم من شعراء اليهود والنصارى .
والرواة القدماء أنفسهم يحسون شيئا من هذا فهم يجدون فيما ينسب إلي عدي بن زيد من الشعر سهولة ولينا لا يلائمان العصر الجاهلي ، فيحاولون تعليل ذلك بالإقليم والاتصال بالفرس واصطناع الحياة الحضرية التي كان يصطنعها أهل الحيرة .
ونحن نجد مثل هذه السهولة في شعر اليهود ، في شعر السموءل بنوع خاص .
ولا نستطيع أن نعللها بمثل ما عللت به في شعر عدي .
فقد كان السموءل - إن صحت الأخبار - يعيش عيشة خشنة أقرب إلي حياة السادة البادية منها إلي حياة أصحاب الحضر .
ويحدثنا صاحب الأغاني بأن ولد السموءل انتحلوا قصيدة قافية أضافوها إلي أمريء القيس وزعموا أنه مدح بها السموءل حين أودعه سلاحه في طريقه إلي قسطنطينية .
ونرجح نحن أن ولد السموءل هم الذين انتحلوا هذه القصيدة الرائية التي تضاف للأعشى والتي يقال إنه مدح بها شرحبيل بن السموءل في قصته المشهورة مع الكلبي .
فأنت ترى أن للعواطف الدينية علي اختلافها وتنوع أغراضها مثل ما للعواطف السياسية من التأثير في انتحال الشعر وإضافته إلي الجاهليين .
وإذا كان من الحق أن نحتاط في قبول الشعر الذي يظهر فيه تأثير ما للأهواء السياسية ، فمن الحق أيضا أن نحتاط في قبول الشعر الذي يظهر فيه تأثير ما للأهواء الدينية .
وأكبر الظن أن الشعر الذي يسمى جاهليا مقسم بين السياسة والدين ، ذهبت هذه بشطر منه وذهب هذا بالشطر الآخر ولكن أسباب الانتحال ليست مقصورة علي السياسة والدين بل هي تتجاوزها إلي أشياء أخرى .

4- القصص وانتحال الشعر
من هذه الأشياء شيء ليس دينا ولا سياسة ولكنه يتصل بالدين وبالسياسة اتصالا قويا ، بريد به القصص الذي أشرنا إليه غير مرة فيما قدمنا من القول .
فالقصص في نفسه ليس من السياسة ولا من الدين ، وإنما هو فن من فنون الأدب العربي توسط بين آداب الخاصة والآداب الشعبية .
وكان مرآة للون من ألوان الحياة النفسية عند المسلمين .
وأزهر في عصر غير قصير من عصور الأدب العربي الراقية ، أزهر أيام بني أمية وصدرا من أيام بني العباس ، حتى إذا كثر التدوين وانتشرت الكتب واستطاع الناس أن يلهوا بالقراءة دون أن يتكلفوا الانتقال إلي مجالس القصاص ، ضعف أمر هذا الفن وأخذ يفقد صفته الأدبية الراقية شيئا فشيئا حتى ابتذل وأنصرف عنه الناس .
وهذا الفن الأدبي تناول الحياة العربية والإسلامية كلها من ناحية خيالية لم يقدرها الذين درسوا تاريخ الآداب العربية قدرها ، لا أكاد أستثني منهم إلا الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ؛ فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في انتحال الشعر وإضافته إلي القدماء ، كما فطن لأشياء أخرى قيمة وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابه " تاريخ آداب العرب " .
نقول أن هذا الفن تناول الحياة العربية والإسلامية من ناحية خيالية خالصة .
ونعتقد أن الذين يدرسون تاريخ الأدب العربي لو أنهم عنوا بدرس هذا الفن عناية علمية صحيحة لوصلوا إلي نتائج قيمة ولغيروا رأيهم في تاريخ الأدب .
فمهما تكن الأسباب التي دعت إلي نشأة فن القصص عند المسلمبن ، فقد نشأ هذا الفن ، وكانت منزلته عند المسلمين هي بعينها منزلة الشعر القصصي عند قدماء اليونان .
وكانت الصلة بينه وبين الجماعات هي الصلة بين الشعر القصصي اليوناني وجماعات القدماء .
وليس من شك عندنا في أن هؤلاء القصاص من المسلمين قد تركوا آثارا قصصية لا تقل جمالا وروعة وحسن موقع في النفس عن " الإلياذة " و" الأودسا " .
وكل ما بين القصص الإسلامي واليوناني من الفرق هو أن الأول لم يكن شعرا كله وإنما كان نثرا يزينه الشعر من حين إلي حين بينما كان الثاني كله شعرا ، وأن الأول لم يكن يلقيه صاحبه علي أنغام الأدوات الموسيقية بينما كان القاص اليوناني يعتمد علي الأداة الموسيقية اعتمادا ما ، وأن الأول لم يجد من عناية المسلمين مثلما وجد الثاني من عناية اليونان ؛ فبينما كان اليونان يقدس " الإلياذة "و" الأودسا " ويعنون بجمعهما وترتيبهما وروايتهما وأذاعتهما عناية المسلمين بالقرآن ، كان المسلمون مشغولين بالقرآن وعلومه عن قصصهم هذا .
وفي الحق أن الأدب العربي لم يدرس في العصور الإسلامية الأولى لنفسه وإنما درس من حيث هو وسيلة إلي تفسير القرآن وتأويله واستنباط الأحكام منه ومن الحديث .
وكان هذا كله أدني إلي الجد وألصق به من هذا القصص الذي كان يمضي مع الخيال حيث أراد ويتقرب من نفس الشعب ويمثل له أهواءه وشهواته ومثله العليا . فليس غريبا أن ينصرف عن القصص أصحاب الجد من المسلمين .
كان قصاص المسلمين يتحدثون إلي الناس في مساجد الأمصار فيذكرون لهم قديم العرب والعجم وما يتصل بالنبوات ، ويمضون معهم في تفسير القرآن والحديث ورواية السيرة والمغازي والفتوح إلي حيث يستطيع الخيال أن يذهب بهم لا إلي حيث يلزمهم العلم والصدق أن يقفوا .
وكان الناس كلفين بهؤلاء القصاص مشغوفين بما يلقون إليهم من حديث .
وما أسرع ما فطن الخلفاء والأمراء لقيمة هذه الأداة الجديدة من الوجهة السياسية والدينية , فاصطنعوها وسيطروا عليها واستغلوها استغلالا شديدا ، وأصبح القصص أداة سياسية كالشعر وليس من شك في أن العناية بدرس هذا الفن ستنتهي إلي مثل ما انتهت إليه العناية بدرس الشعر من أن الأحزاب السياسية علي اختلافها كانت تصطنع القصاص ينشرون لها الدعوة في طبقات الشعب علي اختلافها ، كما كانت تصطنع الشعراء يناضلون عنها ويذودون عن آرائها وزعمائها .
ونحن نعرف من سيرة ابن إسحاق أنه كان هاشمي النزعة والهوى ، وأنه لقي في ذلك عناء من الأمويين في آخر عهدهم بالسلطان ، وأنه ظفر بحسن المنزلة عند العباسيين في أول عهدهم بالملك .
والتعمق في درس حياة القصاص الذين كانوا يقصون في البصرة والكوفة ومكة والمدينة وغيرها من الأمصار يظهرنا من غير شك علي الصلات التي كانت تصل بين هؤلاء القصاص وبين الأحزاب السياسية .
غير أن القصص لم يتأثر بالسياسة وحدها ، وإنما تأثر بالدين أيضا .
وقد رأيت في الفصل الماضي مثلا توضح هذا التأثر .
وتأثر القصص بشيء آخر غير الساسة والدين هو روح الشعب الذي كان يتحدث إليه .
ومن هنا عني عناية شديدة بالأساطير والمعجزات وغرائب الأمور .
ومن هنا اجتهد في تفسير هذه الأساطير وإكمال الناقص منها وتوضيح الغامض .
فنحن نستطيع أن نقول أن هذا القصص كان يستمد قوت وثروته من مصادر مختلفة أهمها أربعة :
    ( الأول ) مصدر عربي هو القرآن وما كان يتصل به من الأحاديث والروايات ، وما كانت تتحدث به العرب في الأمصار من أخبارها وأساطيرها وما كانت تروي من شعر ،وما كان يتحدث به الرواة من سيرة النبي والخلفاء وغزواتهم وفتوحهم.
    ( الثاني ) مصدر يهودي نصراني ، وهو ما كان يأخذه القصاص عن أهل الكتاب من أخبار الأنبياء والأحبار والرهبان وما يتصل بذلك ، وليس ينبغي أن ننسى هنا تأثير أولئك اليهود والنصارى الذين أسلموا وأخذوا يضعون الأحاديث ويدسونها مخلصين أو غير مخلصين .
    ( الثالث ) مصدر فارسي ، وهو هذا الذي كان يستقيه القصاص في العراق خاصة من الفرس مما يتصل بأخبارهم وأساطيرهم وأخبار الهند وأساطيرها .
    ثم المصدر الرابع مصدر مختلط هو هذا الذي يمثل نفسية العامة غير العربية من أهل العراق والجزيرة والشام من الأنباط والسريان ومن إليهم من هؤلاء الأخلاط الذين كانوا منبثين في هذه الأقطار والذين لم تكن لهم سيادة ولا وجود سياسي ظاهر .
    كل هذه المصادر كانت تمد القصاص .
    فكنت ترى في قصصهم ألوانا من القول وفنونا من الحديث قد لا تعجب العالم المحقق لاضطرابها وظهور سلطان الخيال عليها ؛ ولكن لها جمالا أدبيا فنيا رائعا يعجب به من يستطيع أن يقدر التئام هذه الأهواء المختلفة التي تتصل بشعوب مختلفة وأجيال متباينة من الناس .
    ويعجب به بنوع خاص الذين يحاولون أن يستبينوا فيه نفسية الشعوب والأجيال التي كانت تلهم هؤلاء القصاص .
    مهما يكن من شيء فإن هذه المصادر كلها كانت تطلق ألسنة القصاص بما كانوا يتحدثون به إلي مسامعيهم في الأمصار .
    وأنت تعلم أن القصص العربي لا قيمة له ولا خطر في نفس سامعيه إذا لم يزنه الشعر من حين إلي حين .
    ويكفي في أن تنظر في ألف ليلة وليلة وفي قصة عنترة وما يشبهها ، فسترى أن هذه القصص لا تستطيع أن تستغني عن الشعر ، وأن كل موقف قيم أو ذي خطر من مواقف هذه القصص لا يستقيم لكاتبه وسامعه إلا إذا أضيف إليه قدر من الشعر قليل أو كثير يكوون عمادا له ودعامة .
    وإذن فقد كان القصاص أيام بني أمية وبني العباس في حاجة إلي مقادير لا حد لها من الشعر يزينون بها قصصهم ويدعمون بها مواقفهم المختلفة فيه .
    وهم قد وجدوا من هذا الشعر ما كانوا يشتهون وفوق ما كانوا يشتهون .
    وأكاد لا أشك في أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يستقلون بقصصهم ولا بما يحتاجون إليه من الشعر في هذا القصص ، وإنما كانوا يستعينون بأفراد من الناس يجمعون لهم الأحاديث والأخبار ويلفقونها ، وآخرين ينظمون لهم القصائد وينسقونها .
    ولدينا نص يبيح لنا أن نفترض هذا الفرض ؛ فقد يحدثنا ابن سلام أن ابن إسحاق كان يعتذر عما كان يروى من غثاء الشعر فيقول : لا علم لي بالشعر إنما أوتي به فأحمله .
    فقد كان هناك قوم إذن يأتون بالشعر وكان هو يحمله .
    فمن هؤلاء القوم ؟
    أليس من الحق لنا أن نتصور أن هؤلاء القصاص لم يكونوا يتحدثون إلي الناس فحسب ، وإنما كان كل واحد منهم يشرف علي طائفة غير قليلة من الرواة والملفقين ومن النظام والمنسقين ، حتى إذا استقام لهم مقدار من تلفيق وتنسيق هؤلاء طبعوا بطابعهم ونفخوا فيه من روحهم وأذاعوه بين الناس .
    وكان مثلهم في هذا مثل القاص الفرنسي المعروف ( ألكسندر دوما ) الكبير .
    وأنت تدهش إذا رأيت هذه الكثرة الشعرية التي تنبث فيما بقي لنا من آثار القصاص .
    فلديك في سيرة ابن هشام وحدها دواوين من الشعر نظم بعضها حول غزوة بدر ، وبعضها حول غزوة أحد ، وبعضها في غير هاتين الغزوتين من المواقف والوقائع ، وأضيف كل هذا إلي الشعر من الأشخاص المعروفين ، وأضيف بعضه إلي حمزة ، وبعضه إلي علي ، وبعضه إلي حسان ، وبعضه إلي كعب بن مالك ، وأضيف بعضه إلي نفر من شعراء قريش ، وإلي نفر من قريش لم يكونوا شعراء قط ، وإلي نفر آخرين من غير قريش .
    وليس غير سيرة ابن هشام أقل منها حظا في هذا الشعر الذي يضاف إلي الجاهليين مرة وإلي المخضرمين مرة أخرى .
    وكثرة هذا الشعر الذي صدر عن المصانع الشعرية في الأمصار المختلفة أيام بني أمية وبني العباس كانت سببا في نشأة رأي يظهر أن القدماء كانوا مقتنعين به ، وأن الكثرة المطلقة من المحدثين ليست أقل به اقتناعا ، وهو أن الأمة العربية كلها شاعرة ، وأن كل عربي شاعر بطبعه وسليقته ، يكفي أن يصرف همه إلي القول فإذا هو ينساق إليه انسياقا .
    كان القدماء يعتقدون هذا ، وما زال المحدثون يرونه .
    وعذر أولئك وهؤلاء أن لديهم كثرة فاحشة من الشعر تضاف إلي ناس منهم المعروف ومنهم غير المعروف ، منهم الحضري ومنهم البدوي .
    فأما العلماء والمحققين منهم استطاعوا أن ينفوا من هذا الشعر مقدارا قليلا أو كثيرا لم يستطيعوا أن يقبلوا ولا أن يطمئنوا إليه .
    ولكنهم بعد الحذف والنفي والنقد والتمحيص نظروا فإذا لديهم مقادير ضخمة تضاف إلي ناس منهم المعروف ومنهم المجهول ، ومنهم الحضري ومنهم البدوي .
    فأي شيء أيسر من أن يعتقدوا أن العربي شاعر بفطرته ، وأنه يكفي أن يكون الرجل عربيا ليقول الشعر متى شاء وكيف شاء .
    ولكن رأيا كهذا لا يلائم طبيعة الأشياء .
    فنحن نستطيع أن نؤمن بأن الأمم تتفاوت حظوظها من الشعر ، فبعضها أشعر من بعض ، وبعضها أكثر شعراء من بعضها الآخر .
    ولكن لا نستطيع أن نفهم أن يكون جيل من الناس شاعرا كله ، أو أن تكون امة من الأمم شاعرة كلها رجالا ونساء شبانا وشيبا وولدانا أيضا .
    ولدينا نصوص قديمة تدلنا علي أن العرب لم يكونوا جميعا شعراء .
    فكثيرا ما حاول العربي قول الشعر فلم يوفق إلي شيء .
    وقد طلب إلي النبي في بعض المواقف التي أحتاج فيها المسلمون إلي الشعر أن يأذن لعلي في أن يقول شعرا يرد به علي شعراء قريش فأبى النبي أن يأذن له ، لأنه لم يكن من ذلك في شيء وأذن لحسان .
    وما نظن أننا في حاجة إلي أن نقيم الأدلة ونبسط البراهين علي أن العرب لم يكونوا كلهم شعراء .
    وإنما سبيلنا أن نوضح أن كثرة هذا الشعر هي التي خيلت إلي القدماء والمحدثين أن لفظ العربي مرادف للفظ الشاعر .
    فإذا ما أضفت إلي ما قدمنا أنك تجد كثيرا من الشعر يضاف إلي قائل غير معروف بل غير مسمى ، فتراهم يقولون مرة قال الشاعر ، وأخرى قال الأول ، وثالثة قال الآخر ، ورابعة قال رجل من بني فلان ، وخامسة قال أعرابي وهلم جرا - نقول إذا لاحظت هذا كله عذرت القدماء والمحدثين إذا اعتقدوا أن العرب كلهم شعراء .
    والحق أن العرب كانوا كغيرهم من الأمم ذات الفصاحة واللسن والأذهان القوية ويكثر فيهم الشعر دون أن يعم كافتهم ، وأن أكثر هذا الشعر الذي بضاف إلي غير قائل أو إلي قائل مجهول إنما هو شعر مصنوع موضوع انتحل انتحالا بسبب من هذه الأسباب التي نحن بإزائها ومنها القصص .
    كثرة هذا الشعر الذي أحتاج إليه القصاص لتزدان به قصصهم من ناحية وليسيغها القراء والمستمعون من ناحية أخرى خدعت فريقا من العلماء ، فقبلوها علي أنها صدرت عن العرب حقا .
    وقد فطن بعض العلماء إلي ما في هذا الشعر من تكلف حينا ومن سخف وإسفاف حينا آخر ، وفطن إلي أن بعض هذا الشعر يستحيل أن يكون قد صدر عن الذين ينسب إليهم .
    ومن هؤلاء العلماء محمد ابن سلام الذي أنكر - كما رأيت - ما يضيفه ابن إسحاق إلي عاد وثمود وحمير وتبع ، وأنكر كثيرا مما رواة ابن إسحاق في السيرة من شعر الرجال والنساء سواء منهم من عرف بالشعر ومن لم يقل شعرا قط .
    وآخرون غير ابن سلام أنكروا ما روى ابن إسحاق وأصحابه القصاصون ؛ نذكر منهم ابن هشام الذي يروي لنا في السيرة ما كان يرويه ابن إسحاق ، حتى إذا فرغ من رواية القصيدة .
    قال : وأكثر أهل العلم بالشعر أو بعض أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة أو ينكرها لمن تضاف إليه .
    ولكن هؤلاء العلماء الذين فطنوا لأثر القصص في انتحال الشعر خدعوا أيضا؛ فلم يكن صناع الشعر جميعا ضعافا ولا محمقين ، بل كان منهم ذو البصيرة النافذة والفؤاد الذكي والطبع اللطيف ، فكان يجيد الشعر ويحسن انتحاله وتكلفه ، وكان فطنا يجتهد في إخفاء صنعته ويوفق من ذلك إلي الشيء الكثير .
    وابن سلام نفسه يحدثنا بأنه إذا سهل علي العلماء النقاد أن يعرفوا ما تكلفه الضعفاء من المنتحلين ، فمن العسير عليهم أن يميزوا ما كان يتكلفه العرب أنفسهم كانوا يتكلفون ويضعون ويكذبون ، فيسرفون في هذا كله .
    ولعل من أوضح الأمثلة لانخداع ابن سلام عن هذا الشعر المنتحل هذه الطائفة التي رواها علي أنها أقدم ما قالته العرب من الشعر الصحيح ؛ والتي يضاف بعضها إلي جذيمة الأبرش ، وبعضها إلي زهير بن جناب ، وبعضها إلي العنبر بن تميم ، وبعضها إلي أعصر بن سعد ابن قيس عيلان .
    وكل هذا الشعر إذا نظرت فيه ، سخيف سقيم ظاهر التكلف بين الصنعة .
    واضح جدا أن راويا من الرواة أو قاصا من القصاص تكلفة ليفسر مثلا من الأمثال أو أسطورة من الأساطير أو لفظا غريبا أو ليلذ القاريء أو السامع ليس غير .
    ولنضرب مثلا هذين البيتين الذين يضافان إلي أعصر بن سعد ابن قيس عيلان ، وهما :

    قالت عميرة ما لرأسك بعد ما
    نفذ الزمان أتى بلون منكر
    أعمير أن أباك شيب رأسه
    كر الليالي واختلاف الأعصر

    قال ابن سلام وغيره من العلماء والرواة : أن هذا الرجل إنما سمي " أعصر " لهذا البيت الأخير .
    قال ابن سلام : وبعض الناس يسميه " يعصر " وليس بشيء .
    وابن سلام نفسه يحدثنا أن " معدا " كان يعيش في العصر الذي كان يعيش فيه موسى بن عمران ، أي قبل المسيح بقرون عدة أي قبل الإسلام بأكثر من عشرة قرون .
    فإذا لاحظنا أن أعصر هذا هو ابن سعد بن قيس عيلان بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد ، رأينا أنه أن عاش فقد عاش في زمن متقدم جدا أي قبل الإسلام بعشرة قرون علي اقل تقدير .
    أفتظن أن هذين البيتين الذين قرأتهما آنفا يمكن أن يكونا قد قيلا قبل الإسلام بألف سنة !
    ونحن لا نعرف اللغة العربية قبل الإسلام بثلاثة قرون أو أربعة قرون ؛ ونحن نجد مشقة غير قليلة في فهم الشعر العربي الصحيح الذي قيل أيام النبي أو بعد النبي ، ولا نجد شيئا من العسر في فهم هذا الكلام الذي إن صح رأي ابن سلام فقد قيل قبل النبي بأكثر من عشرة قرون أليس واضحا جليا أن هذين البيتين إنما قيلا في الإسلام ليفسرا أسم هذا الرجل الذي هو في حقيقة الأمر من أشخاص الأساطير لا نعرف أوجد في حقيقة الأمر أم لم يوجد .
    وقل مثل هذا فيما يضيفه ابن سلام إلي مالك وسعد ابنى زيد مناة ابن تميم . فنحن لا نعرف من سعد ومن مالك ومن زيد مناة ومن تميم . وأكبر الظن عندنا أنهم أشخاص أساطير لم يوجدوا قط .
    ولكن رأى الرواة والقصاص مثلا تستعمله العرب وهو : " ما هكذا تورد يا سعد الإبل " .. وهم فى حاجة إلى تفسير الأمثال ؛ والشعوب نفسها فى حاجة إلى تفسير الأمثال أيضاً .
    من هنا اخترعت هذه القصة التى نطق فيها سعد ومالك بما يضاف إليها من الرجز .
    وقل مثل هذا فيما يضاف للعبير ابن تميم وهو:

    قد رابنى من دلوي اضطرابها
    والنأي في بهراء واغترابها
    إلاًّ تجئ ملأى يجئ قرابها

    فالأمر عندنا لا يتجاوز تفسير هذا البيت الأخير الذى كان يجرى مجرى المثل فيما يظهر وقل مثل هذا فى هذا الشعر الذى يضاف إلى جذيمة الأبرش , وفى كل ما يتصل بجذيمة وصاحبته الزبّاء وابن أخته عمرو بن عدى ووزيره قصير .فليس لهذا كله إلا أصل واحد هو تفسير طائفة من الأمثال ذكرت فيها أسماء هؤلاء الناس كلهم أو بعضهم كقولهم " لا يطاع لقصير أمر " .
    وقولهم : " لأمر ما جدع قصير أنفه " , وقولهم : " شب عمرو على الطوق " . أو ذكر فيها ما يتصل بهؤلاء الناس فى هذه القصص التى كانت شائعة عند هؤلاء الأخلاط من سكان العراق والجزيرة الشأم وما يتصل بها من بوادي العرب , كفرس جذيمة التى كانت تسمى " العصا " والبرج الذى بناه قصير على العصا بعد أن نفقت وكان يسمى " برج العصا" , ودم جذيمة الذى جمعت الزباء فى طست من الذهب , وجمال عمرو بن عدى التى احتال قصير فى إدخالها تدمر وعليها الرجال فى الغرائر . وتستطيع أن تذهب هذا المذهب من الفهم والتفسير فى كل هذه الحكايات والأساطير التى تتصل بالأسماء والأمثال والأمكنة وما إليها وما ينشد فيها من الشعر . ولكن القدماء لم يذهبوا هذا المذهب ؛ وإنما قلبوا هذه الأخبار والأشعار على علاتها ورووها على أنها صحيحة لأنهم سمعوها من رواة كانوا يعتقدون أنهم ثقات مصححون .
    ومن هنا روى ابن سلام وغيره أبياتاً لجذيمة على أنها من أقدم الشعر العربي التي تبتدئ بهذا البيت :
    ربما أوفيت فى علم
    ترفعن ثوبى شمالات

    وهناك لون من ألوان القصص كان الناس يتحدثون به ويميلون إليه ميلا شديدا ويروون فيه الأكاذيب والأعاجيب وهو أخبار المعمرين الذين مدّت لهم الحياة إلى أبعد مما ألف الناس .
    وقد رويت حول هؤلاء المعمّرين أخبار وأشعار قبلها العلماء الثقات فى القرن الثالث للهجرة كأبي حاتم السجستانى وابن سلام نفسه , وهو يروى لنا فى كتاب الطبقات هذا الشعر المتكلف السخيف الذى يضاف إلى أحد هؤلاء المعمّرين وهو المستوغر ابن ربيعه بن كعب بن سعد الذى بقى بقاء طويلا حتى قال :
    ولقد سئمت من الحياة وطولها
    وازددت من عدد السنين مئينا
    مائة أتت من بعدها مئتان لي
    وازددت من عدد الشهور سنينا
    هل ما بقى إلا كما قد فاتنا
    يوم يكــرّ وليلة تحـدونــا

    ويروى لنا ابن سلام شعراً آخر ليس أقل من هذا الشعر سخفًا ولا تكلفًا ولا انتحالا يضيفه إلى دويد بن زيد بن نهد حين حضره الموت :
    اليوم يبنى لدويد بيته
    لو كان للدهر بلىً أبليته
    أو كان قرني واحداً كفيته
    يارب نهب صالح حويته
    ورب غيل حسن لويته
    ومعصم مخضّب ثنيته

    فأنت ترى أن ابن سلام على ما أظهر من الشك فيما كان ريوى ابن إسحاق من شعر عاد وثمود ويبع وحمير , قد انخدع عما كان يرويه ابن إسحاق وغير ابن إسحاق من القصاص من الشعر يضيفونه إلى القدماء من حاضرة العرب وباديتهم .
    والرواة أشدّ انخداعًا حين يتصل الأمر بالبادية اتصالا شديداً , وذلك فى هذه الأخبار التى يسمونها " أيام العرب " أو " أيام الناس " .
    فهم سمعوا بعض هذه الأخبار من الأعراب ثم رأوها تقص مفصلة مطوّلة فقبلوا ما كان يروى منها على أنه جدّ من الأمر , ورووه وفسروه وفسروا به الشعر واستخلصوا منه تاريخ العرب ؛ مع أن الأمر فيه لا يتجاوز ما قدمناه .
    فليست هذه الأخبار إلا المظهر القصص لهذه الحياة العربية القديمة , ذكره العرب بعد أن استقرّوا فى الأمصار فزادوا فيه ونموه وزيّنوه بالشعر ؛ كما ذكر اليونان قديمهم فأنشأوا فيه " الإلياذة " و " الأودسا " وغيرهما من قصائد الشعر القصص التى لم يكن يكاد يبلغها الإحصاء .
    فحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وحرب الفساد وهذه " الأيام " الكثيرة التى وضعت فيها الكتب ونظم فيها الشعر ليست فى حقيقة الأمر - إن استقامت نظريتنا - إلا توسيعًا وتنمية لأساطير وذكريات كان العرب يتحدّثون بها بعد الإسلام .
    ومن هنا نستطيع أن نقول مطمئنين إن مؤرّخ الآداب العربية خليق أن يقف موقف الشك - إن لم يقف موقف الإنكار الصريح - أمام هذا الشعر الذى يضاف إلى الجاهليين , والذي هو في الحقيقة الأمر تفسير أو تزيين لقصة من القصص أو توضيح لاسم من الأسماء أو شرح لمثل من الأمثال .
    كل ما يروى عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم والعماليق موضح لا أصل له . وكل ما يروى عن تبع وحمير وشعراء اليمن فى العصور القديمة , وأخبار الكهان , وما يتصل بسيل العرم وتفرّق العرب بعده موضوع لا أصل له .
    وكل ما يروى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من شعر خليق أن يكون موضوعاً .
    والكثرة المطلقة من موضوع من غير شك . وكل ما يروى من هذه الأخبار والأشعار التى تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الإسلام كعلاقاتهم بالفرس واليهود والحبشة خليق أن يكون موضوعاً .
    وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك . ولسنا نكر شعر آدم وما يشبهه فنحن لم نكتب هذا الكتاب هازلين ولا لاعبين .



المحتويات | الكتاب الأول ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 |
مرحبا بزائرنا رقم
CyberCairo.NET خدمات المواقع 
منذ 12 ابريل 2003
بريد لام ألف
خالد السرجاني :ksrgany@yahoo.com
محمد واكد :waked@arabia.com
جمال عيد :eidgamal@hotmail.com
الصفحة الرئيسية
من زمان
لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه