lamalef.net
  

لام الف دوت نت

 

لليمين در .. نحو الامبراطورية!
بقلم فريد عز الدين*

من يتعامل بجدية مع الادعاء ان واشنطن قد تدخل حربا ربما قبل نهاية العام الحالى ضد بغداد لان ترسانة اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة تمثل تهديدا امنيا للعالم الغربى؟ ليسوا كثيرين فى حقيقة الامر، وفقا لتحليل وسائل الاعلام الغربية. كم شخص فى البلدان العربية يعتقدون ان الحرب المحتملة موجهة ضد العرب والاسلام ولخدمة اسرائيل؟ كثيرون فى الاغلب. وربما دون اللجوء لنظرية المؤامرة يمكن لنا ان ننضم بصورة معدلة الى الفريق الثانى اذا اعتبرنا ان حربا ضد انظمة عربية بعينها وجماعات اسلامية معينة وتعضيد اسرائيل كلها ما هى الا لبنات فى بناء اكبر.

ولكن هذا يقتضى وضع الاستعدادات الحربية والتصريحات الاعلامية الامريكية وجهود واشنطن السياسية فى سياق اوسع واعمق يتعلق باعادة ترتيب جارية للنظام الدولى القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهى عملية يجنح البعض الى تصويرها على انها تسيد متصاعد للولايات المتحدة الامريكية خاصة وان بعض مسؤولى الادارة الامريكية لا يتورعون عن دعم هذا التصور. وليس ابلغ - او اوقح - من رد السيد ريتشارد ارميتاج مساعد وزير الخارجية الامريكى على السؤال التالى: الا تحتاج الولايات المتحدة الى باقى اعضاء المجتمع الدولى؟ فرد - ربما ساخرا -: بالتأكيد، فبعد ان تقوم الولايات المتحدة بعملها فى بلد ما (مثل العراق) هناك حاجة الى البلدان الاخرى لتقوم "بالتنظيف". استمعت الى هذه القصة فى اطار محاضرة القاها استاذ فى العلاقات الدولية فى قاعة مكتبة مجلس العلاقات الخارجية المؤثر فى قلب مانهاتن حول السياسات الامريكية فى افغانستان. وبغض النظر عن حقيقة التصريح الا انه يعكس بوضوح منهج ورؤية قسم من المسؤولين الامريكيين الحاليين فى ادارة الرئيس جورج دابليو بوش حيال ما يرون انه الدور التاريخى الامريكى الذى يجب ان تلعبه واشنطن الان وبقوة لفرض نظام عالمى جديد. وبصورة اخرى فان هؤلاء المسؤولين يسعون الى بناء "امبراطورية". فالولايات المتحدة الامريكية وفقا لهذا التصور ستلعب دور المستعمر الرئيسى فى ثياب جديدة ولتبنى اول امبراطورية بعد انهيار الاحلام الاستعمارية البريطانية فى منتصف القرن العشرين.

هل يمكن لنا - اذن - فهم الخطط الامريكية العسكرية ضد العراق فى اطار بناء الامبراطورية خاصة وان هذه الخطط والحرب ضد العراق - سواء نشبت عاجلا ام اجلا ام انجزت واشنطن اهدافها بسبل اخرى- يمكن اضافتها الى جهود اخرى لبناء اكبر يجرى الحفر لاساساته؟ هذا ما سااسعى الى اثباته اذ من المهم الان اجراء تلمس دقيق لملامح ومناهج فرق البناء الامبراطورية وبلدوزراتها وكتائبها الامنية وابواقها الايدلوجية. واعتقد ان اى فهم لهذه الحركة المعقدة يتعين ان يرصد ليس فقط الشخوص المؤثرة وافكارها المنهمرة علينا يوميا من وسائل الاعلام المتلاعب بها بمهارة وحذق ولكن ايضا رسم خرائط النفوذ والمصالح سواء المستفيدة او المتضررة من هذه التوجه الكاسح عسكريا واقتصاديا.

وفى هذه المقالة والاجزاء التالية ساحاول القيام بما يشبه التنقيب عن الاثار من اجل الكشف عن الاشخاص والقوى والهياكل الفاعلة فى خضم مخاض الامبراطورية الجديدة. تحذير وحيد يجب التشديد عليه، وهو ان الكاتب لا يعتقد ان الولايات المتحدة الامريكية تبنى امبراطورية بمفردها فالحلفاء فى كل القارات، من انظمة حكم وشركات وافراد، كما ان حركة التاريخ ليست محسومة سلفا وما اكثر المخاضات الشائكة التى انتهت باجهاض الجنين او حتى وفاة الام.
سأسعى - اذن - فى هذه المقالة ومقالات لاحقة لانجاز عملية التنقيب هذه على عدة مستويات تشمل الحكومات (الامريكية والعربية واسرائيل) والشخصيات السياسية البارزة ومعاهد الابحاث والمصالح النفطية ومصالح شركات السلاح والجماعات الدينية، والامم المتحدة والقانون الدولى الخ، متنقلا دائما بين المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وضفائرها الايدولوجية. ولكن ساركز دائما على الامبراطورية وجهود بنائها، ولعل اللغط الدائر بين فرق العمل فى البلاط الامبراطورى الذى هو تحت الانشاء لا يشتت انتباهنا عن حياة وعرق ودماء بل وجماجم الملايين الذاهبة ثمنا لاقواس نصر مزيفة تحمل شعارات الديمقراطية وحرية الاسواق والقضاء على الارهاب. ولعله ايضا لا يدفعنا كما يبدو الحال الان الى الارتماء اما فى الاحضان الناعمة لتحليلات مبتسرة تعتمد على مخطوطات مشبوهة مثل "بروتوكلات حكماء صهيون" او فى طريق العنف المبتذل المسدود فى نهاية الامر.

وستركز المقالة هذه على مراكز البحث وعلاقتها بمؤسسات السلطة الرسمية فى الولايات المتحدة وعالم الاعمال وخاصة شركات السلاح وجماعات الضغط العرقية وبالتحديد تلك المؤيدة لاسرائيل. ولمعظم مراكز الابحاث الامريكية دور مؤثر فى صنع السياسات ورفع وخفض الاولويات عن طريق نشر الاوراق البحثية والمؤتمرات والاتصال باعضاء الكونجرس ونشر المقالات فى الصحف وباختصار عن طريق تشكيل الحوار الوطنى داخل النظام السياسى ودفعه دفعا فى اتجاهات محددة تحت غطاء شبه اكاديمى. فهؤلاء الباحثين ومؤسساتهم اذن اشبه بالكهنة ومعابدهم فى مصر القديمة.

فى اطار النظام الامريكى توجد اربع مؤسسات فاعلة فى تشكيل السياسة الخارجية بدرجات متفاوتة وهى: البيت الابيض (وداخله مجلس الامن القومى) ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية واخيرا البرلمان (الكونجرس). وخارج النظام الرسمى تلعب ثلاث كتل رئيسية دورا مؤثرا: الاولى تضم مؤسسات الابحاث والدراسات داخل وخارج الجامعات والثانية تجمعات الشركات التجارية والصناعية والمالية، والثالثة والاخيرة جماعات الضغط - ولا سيما العرقية منها مثل الجماعات الموالية لاسرائيل والمعادية لكوبا على سبيل المثال-.

والكهنة هم الافراد الرئيسيون الفاعلون حاليا فى هذه المجموعات، وولاؤهم ليس لاحزاب سياسية بعينها كما انهم يتنقلون بحذق وسرعة السحالى بين مؤسسة واخرى وكتلة واخرى. ويظل الولاء الرئيسى للمجموعة المسيطرة حاليا لنطاق عريض بعض الشىء من الافكار يعتمد حرية الاسواق والاعمال، والدور الرئيسى للمؤسسة العسكرية والانفاق على التسليح والتدريب، وتقليص دور الدولة اجتماعيا وتعظيمه سياسيا وقمعيا، وتشذيب دور القانون الدولى والاتفاقيات العالمية لصالح اتفاقات ثنائية وترتيبات مرنة. واخيرا احساس عارم بدور تاريخى مغلف باساطير اخلاقية ودينية. والى جوار هذا كله - لا شك - حصول الكهنة على مزيد من النفوذ والمال والوظائف.

فلندلف الى مجمع الكهنة.

فى سنوات الحرب الباردة الاخيرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى تقاربت افكار مجموعة من السياسيين ورجال الاعمال والمفكرين المحافظين الامريكيين وفى بداية التسعينات برزت مجموعتان ستلعبان دورا مهما للغاية هما المعهد اليهودى لشؤون الامن القومى Jewish Institute for National Security Affairs و مركز السياسات الامنية Center for Security Policy وضمت المجموعتين عددا كبيرا من المسؤولين السابقين فى ادارتى ريجان وبوش الاب ومع وصول بوش الابن الى البيت الابيض توزع رجال المعهد اليهودى ومركز السياسات الامنية على مكاتب الادارة الامريكية تماشيا مع سياسية الباب الدوار الامريكية حيث يرحل مسؤولو الادارة بملفاتهم من مكاتب الحكومة الى مكاتب مراكز الابحاث حتى تأتى ادارة موالية فيعودوا ادراجهم. وهكذا تأرجح اعضاء عديد من المراكز "البحثية" اليمينية فى الاتجاهين دخولا مع ريجان وخروجا مع كلينتون حتى عادوا اخيرا مع بوش الابن. وهذه العودة جاءت على اجنحة تصاعد نفوذ التيار اليمينى المطعم دينيا فى الولايات المتحدة خاصة مع انهيار الاتحاد السوفيتى وتعاظم نفوذ نظريات مثل نهاية التاريخ - لصالح الليبرالية الامريكية بالطبع - او صراع الحضارات. وعدد من اعضاء مجلس ادارة المعهد اليهودى هم مستشارون او العكس فى مركز السياسات الامنية.

ودعمت هاتان الجماعتان ومعاهد بحثية يمينية اخرى زيادة الانفاق العسكرى ووضع منظومة صاروخية باهظة الكلفة لاسقاط اى صواريخ معادية ورفض اى شكل من اشكال الحد من التسلح والدفاع من منطلق ليكودى عن اسرائيل. وامنت هذه المجموعات اليمينية دائما باهمية القوة العسكرية لحماية المصالح الامريكية، وبالطبع فانهم يحددون ما يرون انه المصالح الامريكية فى اطار امنى ضيق ورأسمالى بحت. العسكرة والقوة هى اذن فى قلب تفكير هذه الجماعات.

ومن قلب هاتين المجموعتين يأتى ريتشارد بيرل Richard Pearle ويرأس حاليا مجلس سياسات الدفاع Defence Policy Board وهو هيئة نصف رسمية تعمل فقط لصالح وزارة الدفاع وتنجز ابحاثا استراتيجية مؤثرة على توجهات وخطط البنتاجون. وعمل بيرل مستشارا فى وزارة الدفاع فى عهد ريجان. ومن دهاليزه السرية قفز هذا المجلس شبه السرى الى عناوين الصحف فى صيف 2002 عندما تسرب للصحف الامريكية - ربما عمدا - وقائع جلسة عرض فيها احد باحثى المركز لتقرير وضع السعودية فى مصاف الاعداء الرئيسيين للولايات المتحدة واستعرض عدة سبل "لتقويمها" وهى سبل منقولة من عديد من الابحاث القديمة التى قام بها المعهد اليهودى ومركز السياسات الامنية فى الماضى وان كانت تركزت على مصر انذاك. وفى نفس الجلسة اظهرت اخر شاشات العرض ما وصفته ب "الاستراتيجية العريضة للشرق الاوسط" ونصحت بالتركيز على "العراق كمحور تكتيكى والسعودية كمحور استراتيجى، ومصر كهدف رئيسى وجائزة." فتغيير النظام العراقى ليس هدفه العراق فحسب بل انه جزء من استراتيجية اوسع لتغيير النظم فى الشرق الاوسط (خاصة ايران والسعودية ومصر وسوريا) من ناحية لخدمة اسرائيل ومن ناحية اخرى لتأمين المصالح النفطية ومن ناحية اخيرة للتخلص من فشل السياسات الحالية المعتمدة على "النظم شبه العميلة" لصالح نظم تتمتع - ربما - بشرعية اكبر وفى نفس الوقت اكثر طواعية لاهداف الامبراطورية الامريكية.

ويتمتع مجلس سياسات الدفاع شأنه شأن مراكز الابحاث اليمينية الامريكية الاخرى بعلاقات متشابكة مع تجمعات مصانع الاسلحة والمؤسسات المانحة وشركات العلاقات العامة واصحاب الملايين الصهاينة المؤيدن لاسرائيل او معتنقى وجهات نظر اليمين المتطرف مثل ريتشارد ميلون سكايف وارفينج موسكوفيتز (نعم نفس الموسكوفيتز الذى يمول جماعة عطريت كوهانيم الاسرائيلية الاستيطانية المتشددة ويسعى لشراء اراضى فى القدس الشرقية لتوطين يهود يمينيين متشددين عليها وقام بتمويل عملية فتح النفق تحت الحرم الشريف وجبل المعبد والتى ادت الى مصرع نحو سبعين فلسطينيا قتلوا ابان احتجاجهم على هذه الخطوة). والكل مستفيد بشكل او باخر. وعلى سبيل المثال رغم الاتفاق على تخفيض المساعدات المدنية لاسرائيل سنويا من مستواها فى التسعينات حتى تختفى تماما بحلول عام 2007 ينص نفس الاتفاق على زيادة المساعدات العسكرية سنويا (خمسين فى المائة من التخفيض السنوى فى المساعدات المدنية يتحول لمساعدات عسكرية). وهنا تختلط كل الاوراق تدعم بعضها البعض فاصدقاء اسرائيل عسكريى التوجه يفرحون بتسليحها وانصار العسكرة الامريكية ينظرون لهذا التوجه على انه سيخدم مستقبلا مشاريع الهيمنة الامريكية فى المنطقة بينما تنظر مجالس ادارة شركات مصانع السلاح الى الدولارات الخارجة من الميزانية الامريكية الى اسرائيل الى حسابات هذه الشركات.
وجرى انشاء المعهد اليهودى لشؤون الامن القومى Jewish Institute for National Security Affairs فى عام 1976 من جانب بعض المحافظين الجدد الذين ازعجتهم نتائج حرب اكتوبر 1973 ومشاريع وزير الخارجية الامريكى انذاك هنرى كيسينجر لفض الاشتباك بين مصر واسرائيل والحديث المتزايد عن تدويل الصراع العربى الاسرائيلى فى مؤتمر دولى فى جنيف. وخلال ربع قرن نجح المعهد فى استمالة شخصيات نافذة حتى ان مجلس اداراته فى عام 2000 ضم ديك تشينى (نائب الرئيس الامريكى حاليا) وجون بولتون (وكيل وزارة الدفاع لشؤون الحد من التسلح حاليا) ودوجلاس فيث (ثالث ارفع مسؤول مدنى فى وزارة الدفاع) ورئيس المخابرات المركزية الامريكية السابق جيمس وولسى والمندوبة الامريكية السابقة فى الامم المتحدة جين كيركباتريك.

ويعلن المعهد اليهودى ان هدفه الرئيسى هو "تنوير المختصين بشؤون الدفاع والسياسات الخارجية الامريكية بالدور المهم الذى يمكن ان تلعبه اسرائيل فى دعم المصالح الديمقراطية فى منطقة المتوسط والشرق الاوسط ... ولتعليم الجمهور الامريكى اهمية القدرات الدفاعية الامريكية الفاعلة من اجل ضمان المصالح الحيوية الامريكية." ويضخ المعهد سيلا من مقالات الرأى للصحف الامريكية وتقارير تصل لهيئات الادارة والكونجرس ويركز المعهد حاليا على التنديد باى اتصالات لتطبيع العلاقات اكثر مع سوريا وعلى تلطيخ صورة الفلسطينيين عموما والسلطة الفلسطينية خصوصا. وعلى سبيل المثال فان المعهد يدعى ان عرفات يسيطر على كل اعمال العنف والهجمات الانتحارية الارهابية فى المناطق الفلسطينية المحتلة وينسق اعمال العنف من اجل حماية صدام حسين الذى يعد وفقا للمعهد "المؤيد المالى الوحيد لعرفات الذى لا يوجد لديه اى حافز لوقف اعمال العنف ضد اسرائيل بصورة تسمح للغرب بتركيز اهتمامه على مموله وحاضنه صدام." اى مثل لضرب عصفورين بحجر واحد كما يقول جاسون فيست اقوى من هذا المقتبس. حجر دامى يضرب صدام حسين (ممول الارهاب) وعرفات (منفذ الارهاب) ويضع اسرائيل فى خندقها "الطبيعى" مع امريكا فى مواجهة العراق. وليس اقوى لتحقيق اهدافك سياسيا من لصقها فى اطار اوسع لتصير مصالح اسرائيل وامريكا هى نفس الشىء. مثل ثانى. ضع مصالح اسرائيل مع مصالح شركات النفط الامريكية التى تضغط حاليا من اجل رفع الحظر المفروض على التنقيب فى منطقة الاسكا الامريكية الطبيعة وهو رفع سيودى الى الابد ليس فقط بجمال المنطقة بل بتوازنها البيئى فى مسيرة الرأسمالية المدمرة بيئيا. ولذا يصدر تقرير عن المعهد اليهودى يدعم التنقيب فى هذه المنطقة لزيادة مصادر النفط الوطنية بدعوى "ان الدول العربية المنتجة للنفط لها مصالح معادية لنا" وال "نا" هنا بالطبع تشير الى الولايات المتحدة. والطريف ان العراق الان سادس اكبر مصدر للنفط للولايات المتحدة بينما تحتل السعودية المرتبة الثانية ؟؟ ولكننا سننظر الى صناعة النفط فى جزء مستقل لاحقا. ولا يتورع المعهد عن المضى قائلا "بينما اسرائيل تقف فى صفنا عندما نحتاجها ... والتنقيب فى المناطق القطبية سيحد من قدرة (العرب) على ايذاء اى منا" - اى الولايات المتحدة واسرائيل.

ويقول مايكل ليدن Michael Ledeen احد اعضاء المعهد اليهودى المؤثرين فى واشنطن ان "تغيير الانظمة المعادية "فى العراق وسوريا وايران والسعودية والمناطق الفلسطينية باى ثمن (بما فيها الحرب بالطبع) هدف رئيسى لحماية مصالح الولايات المتحدة. وينطلق اعضاء المعهد اليهودى من التماهى والتطابق الكامل بين مصالح اسرائيل ومصالح الولايات المتحدة ومن ان اى هجوم تتعرض له الدولة اليهودية يجب النظر اليه على انه هجوم مباشر على امريكا.

وعديد من اوراق هذا المركز البحثية مثله مثل مركز السياسات الامنية ومراكز يمينية اخرى تحب العسكرة صارت خيارات تبنتها ادارة بوش فى العامين الماضيين. ولننظر الى مثل صارخ. فى عام 1996 انجز ريتشارد بيرل ودوجلاس فيث ورقة تحت مظلة معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية المتقدمة Institute for Advanced Strategic and Political Studies وكانت الورقة عبارة عن برنامج من النصائح السياسية للسيد بنجامين نتنياهو الذى صار بعدها رئيسا لوزراء اسرائيل. حملت الورقة عنوان "القطيعة الكاملة .. استراتيجية جديدة لامن المنطقة". واوصت الورقة بعدة سياسات اقتصادية يمينية (نفذها نتنياهو فيما بعد وشملت بيع مؤسسات قطاع عام وتخفيض الضرائب) ولكن ما يهمنا منها هو عدة توصيات لتغيير النظم الحاكمة فى المنطقة اضافة الى نصائح حول زيادة الدعم الامريكى لاسرائيل عن طريق تضفير المصالح الاسرائيلية مع خطط اليمين الامريكى العسكرية. وهاك مقتطف: "يمكن للسيد نتنياهو ان يبرز رغبته للتعاون بصورة وثيقة اكثر مع الولايات المتحدة فى مشاريع الدفاع الصاروخية ... وهذا التعاون سيدحر ليس فقط تهديدا ماديا ملموسا لاسرائيل بل سيوسع قاعدة الدعم لاسرائيل بين عديدين من اعضاء الكونجرس الامريكى ممن لا يعرفون الكثير عن اسرائيل ولكنهم يهتمون بشدة بانظمة الدفاع الصاروخية."
((يجب وضع المعهد اليهودى فى اطار منظومة اخرى تدعم اسرائيل من الاتجاه اليمينى (هناك دعم اخر من اليسار والوسط ليس هنا مجال بحثه). وتشمل هذه المنظومة اليمين الدينى واهم منظماته الائتلاف المسيحى Christian Coalition والمراكز المتخفية وراء ابحاث السياسات واهمها معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى Washington Institute for Near East Policy (ورئيسه الاول مارتن انديك الذى صار مساعدا لوزير الخارجية فسفيرا فى اسرائيل ثم مع الادارة الجديدة عاد ادراجه الى صناعة المراكز البحثية - ورئيس المعهد الحالى هو دنيس روس الذى عمل منسقا لعملية السلام طوال العقد الماضى)، واخيرا جماعات الضغط التى تعمل مع الرأى العام والاعلام والكونجرس ومن اهمها لجنة الشؤون العامة الامريكية الاسرائيلية American Israel Public Affairs Committee. والنجاح الرئيسى للمعهد اليهودى وهذه الجماعات الاخرى يتمثل فى تحويل دعم اسرئايل من هدف مستقل الى جزء متداخل مع المنظومة المعتمدة للمصالح القومية الامريكية عن طريق تشبيك المصالح الاسرايلية مع جماعات صناعة السلاح واليمين الدينى والتفكير الامبراطورى.))
وينفق المعهد اليهودى قسم كبير من ميزانيته السنوية على تمويل رحلات للجنرالات الامريكيين المتقاعدين الىاسرائيل حيث تعقد لهم اجتماعات مع المسؤولين الاسرايليين وعقب عودتهم يسطر بعضهم مقالات فى الصحف الامريكية او يوقعون على عرائض سياسية توجه لمسؤولى الحكومة او تنشر فى الصحف وهى عادة تتبنى الخط الليكودى. ولان اعينه على المستقبل فان المعهد يقوم ايضا بتنظيم رحلات للطلبة الجدد فى المعاهد العسكرية الامريكية لاسرائيل كما ينظم محاضرات فى معاهد الجيش والبحرية والقوات الجوية . صداقة قوية تلك التى تتشكل فى هذه الرحلات مما دفع عددا من هؤلاء العسكريين الامريكيين لاصدار بيان بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الراهنة دعوا فيه الولايات المتحدة الى دعم اسرائيل "لان الصديق لا يترك صديقه وحيدا فى ساحة القتال."

ولا يجب النظر الى هذه المواقف على انها نتيجة مجرد عملية غسيل مخ ساذجة يقوم بها المعهد لهؤلاء العسكريين وان كانت بالطبع تغلف مواقفهم برداء من العاطفية وذلك لان مصالح عديد منهم ترتبط باسرائيل فى واقع الامرعن طريق شركات السلاح حيث يعمل عديد منهم حاليا كمستشارين او اعضاء مجالس ادارة فيها.

فعلى سبيل المثال فان عضو مجلس ادارة المعهد اليهودى الادميرال المتقاعد ليون ادنى والادميرال المتقاعد ديفيد جيرميا والليفتنانت جنرال متقاعد تشارلز ماى كلهم بصورة او باخرى عملوا لصالح شركة السلاح العملاقة نورثروب جرامان كمستشارين او اعضاء مجالس ادارة. وهذه الشركة قامت بتصنيع سفن للبحرية الاسرائيلية وبيع اجهزة ملاحة لطائرات اف 16 ومعدات جوية اخرى للقوات الجوية الاسرائيلية. وقائمة المبيعات الامريكية العسكرية لاسرائيل طويلة وينبغى النظر الى طولها على انه نتيجة للارباح الطائلة التى تجنيها هذه الشركات وليس فقط كاشارة على الدعم الامريكى المطلق لاسرائيل الذى لا شك فيه. والادميرال جيرميا حاليا عضو فى مجلس سياسات الدفاع ايضا اضافة الى ارتباط عمله بعدة شركات سلاح منها شركة ليتون التى تقوم بتصنيع رصاصات مطاطية - لقمع المظاهرات - بالاشتراك مع شركة تاس الاسرائيلية.

اما مركز السياسات الامنية وميزانيته السنوية نحو مليون دولار - صغيرة بالمقياس الامريكى للمعاهد البحثية - فيضم مجلس ادارته عددا من نفس الشخصيات سالفة الذكر مثل دوجلاس فيث الذى كان رئيسا للمجلس قبل ان ينتقل للعمل فى وزارة الدفاع مثله مثل اعضاء اخرين انتقلوا للعمل فى مؤسسات الامن القومى الامريكية المختلفة. ويرأس المركز فرانك جافنى غزر الانتاج فى المقالات الصحفية المختلفة وخاصة فى صحيفة واشنطن تايمز يمينية التوجه فى العاصمة الامريكية محذرا من خطر الصين والعراق وكوريا الشمالية، الخ، على الامن القومى الامريكى. وانشأ جافنى المركز فى نهاية الثمانينات بعد ان خرج من عمله فى وزارة الدفاع. ويوصى المجلس عادة بالغاء كل اتفاقيات الحد من التسلح (لنتذكر ان بوش الابن قام بالغاء معاهدة الحد من الصواريخ المضادة فى بداية عهده وهو الامر الذى دعا له فيث نفسه فى ورقة اصدرها المركز فى عام 1995) كما عارض المركز فى التسعينات اتفاقيات حظر التجارب على الاسلحة النووية واتفاقية الاسلحة الكيماوية واتفاقية المحكمة الجنائية الدولية وهى كلها اتفاقيات فشلت الولايات المتحدة فى التوقيع عليها مؤخرا.

جافنى وبيرل وغيرهم من الكهنة يؤمنون فى الاغلب بادعاءاتهم ولكن لننحى هذا جانبا للحظة وننظر الى الشركات التى تدعم ماليا ومعنويا مركز السياسات الامنية لنجد انها تضم بوينج (تصنع طائرات اف 15 وغيرها من انظمة التسليح) ولوكهيد مارتن وريثيون وتى ار دابليو وغيرها من الشركات التى ترتبط قيمة اسهمها فى البورصة بالتعاقدات الضخمة مع وزارة الدفاع ومع دول مثل اسرائيل والسعودية وغيرها. فالولايات المتحدة على اى حال هى اكبر مصدر للسلاح فى العالم. لنا اذن ان نفهم اكثر سر دعم المركز المستمر لتطوير مزيد من انظمة التسليح باهظة التكاليف مثل انظمة الدروع الصارخية المضادة للصواريخ والتى يدعو لنشرها فى ارجاء الولايات المتحدة.

ومثل بيرل وغيره ممن انتقلوا من هذه المعاهد الى مقاعد الادارة انتقل مؤخرا السيد مايكل روبين من معهد الاعمال الامريكى الى وزارة الدفاع ليشرف على قسم الشؤون العراقية/الايرانية ومن نفس المعهد انتقل السيد ديفيد وورمسر الى وزارة الخارجية كمساعد خاص للسيد بولتون القادم من المعهد اليهودى ليمسك بشؤون الحد من التسلح (او يجمدها بمعنى ادق) - وبالمناسبة فان زوجته السيدة ميراف وورمسر ترأس معهد ابحاث الشرق الاوسط المعنى بالنظر فى الصحف العربية وترجمة اى مقالة يشتم انها معادية للسامية او بمعنى اخر لاسرائيل حيث يوضع الاثنين فى سلة واحدة.) هل لنا ان نتعجب بعد هذه القائمة الطويلة اذا صرح وزير الدفاع الامريكى دونالد رامسفيلد قائلا ان ان سياسة الاستيطان الاسرائيلية ماهى الا "بناء بعض المستوطنات فى مناطق ممختلفة مما يدعى باراضى محتلة" وهى فى الواقع - وفقا له - اراضى "فازت" بها اسرائيل فى الحرب.

وهناك عديد من المنظمات الكبيرة والصغيرة الاخرى التى تدعم نفس الافكار والتوجهات وما جرى اختيار المنظمتين السابقتين بصفة اساسية الا لانهما تمسان منطقة الشرق الاوسط بصورة اكثر حدة. وكل هذه المنظمات والمراكز والمعاهد والمؤسسات تقوم بما يدعى بانشطة بحثية تدفع كلها فى اتجاه هذا التحالف غير المقدس بين شركات السلاح واليمين العسكرى واليمين الدينى. ومنها على سبيل المثال :
امريكيون للانتصار على الارهاب Americans for Victory Over Terrorism
معهد الاعمال الامريكى American Enterprise Institute
معهد ابحاث الشرق الاوسط Middle East Research Institute
مؤسسة التراث Heritage Foundation
معهد كاتو Cato Institute
معهد هدسون Hudson Institute
المعهد الوطنى للسياسات العامة National Institute for Public Policy
مشروع القرن الامريكى الجديد Project for New American Century

وهذا التجمع الاخير وقع بيان انشائه بعض الشخصيات سابقة الذكر مثل جافنى وبيرل والى جوارهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفوويتز ونائب الرئيس ديك تشينى ومساعده لويس لبى وشقيق الرئيس وحاكم ولاية فلوريدا جب بوش. وهذا التجمع هو الذى ارسل خطابا للرئيس بوش فى نهاية فصل الصيف لاتخاذ "الاجراءات المناسبة ضد سوريا وايران اذا رفضتا الانصياع" للمطالب الامريكية.

اعتقد ان العرض السابق كله يكفى على بيان تغلغل العديد من الافراد ذوى التوجه اليمينى الحاد الداعى الى فرض سيطرة امريكية على العالم بقوة السلاح لخدمة اهداف معلنة مثل نشر حرية الاسواق و"الديمقراطية" والقضاء على الارهاب، واهداف احسب انها تقع فى القلب من هذه الخطة وهى ليست مخفاة فى حقيقة الامر كما سنوضح فى مقالة تالية وتشمل فرض الهيمنة العسكرية الامريكية (بما يعنى من تعاقدات اكبر وارباح اكثر لشركات السلاح) والسيطرة على منابع النفط (لتأمين الاحتياجات الامريكية المتزايدة وتأمين وسائل ضغط على اوروبا واليابان) واضعاف موقف الصين وروسيا اكثر .. وباختصار .. اعادة رسم خريطة العالم تحت لواء الامبراطورية.
* فريد عز الدين كاتب مصرى يعيش ويعمل فى نيويورك.
Jason Vest, "The Men From JINSA and CSP", The Nation magazine, August 15, 2002.
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه