من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
من زمان
مواقع اخرى
الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
الرئيسية
خالد السرجاني :ksrgany@lamalef.net
جمال عيد :gamal@lamalef.net
|
الاغلبية المضطهدة في بلادي
حلم مؤجل
عندما رحت أبحث عن حلمي المؤجل و إجابة للسؤال ما هو "حلمك المؤجل" أي رؤيتك لمجتمعك حيث يمتلك فيه الكل حقوقهم المدنية؟ أكتشف أن حلمي لم يكن حلمي وحدي و لكنه هو نفس الحلم المؤجل لدي الكثيرين , منهم رجال و أكثرهم نساء ربما لأن القضية هي مسألة نسائية في المقام الأول , أو ربما بسبب كثرة عدد النساء عن عدد الرجال في عالمي و بلادي العربية , تلك الكثرة التي تشبيه غثاء السيل , حيث أننا يا معشر نساء العرب على الرغم من تجاوز أعدادنا و قدراتنا و مهاراتنا علي الرجال ما زلنا نعامل كمواطنين من الدرجة الثانية لنصبح ما سيقول عنه المؤرخون في يوم من الأيام "الأغلبية المضطهدة" , أنا لا أتبع إحدى الحركات النسائية و لست أكره الرجال و لكني أردت فقط أن أحكي قصتي مع أمي التي لعبت دورا لا بأس به في انهيار حضارة أمتي.
أنا لا أكتب كذلك من منطلق الطموح بالفوز في هذه المسابقة لأنني حتى لو فزت لن يسمحوا لي بالسفر لحفل التكريم فمثلي مثل النساء الأخريات في بلادي لن تسمح أمي لي بالسفر خوفا من كلام الناس , فمن غير اللائق أن تنام البنت المحترمة خارج بيتها و لو لليلة واحدة , "حتى لو كنت سأحضر مؤتمرا لتكريمي و الفوز بجائزة مثل هذه يا أمي" قلت لها بحماس كاد يحرقني , فرددت و هي تخاف أن تخيب أملي "لسنا وحدنا في هذا الكون, نحن تحكمنا عادات و تقاليد يجب احترامها".
أنا لا ألوم أمي فهي في النهاية مضطهدة تربي مضطهدة , أمي خرجت للدنيا و ساقتها الأقدار إلى احتراف مهنة تعليم الأجيال و تفوقت في عملها حتى صارت قدوة الجميع و لأنها قدوة لا يجوز أن تخالف أبنتها العادات و التقاليد , مهما كان ذلك سيكلفها , لا يهم المهم المجتمع و الآخرين , من هذا المجتمع لأقتله , لماذا يحدد حريتي بهذه الصورة ألم يخلقني الله حرة؟ ألم يعطيني قدرات لأستغلها , لماذا يريد ذلك الذي يسمونه "مجتمع" كبتها بداخلي لماذا تريد أمي أن تحرمني من السفر و تحرمني من متعة الاشتياق بل و تحرمني من الغضب و قسوة الاستياء , لماذا توفي أبي قبل أن يري الطموح الذي زرعه بي منذ نعومة أظافري و هو يلتهم أجزائي يوم بعد الأخر وسط القيود التي أثقلت يداي و قدماي و ربما ستثقل عقلي أيضا عما قريب ! فالكون كله يتغير و الدنيا تتطور إلا حال النساء في بلادي , لأن ذلك مصدر فخر لذلك الذي يسمونه مجتمع , أين هو فقط دلوني على مكانه لأقتله و أستريح و أريح الأخريات في بلادي , كم أحبك يا بلادي لولا أنك مصرة علي الاقتران بذلك الذي يسمونه مجتمع.
"مجتمع" , نعم "مجتمع" كيف لم انتبه لذلك من قبل , "مجتمع" أسم مذكر , لكن أمي تقول و هي أستاذة كبيرة في اللغة العربية أنه أسم مكان نظرا لبدايته بحرف الميم المضمومة و فتح الحرف الثالث به لكنني رفضت و قلت لها "لا" نعم قولتها و هي لم تعترض علي جرأتي في قول "لا" هذه المرة , ربما للدهشة؟ لا ادري , المهم أنا أخيرا و الحمد لله اعترضت و قلت لها "لا ... لا يا أمي ... لا" ما اجمل كلمة "لا" , قلت لها "لا يا أمي مجتمع أسم مذكر , أليس "محمد" أسم مذكر و يبدأ بميم مضمومة و ثالث حرف مفتوح , فما الفرق إذن بين "محمد" و "مجتمع" , فأشاحت أمي بيدها و قالت "أنت تافهة يا ابنتي" فابتسمت فقالت لي و كأنها أفاقت من صدمة "لا تقولين لي كلمة "لا" هذه مرة أخري , البنت المحترمة تعرف كيف تختار الألفاظ عندما تتحدث مع أمها" شعرت بارتياح لا أنكر, و لا أخفيكم سرا أيضا أني كنت سأصاب بإحباط إن لم تعترض أمي علي اعتراضي , ففي قاعدة من قواعد اللغة العربية التي علمتني أمي إياها يكون نفي النفي إثبات و بما أنها اعترضت علي اعتراضي فإنها تثبت صحة كلامي.
تركت أمي و ارتيدت ملابسي ثم الحجاب الذي أغطي به شعري ثم الحذاء و خرجت من البيت بعد أن قبلت أمي كالمعتاد قاصدة عملي , خرجت من البيت و أنا مطأطئة الرأس عيناي لا يرتفعان عن الأرض حتى لو ألقي أحد علي السلام لن أرد إلا بصوت خافت لا يكاد يسمعه إلا من سلم علي , عذرا أقصد من سلمت علي فلا يجوز لي بما أنى "بنت محترمة" أن أحي الرجال أو أقبل تحية من الرجال في الشارع , فأنا لا أسلم إلا علي النساء , كان أبي يقول لي أن طأطأة الرأس تعني الهزيمة و الانكسار و يجب أن أسير دوما و رأسي مرفوعة , لكن أمي تقول و كانت دوما تقول أن طأطأة الرأس علامة علي الأدب و حسن الخلق , الحمد لله لم يتسبب لي الأمر في تشوه في ظهري أو ما شابه علي الرغم من أني أسير مطأطئة الرأس منذ ما يقرب من ثماني عشرة سنة.
الطريق مزدحم و هو هكذا كل يوم , والمواصلات متعبة و مملة , ألححت علي أمي كثيرا لتشتري لي سيارة فرفضت , و بررت ذلك بعدة أسباب أولها أنى لست أهلا لقيادة السيارة , و قبل أن أذكرها بأن عمري الآن 24 سنة و ليس هناك مشكلة في قيادتي للسيارة , قالت لي و كأنها قرأت أفكاري "أنا عارفة أنك كبيرة و أنك ماهرة في القيادة , لكنني لا أحب أن تقود ابنتي التي يعرف الجميع أنها بنت محترمة سيارة" , تركتها و رحت أفكر ما دخل الاحترام بقيادة السيارة , هل إذا قدت سيارة سأصبح قليلة الاحترام؟ أو قليلة الأدب؟ رحت و سألتها السؤال فرددت بعد أن ضحكت و قهقهت من أعماق قلبها "لا يا حبيبتي أنا لا أأتمنك على قيادة سيارة لأنك بنت" صدمني الرد و لكني لم أحب أن أفسد ضحكاتها الرائعة و ابتسمت و كأنني فهمت مقصدها , ولكنني في الحقيقة لم أفهم و حتى اليوم لم أفهم هل لكوني "بنت محترمة" علي حد تعبير أمي لا يصح أن أقود , أه ربما تقصد أمي أنه لا يجوز قيادة السيارة إلا بعد أن أتزوج و أصبح "سيدة محترمة" و ليس مجرد "بنت محترمة" , أه ! الآن فهمت المشكلة في كلمة "بنت" و ليس كلمة "محترمة" إذن.
أعتقد أني سأدخل الجنة بعد الزواج , لأن أمي تربط كل شيء تمنعني منه الآن بأني "بنت" و أنا بمنتهى الغباء فهمت أنها تضطهد النساء في شخصي , لكني عندما فكرت وجدت أنها هي أيضا امرأة من بين اللواتي يعشن في بلادي , فالمشكلة إذن تكمن في أني لست "سيدة" , فعندما أردت أن أسافر في يوم من الأيام لدراسة السينما في الولايات المتحدة بعد محاولات مضنية و مئات المراسلات التي بذلت فيها الجهد الكبير لأحصل علي منحة لدراسة السينما في هوليود , رفضت أمي أن تدعني أسافر وقالت أني ممنوعة من السفر و محددة الإقامة حتى يأتيني الفارس المنشود علي حصانه الأبيض ليلف بي العالم و أينما أحب سيأخذني , و قالت بهدوئها الغاضب الذي أدمنته "البنت المحترمة لا تسافر وحدها بل مع زوجها , ومن ليس لها زوج تؤجل كل شيء حتى يصبح لها زوج" , ثرت في وجهها دون أن أتحرك من مكاني و صرخت بداخلي دون أن تلاحظ هي علي وجهي إلا ابتسامة "أمي ماذا تقولين , ماذا أؤجل أتريدينني أن أؤجل حلمي الذي جريت ورائه سنوات لمجرد أني لست بصحبة رجل يسمونه زوجي؟ أنت لا تفهمين شيئا يا أمي و لن أسمع كلامك هذه المرة و سأفعل ما أريد" صرخت في صمت مميت , فتركتني و قامت , و لسان حالي يردد قول الشاعر "صرخت لا من شدة الألم / فخاف صدى صوتي من الموت / و أرتد لي نعم" .
أنا أعرف أني كنت صغيرة جدا وقتها , لم يتجاوز عمري العشرين سنة فقط ! لذلك لم أستطع الاعتراض أو ربما لم أتعلمه بعد , و لكني أذكر أني اعترضت مرة قديما عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري و أردت الاشتراك في دورة صيفية مجانية لتعليم الكمبيوتر في المكتبة العامة التابعة للحي الذي أسكن فيه , و رفضت أمي اشتراكي في الدورة لأنها أعدت لي برنامج مسبق سيستهلك أجازه الصيف بالكامل , برنامج أهم بكثير من تعلم الكمبيوتر من وجهة نظرها , فهو برنامج لتعلم شئون البيت من تنظيف و طهي و شراء و تسوق , الخ , لأن من وجهة نظر أمي "البنت المحترمة" يجب أن تتعلم شئون تدبير بيتها قبل أي شيء أخر , وبعد أن تتقن أمور البيت تتعلم ما تريد , و لكنني اعترضت أو بالأحرى أبي هو الذي أعترض بالنيابة عني و قال لها جملة حفرت على دمي حتى صارت مكونا ثالثا مع الكرات الحمراء و البيضاء التي يتكون منها دمي , قال لها "ابنتك طموحة احمدي ربك" , و ذهبت و تعلمت الكمبيوتر في مكتبة الحي و كنت أتعلم أيضا شئون المنزل كما تريد أمي , و لكن أين أبي الآن ليعترض بالنيابة عني و يسمح لي بالثورة من خلاله.
هكذا أنا دائما أهوي الاعتراض من خلال أحد , هل أنا ضعيفة إلى هذا الحد و هل أبي قوي إلي هذا الحد , لا أظن فأنا و هو و أمي بشر كلنا نتفق في الصفات العامة التي تجعلنا بشر , ومن هو أبي , أليس رجلا هو الأخر مثل السيد / "مجتمع" , فلماذا احتمي به أو أعيش في أطلال متعة الاعتراض و الثورة من خلاله , لا .. لا .. أنا لم أعد أحتاج للثورة من خلاله أنا أستطيع أن أثور لأني أريد أن أثور , أنا فقط لا أري الطريق بوضوح و لم أتعلم الثورة بعد , فهل لكم أن تعلموني كيف أنطق كلمة "لا" و أخرج لساني لهذا الذي يسمونه السيد "مجتمع" حتى لو اعتبرتني أمي "بنت غير محترمة"؟! هل ساعدتموني لأحقق حلمي و أحلامهن المؤجلة؟
داليا زيادة
|
|