|
|
|
إبراهيم العريس
نقلاً عن جريدة الحياة
" 18 بروميـر.... ":
كارل ماركس يشرح شعبية الدكتاتور لكن هيغل نسي أن يضيف انها إذا كانت تجئ في المرة الأولي تراجيدية، فإنها في المرة الثانية تكون هزلية ليس إلا . و لنقارن هنا: غوسيدير محل دانتون، ولوي بلان محل روبسبيير وجبليو 1848 محل جبليي 1793 . وابن الأخ محل عمه يريد أن يمثل دوره ". وابن الأخ الذي يتحدث عنه الكاتب علي هذه الشاكلة ليفيدنا بأنه ليس أكثر من نسخة هزلية من عمه هو لويس بونابرت، أما العم فهو نابوليون. و منذ عنوان النص الذي ترد فيه هذه الفقرة ندرك إذاً ، ان الأمثلة الأخري التي ذكرت فيها انما ذكرت لتؤدي إلي الحديث عن لويس بونابرت و خصوصاً عن " انقلاب 18 برومير " الذي ركز حكمه الديكتاتوري . ذلك أن " الانقلاب " الذي جاء ببونابرت " المسخ " هذا إلي السلطة ، كان علي كل شفة و لسان في أوروبا في ذلك الحين . أما كاتب النص فهو كارل ماركس الذي وجد لزاماً عليه عند ذاك ( 1852 ) أن يخوض في تلك المسألة التي كان كاتبان كبيران قبله قد سبقاه إلي الحديث عنها : فكتور هوغو و برودون . ولكن إذا كان هذان تناولاً الموضوع بشكل في منتهي الجدية، فإن ماركس لجأ إلي كل ما لديه من هزل و سخرية لكي يتحدث عن ذلك الأمر الخطير . و الغريب في الموضوع أن ماركس كان يعاني في ذلك الحين بالذات من أقصي درجات البؤس و الحزن لموت طفلته فرانشيسكا و أضطرار زوجته للأستدانه ثمناً لتابوتها ... بين مآس أخري ) . فمن أين جاءته تلك القدرة العجيبة علي الهزء و السخرية في واحد من أجمل وأقوي نصوصه ؟ وهذا النص هو طبعاً " 18 برومير لويس بونابرت " الذي كتبه أصلاً تتمة لكتابه الكبير " صراع الطبقات في فرنسا " و كان من المتعذر إيجاد المال الكافي لطباعته لولا عامل بروليتاري انفق في سبيل ذلك كل مدخراته . وعلي أي حال طبع الكتاب في نيويورك صديق ماركس و ايدماير الذي كان يعيش هنا ليصدر مجلة بعنوان " الثورة". و كان الكتاب يشغل عددها الأول، أما العدد الثاني و الأخير فشغلته قصائد ثوري لصديق أخر لماركس هو فريليغارت. وهذا ما يجعل ماركس يكتب: " صحيح ان البشر يصنعون تاريخهم ، لكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون متحكمين فيه وفي ظروف يصنعونا بأنفسهم ، في ظروف أمليت عليهم ، وورثوها عن الماضي " . ذلك ان " ميراث الأجيال السالفة و تقاليدها تثقل بوزنها أدمغة الأحياء . انهم يستجيرون بالماضي و بأرواح الماضي في خوف مستعيرين أسماء الماضي و شعاراته و قيمه ". وهكذا " يضع لوثر علي وجهه قناع بولس الرسول، و تتلفع الثورة من 1789 إلي 1814 ، أولاً بعباءة الجمهورية الرومانية ، ثم ببذلة الامبراطورية ". وهنا يسأل ماركس: هل في امكاننا، علي أي حال أن نوجد تفسيراً واحداً لـ " الحكم الفردي الذي كان يمارسه القياصرة الرومان ، ثم ملوك القرن الثامن عشر ، و نابوليون الأول ؟ ثم ما هو الفارق بين " ديكتاتورية اليعاقبة الثوريين " و " ديكتاتورية نابوليون ؟ " و المشكلة ، كما يري ماركس ، تكمن في أن " الديموقراطيين ، مؤرخين أو رجال سياسة ، لا يطرحون علي أنفسهم مثل هذه الأسئلة بوضوح لأن كل شئ عندهم يختلط تحت تعبير الحكم الفردي ". - في البداية تكون هناك أزمة ثورية أجهضت. هذه الأزمة تنمو ، عامة ، ضمن أشكال ديموقراطية ، و هكذا تدنو الديموقراطية ، في سرعة ، من وضع حاسم : فإما أن تتعمق ثوريا و ينتقل الحكم إلي الأكثر تقدما ً ، و أما أن يسحق الجناح التقدمي و تكسب الرجعية السياسية المعركة ..... - و الرجعية السياسية في جهدها للاحتفاظ بالحكم، تري نفسها مجبرة علي طلب العون من عناصر مشبوهة: عسكريين ، طامحين و مغامرين (...) وهؤلاء مستعدون لأن يؤجروا أنفسهم للقيام بجميع المهمات. و سرعان ما تتخطي هذه العناصر المشبوهة حدود الطبقة الحاكمة و تطغي عليها ... أما الجماهير فلا تريد التضحية بنفسها في سبيل الرجعيين، ولذلك لا تبدي مقاومة. لكن هذا لا يعني أن الطبقة السائدة و المسيطرة اقتصادياً، تبتعد وان الدولة تكف عن كونها دولتها. و مع هذا ففي النمط البونابرتي يشتد وع من الانفصال و يتأكد و الشذاذ المغامرون يستولون علي البيروقراطية الراهنة، يوزعونها رشوة علي عملائهم و مأجور يهم .... و هكذا تصبح الدولة البونابرتية مستقلة عن هذه الطبقة السائدة التي أتت لتعينها... - وهذا ما يتيح لنظام الحكم الجديد شعبية واسعة ورخيصة، ديماغوجية لكنها كبيرة و ضخمة . وهذا النظام ، في رأي ماركس ، يكون في حاجة إلي هذه " الشعبية " الرخيصة ، لأنه بها يغتذي و يعيش . - وهو لكي يبرر نفسه أمام الشعب، بشكل متواصل، يحتاج إلي أيديولوجيات و " نظريات " مزورة و تواريخ كاذبة مخترعة . وهو إذ يبدو و كأنه مستقل عن الطبقة السائدة حتى ذلك الزمن ، يكون في الواقع مجرد دخول للمغامرين الوصوليين إلي صلب الطبقة السائدة منضمين إليها ، بعد أن كانوا شكلياً ـ علي هامشها من قبل . وعندئذ يبدو الانقلاب و كأنه ثورة و " يعلن القراصنة و اللصوص، و هم يستولو علي الحكم سيادة عهد من الشرف و الاستقامة و " يعلن هؤلاء الدجالون سيادة القانون و الشرعية " و " يعد المحتالون بعهد يسوده النظام " متنبئين هم و بقية رجال هذه الدولة ب " السعادة و الازدهار و السلام " و " لما كانت الوعود لا تكلف شيئاً ، يعلنون نهاية الفقر و العوز ، و يعلنون انتصار الاشتراكية و " كل ما يرونه ساحراً لألباب الجماهير ". و يستنتج ماركس من هذا كله ، في نهاية المطاف ان هذه الدولة المزيفة تبدو للبسطاء و السذج أكثر و أكثر في مظهر الدولة القوية أجماعياً إلي درجة انها سرعان ما تتحول إلي استخدام قوة الإكراه و الكبت و القسر . - وهكذا تصبح من دون قواعد حكم صحيحة . وإذا كان نابوليون الأول كان لسلطته أساس لضرورة الدفاع عن مكاسب الثورة الفرنسية، فإن حكم نابليون الثالث يصبح من دون أي أساس.... لكنه لا ينهار بسرعة لأنه يعرف كيف " يجرجر " نفسه و خصوصاً عبر المغامرات العسكرية الخارجية. و مع هذا لا بد له أن ينهار أخيراً ليكشف جمهوره. مثل الآخرين، انه كان نظاماً مملوءاً بالمتاعب و الآلام " يفرض علي الأمة و علي الشعب، مزوراً المستقبل مسيئاً إليه " . وهو كان في ذلك الحين وسط مشاغله الثورية و أحزانه العائلية قرر، بعد أن اتهم " زوراً " بنشاطات ثورية في كولونيا و حوكم من أجلها، انصرف إلي الاهتمام بالبحوث النظرية. و يعتبر " 18 برومير .. " كم كتابات المرحلة المتوسطة لمؤسس الاشتراكية العلمية ، الذي عرفت له كتب كثيرة أخري من أبرزها " راس المال " و " الايديولوجية الألمانية " و " نقد الاقتصاد السياسي " . إبراهيم العريس |
| من نحن |
| أخبار تانية |
| مقالات ودراسات |
| اختيارات |
| ثقافة |
| حوارات وندوات |
| مناوشات |
| كورة |
| من زمان |
| مواقع اخرى |
|
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.netwaked@lamalef.net gamal@lamalef.net |
لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه |