|
|
الرقابة على الصحافة المصرية :
أيادٍ خفية ... لكنها فظة حقاً
كارم يحيى
عقب حرب يونيو 1967 ، عندما كانت الرقابة الرسمية مفروضة على الصحف ، أحتجت نقابة الصحفيين إلى " الإتحاد الإشتراكى " الذى كانت المؤسسات الصحفية تتبعه آنذاك ، بأن رؤساء التحرير فى هذه المؤسسات يتحلون بالمسؤولية السياسية ، و بأن للإتحاد الإشتراكى سلطة محاسبتهم و تغييرهم ، وفى كل ذلك ما يغنى عن هذه الرقابة ! (1)
وتحتفظ ذاكرة الأجيال المخضرمة من الصحفيين المصريين بنوادر عديدة عن الرقيب الرسمى - ضابط الجيش أو الموظف الحكومى - المقيم فى مكتبه داخل الدار الصحيفة ، أو الذى يذهب أحد المحررين إلى مقره بالإدارة الحكومية حاملاً " بروفات " العدد .
و الأعمال الروائية التى كتبها صحفيون أدباء كفتحى غانم إلى تنقل إلى قرائها أنماطاً من الصراع مع " السيد الرقيب " - أصطداماً به أو استفادة من " ضيق أفقه البيروقراطى " -وهو صراع أسفرمرات و مرات عن مفارقات أدت أحياناً إلى حظر المباح و نشر المحظور .
ومنذ قرار إلغاء الرقابة الحكومية الرسمية على النشر فى الصحف المصرية فى فبراير 1974 أختفى " السادة الرقباء " تاركين خلفهم حنيناً مبهماً و مؤثماً إلى لذة العراك و المناورة مع " شخص غريب و ضد" ولكنه من لحم و دم يحمل لقب " السيد الرقيب " وإلى نشوة الإنتصار على " الأفق البيروقراطى المحدود " وسرعان ما أدرك " الليبراليون" أنفسهم حدود اللعبة :
فالعائدون إلى الكتابة و الصحافة مع رياح الإنفتاح الإقتصادى و التعددية الحزبية و إلغاء الرقابة على الصحف فى منتصف السبعينيات سرعان ما اصطدموا بأياد خفية فظة لا تقل ثقلاً و خطراً عن الرقيب الرسمى .
وفى التو لاحظ أحد " الصحافيين الليبراليين العائدين ." محملاً بمرارة لا تداوى ضد الرئيس جمال عبد الناصر وزمنه أن : " الحرية أدخلت إلى قفص حديدى جديد ، وذلك باختيار شخصيات صحفية لها مواصفات معينة لرئاسة المؤسسات الصحفية بحيث تكون لها القدرة على فرض حظر النشر على كل ما يتصل بالانحراف ، ثم أمتد الحظر إلى أى نقد سياسى أو غير سياسى ." ولم تمض ستة أشهر على إعلان إلغاء الرقابة على الصحف حتى كان الرئيس السادات يجتمع مع القيادات الصحفية فى أغسطس 1974 ليحذر من " التجاوزات " ومن نمو " مراكز القوى " في الصحافة و ليوجه الأنظار إلى " النغمة الصحيحة " التى يجب على الكافة الإلتزام بها (2) وهكذا توارى السادة الرقباء " الغرباء " عن أنظار الصحفيين منذ 28 عاماً . إلا أن الصحافة المصرية ظلت تعانى إحساساً بالإختناق .
مكتب الصحافة
كانت أخر الفترات التى عرفت فيها مصر فرض الرقابة الرسمية بشكلها الفج البدائي هى الفترة الممتدة ما بين يونيو 1967 و فبراير1974 .
ومع ذلك فإن تلك الرقابة أستمرت على إستحياء إلى حينه فى مكتب الصحافة التابع لوزارة الإعلام ، وله فرعان :
أحدهما خاص بالمطبوعات الأجنبية ، أى الواردة من خارج مصر حتى لو كانت صحفاً و مجلات باللغة العربية موجهة أساساً إلى القراء المصريين و يملكها و يحررها مصريون أضطروا إلى إصدارها بترخيص من الخارج تجاوزاً لقيود إصدار الصحف و ملكيتها داخل البلاد .
وفى كل الأحوال يملك الرقباء الرسميون منع وصول المطبوعة الصادرة بترخيص فى الخارج ، سواء أكانت أجنبية أم محلية ، وإن كان فى وسع الرقباء و مسؤولى الصحف ذات الطبيعة المحلية ـ بما فى ذلك الصادرة بلغات أجنبية ـ التفاهم قبل الطبع على حذف الموضوعات التى قد تثير حساسية الرقابة ، ومن ثم تجنيب المطبوعة خسائر محققة تنجم عن المصادرة .
أما الفرع الآخر لمكتب الصحافة فيتولى متابعة ما ينشر فى الصحف المحلية المختلفة ، وله أن يتصل برؤساء التحرير ليمارس ما يعتبره القائمون على المكتب نوعاً من " إسداء النصح و تقديم العون ." (3)
وقد لا تعلم غالبية الصحفيين و الكتاب فى الصحف المصرية شيئاً عن نفوذ هذا المكتب ، إن كانوا يعلمون بوجوده أصلاً .
ولا يلمس البعض من جانب الرقابة الرسمية سوى ما يتصل بالتعليمات الواردة كتابة بحظر نشر أحداث تتعلق بما تراه السلطات ماساً " بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومى " ـ وهى رقابة يجيزها الدستور المصرى ( بحسب نص المادة 48 ) بمقتضى حالة الطوارئ المعلنة فى مصر منذ 22 عاماً (4)
وقد يتسع نطاق هذه الرقابة فى الممارسة ، وفق تفاهم ما بين رؤساء التحرير و الرقابة .
وتصدر التعليمات الرقابية من منابعها الأولى عن وجهات سياسية و أمنية عديدة ، وقد تشمل وقائع مدينة أو عسكرية معروفة و منشورة فى الصحف العالمية : فقد تصدر تعليمات بحظر نشر أنباء عن مشاركة القوات المصرية فى " مناورات النجم الساطع " مع القوات الأمريكية ، أو عن الأضرار المادية و البشرية فى المناطق المصرية المجاورة لقطاع غزة جراء العدوان الإسرائيلي على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين اللصيقة بها .
وقد تضطر الصحف المصرية أيضاً إلى التوقف عن متابعة تحقيقات قضائية تشغل الرأى العام فور إصدار النائب العام قراراً بحظر النشر .
ولا شك أن الرقابة التى تتخذ شكل التعليمات أو أوامر حظر النشر تثير حفيظة المتهمين بحرية الصحافة ، لما تنطوى عليه أحياناً من توسع غير مبرر لمقتضيات مفهوم " الأمن القومى و السلامة العامة ،" ولما قد تنحاز إليه بفعل إعتبارات و تأثيرات سياسية سلطوية أو إجتماعية طبقية .
ويتواتر مفعول الرقابة الرسمية السابقة على النشر عن حين إلى أخر عبر النصائح الشفوية و التعليمات المكتوبة إلى مسؤولى التحرير .
فلا تدرى غالبية الصحفيين و الكتاب بمجرياتها لأنها من أسرار الدائرة الضيقة المقربة من رئيس التحرير أو ما يسمىبـ " المطبخ الصحفى ." أما قرارات النائب العام بحظر النشر فإنها تصبح معروفة للجميع بما فى ذلك القراء لأنها معلنة .
وفى كل الأحوال ، تظل أشكال هذه الرقابة ، الإدارية كانت أم قضائية أم شفوية أقل إثارة للجدل ومدعاة للانتباه إذا قورنت برقابة الردع و العقوبات على النشر .
كما تبقى - فى ظننا - أضعف أثراً فى فضاء حرية الصحافة فى مصر مقارنة بنفوذ الرقابة الذاتية داخل المؤسسة الصحفية ذاتها .
الجريمة و العقاب
فالصحفيون المصريون فضلاً عن العاملين فى منظمات حقوق الإنسان و المنظمات المعنية بحرية التعبير يعتقدون أن ظاهرتين بذاتهما خطفتا الإهتمام خلال السنوات القليلة الماضية :
الأولى تتمثل فى الإتجاه غير المسبوق إلى معاقبة الصحفيين و الكتاب بالسجن و الغرامات الباهظة فى قضايا النشر .
فقد أيقظ مناخ عدم التسامح المجتمعى و السلطوى و الدينى نصوصاً عقابية كانت نائمة ، ومكن المئات من رفع الدعاوى أمام المحاكم ضد الصحف و الصحفيين ، ودفع ( وما يزال ) إلى محاولات حثيثة للتشريع بمزيد من تشديد العقوبات (5) ورغم أن مقاومة الصحفيين و قطاعات من المجتمع المدنى قد أدت إلى تراجع الدولة عن القانون رقم 93 لعام 1995 ، الذى وصف بقانون " إغتيال الصحافة " وإلى استبداله بقانون أقل تشدداً ( هو قانون رقم 96 لعام 1996 ) فإنه منذ إقرار القانون المعدل تم سجن سبعة صحفيين على التوالى فى قضايا النشر بالصحافة ، بينما تعرف مصر فى السابق وعلى مدى نحو نصف قرن كامل سجن صحفى أو كاتب واحد فى قضايا الصحافة ! (6)
أما الظاهرة الثانية فهى وقف إصدار عدد من الصحف و أمامنا ثلاثة نماذج بارزة حصلت فى أعوام 1999 و 2000و2001 لوقف الإصدار ، و ذلك ضمن عشرات المطبوعات الأخرى التى تعرضت لمصير مشابه . ففى عام 99 صودرت مراراً صحفية الدستور المتميزة التى كانت تصدر بترخيص من الخارج ، ثم أوقف طبعها وتوزيعها نهائياً و فى عام 2000 قدمت جريدة الشعب ، الناطقة بلسان حزب العمل الإسلامى التوجه ، نموذجاً للكيفية التى تتحرك بها الأيدى الخفية للدولة عندما ترغب فى وقف جريدة حزبية ، وذلك باللجوء إلى بعث نصوص نائمة فى قانون الأحزاب ,و بالإستناد إلى صلاحيات " اللجنة شبه الحكومية المسؤولة عن الحياة الحزبية " فى تجميد نشاط الحزب .
ومع أن القائمين على الجريدة حصلوا لاحقاً على أحكام عديدة و نهائية بإستثناء صدورها ،فإن ضغوطاً سياسية و إدارية حالت دون طبعها و عودتها ، خاصة أن الدولة تكاد تحتكر إمكانات الطباعة و التوزيع . وفى العام الماضى توقفت جريدة النبأ التى كانت تصدر عن شركة مساهمة مصرية بعد حكم قضائى ، لكن استئنافاً أمام محكمة عليا أعاد الجريدة إلى الصدور هذا الصيف (7) وبصرف النظر عن أسباب وملابسات وقف الصحف أو سجن الصحفيين فى قضايا النشر ،فإن اللجوء إلى عقوبات فظة من هذا النوع يشيع مناخاً من شأنه ترويع الكتابة الصحفية و كبح استقلال الأنباء وحرية إبداء الرأى ولعل تقرير مجلس نقابة الصحفيين المصريين المقدم إلى الجمعية العمومية فى العام الحالى ، يعبر عن شئ من هذا حين يقول :" إن أمننا المهنى ما يزال بعيد المنال طالما تحكم مهنتنا قوانين النشر و التشريعات الصحفية المبتورة أو المشوهة أو القاصرة التى تنتمى إلى قرون أخرى دخلت ذمة التاريخ (8)
و الحاصل الآن أن المطالبة بتعديلات تشريعية لصالح حرية الصحافة - بما فى ذلك فك القيود عن إصدار الصحف ، وضمان حرية الحصول على المعلومات - تواجه بقوى إجتماعية و سلطوية تنشد المزيد من التضييق و التشدد .
و بينما تأخذ مصر بإقتصاد السوق و الليبرالية الإقتصادية ، فإن الليبرالية السياسية و الصحيفة تظل أمراً بعيداً . فالسلطة السياسية تتبنى صراحة تأجيل " الإصلاح السياسى و الديمقراطى " إلى أجل غير مسمى .
ويظهر رجال الأعمال الجدد تبرماً لا يقل شراسة و عدوانية عما يعرف به مسؤولو الدولة إزاء أى خروج عن الأداء الصحفى التقليدى الرتيب باتجاه الشفافية و الآراء الإنتقادية .
ولا تكفى هذه القوى بعرقلة رفع القيود عن الصحافة ، ولا بإعادة اكتشاف و تفعيل التشريعات العقابية الفظة فقط بل تسعى بدأب إلى وضع قوانين أكثر تشدداً و تضيقاً . وعلى غير ما هو مطروح عالياً بشأن التوازن المنشود بين حرية الصحافة و حماية حرمة الحياة الخاصة للمواطن ، فإن الجدل الذى قد يثور فى مصر من حين إلى أخر يبدو مشدوداً بقوة إلى إضفاء" قداسة ما " على نخبة أهل المال و السلطة ، لا إلى حق المواطنين فى أن يعلنوا - فضلاً عن أن يتمتعوا سواسية - بحماية حرمة حياتهم الخاصة ما دامت أعمالهم لم تتقاطع بالشأن العام .وما يبعث على المزيد من القلق هنا أن غالبية التعديلات المتشددة المقترحة تنحو إلى تأكيد التمييز لصالح " الشخصيات العامة " كما أن كل أحكام السجن التى صدرت بحق الصحفيين السبعة و نفذوها كانت فى قضايا لا تتعلق " بالبسطاء من الناس" فقد كان المدعون فيها من كبار رجال الدولة ، و النخبة السياسية و الإقتصادية .
وزادت موجة التعصب الدينى فى الربع الأخير من القرن العشرين من تعقد الصراع حول حرية الصحافة وقد بلغت هذه الموجه ذورتها فى عقد التسعينيات بإغتيال الكاتب فرج فوه ، وبمحاولة قتل الأديب نجيب محفوظ ، فضلاً عن حكم قضائى يكفر المفكر نصر حامد أبو زيد و يفرق بينه و بين زوجته و يجبره على الإقامة خارج مصر ، وذلك وسط حملة عاتية من دعاوى " حماة الدين و الفضيلة " مرفوعة أمام المحاكم لمطاردة الآراء و الأفكار بتهمة الكفر فى الصحف و الكتب و السينما (9)
ولم تقتصر العواقب على إشاعة الخوف و الحذر بين الكتاب و الصحفيين و الفنانين خشية ملامسة خطوط التكفير ، بل كرس هذا المناخ الردئ انفصاماً خطيراً أضر بمطلب الإصلاح الديمقراطى فقد أسفرت المواجهات بين " الإسلاميين " و الحكم منذ مطلع الثمانينيات عن تكريس هولاء ، فى نظر قطاعات واسعة من الرأى العام ، بإعتبارهم المعارضة الصلبة الأبرز التى تتحدى " الدولة المستبدة " إلا أن مثل هذه المعارضة التى تتجه بالمجتمع إلى " الظلامية " لا تقل فى الحقيقة استيداداً .
و تلخص مأساة صحفية الشعب هذا الإنفصام الخطير : فقد حرضت بداية ضد حرية التعبير و الإبداع و خاضت حملة تكفير ضد نشر روايته وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر ، وأخرجت الحملة طلبة جامعة الأزهر غاضبين إلى شوارع القاهرة . ومثلما عالجت الدولة حملة دعاوى التكفير أمام المحاكم بإصدار قانون " الحسبة " عام 1996 فأممت حق الإدعاء لحسابها ممثلاً فى النيابة العامة و من دون إلغاء مبدأ التكفير ، صادرت الدولة الرواية ثم أغلقت الصحيفة فى عام 2000 لسبب آخر و لكن
وفق منطق المصادرة عينه الذى دعت إليه الصحيفة . وعلى هذا النحو أضيرت الديمقراطية ، وأنتهكت حرية التعبير و الصحافة بما لحق بالرواية و الجريدة معاً .
أما مطلب الإصلاح التشريعى من أجل صحافة حرة فقد سقط فى الطريق ضحية الإستبداد السياسى و التكفير الدينى معاً .
و يمثل التهديد بإغلاق الصحف و سجن الصحفيين رادعاً رقابياً مثار جدل واهتمام . فالإغلاق و السجن من الظواهر التى استجدت و تكررت فى السنوات القليلة الماضية ، وتركت مخاوفها تحلق فى الفضاء الصحفى بأسره و بين جموع الكتاب و الصحفيين ، وأن كانت هذه الظواهر لم تخرج فى الممارسة عن نطاق الصحف الحزبية و " الجديدة المستقلة " و المطبوعات الدورية المحدودة التوزيع كتلك التى تصدرها منظمات حقوق الإنسان أو جمعيات المجتمع المدنى و الأوساط الثقافية و أحزاب المعارضة .
وهناك أشكال أخرى من رقابة الردع و العقوبة ، وإن كانت لا تسترعى الإهتمام عادة .
فقد يتم استدعاء الكتاب و الصحفيين للتحقيق أمام الجهات المدنية أو العسكرية و ربما وجد رئيس التحرير و محرر المادة الصحفية نفسيهما أمام النيابة العامة ليوم كامل أو يزيد بسبب نشر نبأ إضراب ما ، كما حدث فى فبراير 1999 مع جريدة الوفد الحزبية بشأن خبر عن عمال و موظفى البنك المركزى ، بعد أن وجهت إليهما اتهامات بنشر معلومات كاذبة تضر بالمصلحة العامة و تحرض الرأى العام ؛ و بعد دفع كفالة مالية جرى إخلاء سبيلهما .
وكانت أحداث وقائع الإستدعاء أمام جهات عسكرية هى التى جرت مع جريدة العربى الحزبية الناصرية المعارضة ، بعد أن نشرت فى إبريل الماضى تغطية لمحاضرة ألقاها رئيس أركان الجيش الأسبق الفريق سعد الشاذلى .
وكان الكثيرون قد اعتبروا أن ما نشر لا يحمل جديداً بشأن ما هو معروف عن التأثير السلبى لمعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية فى قدرات مصر فى الدفاع عن سيناء .
وأنتهت التحقيقات بنشر .الجريدة أعتذاراً تؤكد فيه تقديرها للقوات المسلحة ، بعدما خلف الإستدعاء العسكرى طلالاً من القلق و المخاوف بين الصحفيين . ولعل آخر الوقائع المعلومة فى رقابة العقوبة و الردع اللاحق على النشر الإطاحة الفورية برئيس تحرير جريدة الميدان " المستقلة " الأستاذ سعيد عبد الخالق ، وكيل نقابة الصحفيين ، لنشر صورة لجثمان الرئيس عقب إغتياله - وهى المرة الأولى التى يعاين فيها المصريون فى صحافتهم أثار الطلقات التى أودت بحياة السادات منذ 21 عاماً (10)
الرقابة الذاتية فى الصحف : السلطة و الإعلان و رجال الأعمال
لكن تظل الرقابة الأكثر شيوعاً و نفوذاً هى ذلك النوع الراسخ و المعروف بـ " الرقابة الذاتية " التى نادراً ما تثير ضجة أو تسترعى انتباها ، وإن كانت تهيمن بسطوتها فى صمت على ما يسمى بـ الصحف القومية و تسيطر الدولة ولاتزال على هذه الصحف بواسطة اختصاصات مجلس الشورى ، وريث الإشتراكية فى ملكية الصحف و الإشراف عليها . وتملك مؤسسات الصحافة " القومية " السبع الرئيسة وضعاً شبه احتكارى فى الفضاء الصحفى يتجلى فى السيطرة على إمكانات الطباعة و التوزيع و أسواق الإعلانات وعلى أضخم دائرة من القراء . وبعد نحو ربع قرن من التعددية الحزبية المقيدة ، وبضع سنوات على صدور صحف محدودة العدد من قبل شركات خاصة ، تقدر هيمنة صحف الدول المسماة بـ " القومية " على مجمل الفضاء الصحفى فى مصر بنسبة تتراوح بين 85 ، 90 بالمأئة ، وهذه النسبة تماثل تقريباً حصة الصحفيين العاملين فى الصحف " القومية " بين أعضاء نقابة الصحفيين المصرية . و تمتد مظاهرة الوضع شبه الاحتكارى إلى الهامش المحدد خارج الصحافة القومية" ويعزى استمرار صحف معارضة رئيسة فى الصدور إلى تغاضى " المؤسسات القومية " عن المطالبة بالديون المتراكمة على تلك الصحف ثمناً للطباعة و لغير ذلك من الخدمات التقنية و التسويقية التى تتولاها تلك المؤسسات ، ومن غير المتوقع فى الأجل المنظور تحدى الوضع شبه الإحتكارى هذا ؛ ذلك أن الإهتمام جمهورى القراء بالصحافة الحزبية سرعان ما انحسر مع إنكشاف الحدود الحقيقية لتلك التعددية و الهبوط المستمر لسقف المعارضة .
أما الصحف الجديدة المسماة بـ " المستقلة " فلا تزال محدودة وإن انتهى أمرها الآن إلى مزاحمة الصحف الحزبية المنهمكة لا إلى الظهور بديلاً للصحف " القومية " و تتضح تلك الحقيقة من الهجرة الملحوظة لكتاب و صحفيى المعارضة إلى العمل و النشر فى الصحف " القومية " وذلك على عكس ما كانت عليه الحال فى السنوات العشرة الأولى التالية لإصدار أولى الصحف الحزبية (11)
وتكمن سلطة الرقابة الذاتية فى طبيعة علاقة " الصحافة القومية " بالدولة و المجتمع ، وفى بناء السلطة وآليات السيطرة داخل هذه الصحف ذاتها .
فالقيادات الصحفية ( وتحديداً رؤساء مجالس الإدارة و التحرير ) تدين باختيارها و بالاستمرار فى مناصبها لرئيس الدولة وهو نفسه رئيس الحزب الحاكم " الوطنى الديمقراطى " الذى يسيطر على الأغليبة المطلقة فى مجلس الشورى . وتتمتع القيادات الصحفية بدورها بسلطات شبه مطلقة فى الإدارة و علاقات العمل ، فضلاً عما تجنبه من امتيازات خاصة تجعل جزءاً من بناء السلطة السياسية و النخبية الإجتماعية المهنية .
ولأن إشراف و ملكية الدولة على الصحافة بدأ فى زمن " المشروع الناصرى " فإن الوظيفة التعبوية و الطابع الشمولى قد أصبحا خالصين لخدمة مكانة رئيس الدولة و رجال الحكم النافذين ودفاعاً عن السياسات الرسمية . هكذا سارت الأمور بعد أن أنحسرت الأطر الإيدلوجية الجامعة على غرار " "تحالف قوى الشعب العامل " و " مشروع وطنى للنهضة و غير ذلك . وتبدو هيمنة السلطة السياسية و سطوتها غاية فى المباشرة و الوضوح ، رغم ما تتخذه علاقة الدولة بالصحافة " القومية " من سيطرة مموهة ( إذ بمقتضى نص القانون تملك الدولة هذه الصحف ملكية " خاصة " ويمارس حقوق الملكية عليها مجلس الشورى ، وترشح اللجنة العامة بمجلس الشورى القيادات الصحفية قبل التصديق على تعيينها ، كما أن الغالبية فى مجالس إدارة الصحف و جمعياتها العمومية للمعينين لا المنتخبين)
هكذا تقبض الدولة على سلطة شبه مطلقة فى تقرير مصير القيادات الصحفية ، بينما يحق لهذه القيادات بدورها ممارسة سلطات مماثلة داخل صحفها و مؤسساتها ما أخلصت لمصدر شرعية مناصبها فى الوقت نفسه فإن أبنية و ثقافة السلطة داخل الصحف تتكفل بدورها بإنتاج و ترسيخ قيم الولاء الشخصى و النفعى المغلقة بالقداسة الأبوية ، وهى القيم عينها التى ترفرف على علاقة القيادات الصحفية برئيس الدولة و رجالها النافذين (12)
وتتعزز بنية القمع فى الفضاء الصحفى على ضوء التحولات المجتمعية السياسية ، إذ أصبحت القيادات الصحفية تختلف تكويناً ورؤية و ممارسة عن جيل الأساتذة محمد حسنين هيكل و إحسان عبد القدوس و مصطفى و على أمين و غيرهم .
فقد نشأ الجيل السابق الذى تولى مسؤولية الصحف فى بيئة تعددية ليبرالية قبل احتكار الدولة للصحافة و السياسية ، وكانت علاقته برأس الدولة ( أى بالرئيسين عبد الناصر فالسادات ) تسمح بمساحة من التفاعل و الحوار أرحب مما أنتهت إليه الأمور فيما بعد وربما كان هامش الحوار و التفاعل الذى بات مفقوداً الآن _ أحد أوجه العلاقة المركبة بين الجناحين المدنى و العسكرى للنخبة الشابة المصرية الطامحة إلى تغيير مصر منذ أواخر الأربعينيات و الباحثة عن طريق جديد ، هى العلاقة التى كانت تتذبذب صعوداً و هبوطاً بين الصدام العنيف و الحوار الحميم ، ولم تسلم خلالها إلا فيما ندر قيادة صحيفة أو كانت مرموقة من الاعتقال أو المنع أو النقل من عمله رغم أنه كان أو عاد محاوراً حميماً للرئيس أما جيل القيادات الصحفية الحالية الذي أكتسب خبراته المهنية و تقاليده الإدارية فى إطار مؤسسات و ثقافة تعبوية شمولية ، فإنه ينعم بإستقرار غير مسبوق فى مواقعة و علاقة بالسلطة ، لكنه يفتقر إلى ما توفر لسابقة من فرص التفاعل و الحوار مع رأس الدولة بل و من الطموح و البحث لتغيير البلاد .
وأما شباب الكتاب و الصحفيين فقد أدركوا أبعاد و عواقب الوعود بالديمقراطية و التعددية السياسية تلك الوعود التى تواترت هباء منذ هزيمة 1967 وخلال الانفتاح الإقتصادى اللاحق و ما بعده .
فى مثل هذه البنية المهيمنة على "الصحافة القومية " و الممتدة إلى الهوامش المحدودة المحيطة بها (بما فى ذلك الصحف الحزبية و الجديدة العاجزة عن طرح قيم و ممارسات مختلفة ) ، يصعب أن تتسرب إلى القراء انتقادات موجهة إلى رئيس الدولة أو رجالها النافذين أو إلى جوهر سياساتها .
هذا بينما تتمتع الحكومة و أعضاؤها بحصانة مبالغ فيها مع صحافة يقودها " أهل البيت " ..
إلا إذا قال رئيس الدولة الوزراء فيصبحون عندئذ عرضة للإنتقاد ، أو إذا شهدت الحكومة صراعاً داخلياً شاء أحد أطرافه أو جميعها زج الصحافة و الرأى العام فيه ! ، و بصفة عامة فإن أولويات الصحافة تتحدد بما يعزز طابع هذه البنية و يضمن رسوخ المواقع والمقاعد المستقرة لقياداتها .
ولذا تنحو الصحف " القومية " و اليومية الكبرى على نحو خاص ، إلى تكريس " بروتوكول سلطوى" مماثل لنشرات الإذاعة و التليفزيون الرسميين ولو جاء ذلك التكريس مكرراً و معاداً على حساب الإعتبارات الصحفية المهنية و اهتمامات القراء الحقيقية .
أما أستقلال الصحافة و الصحفيين فلا يبقى منها إلا النصوص المعطلة و العاجزة و المجاملة فى الدستور و القوانين و الخطاب السياسى .
وعلى هذه الإستقلالية المفترضة أن تصمد بمعجزة أمام عشرات الممارسات المقوضة لها .
ولا يجد قادة المؤسسات الصحفية حرجاً فى إعلان مبايعة رئيس الدولة بلغة الإجماع التام ( نيابة عن كافة الصحفيين و العاملين ) . ويجد مئات الصحفيين و عشرات الكتاب و المفكرين اللامعيين أنفسهم يمرون بهذا النوع من إدماجهم فى عمليات " المبايعة الإجماعية " دون قدرة منهم على الاعتراض أو التحفظ على الإهانات التى لحقت باستقلاليتهم وباستقلالية الصحافة ذاتها (13)
قد يتجرأ صحفى أو نفر من الكتاب بين حين وآخر على انتقاد تأثير هذه البنية السلطوية الشمولية وتفاعلاتها السلبية على قضايا من قبيل : المخاطر التى تهدد حرية الرأى و تداول المعلومات فى ظل تأثير الإعلانات ، أو نفوذ رجال الأعمال المتزايدة ،أو " مراعاة خواطر " قادة و حكومات الدولة الشقيقة و الصديقة .
وفى كل مرة يثور فيها انتقاد من هذا القبيل فإنه ينتهى إلى لا شئ ، وسرعان ما يسود صمت القبور. وفى هذا الوقت تتوافر الشكوك و الشواهد على خطورة امتداد الرقابة الذاتية بفعل البنية السلطوية المهيمنة وتداخلها مع تداعيات اقتصاد السوق كى تحجب المعلومات و تقمع الآراء لسنوات فى قضايا تخص المواطنين مباشرة ، فلم يعد خافياً على أحد استخدام الصحافة فى تضليل المواطنين سنوات طويلة فى قضايا من نوع توظيف الأموال ، وأحوال المصريين العاملين فى العراق و دول الخليج .
وواقع الأمر أن الشكوك و الشواهد على دور الرقابة الذاتية فى مثل هذه القضايا و غيرها يشمل صحفاً حزبية أيضاً (14)
لا شك فى أن " الصحافة القومية " تشهد نوعاً من الانفتاح المحدود عندما يتسع هامش حرية الرأى فيها أمام كتاب و صحفيين متميزين من اتجاهات شتى يتحلون بقدر من الجرأة و المصدقية .
وقد يكون بإمكان كتابات أولئك الصحفيين أن تتجاوز " المحظورات " لكنها لا تخترق " المحرمات " وقد يجرى منع مقالات دفعوا بها إلى النشر ، لسبب أو لآخر .
ولمثل هذا الإنفتاح وجه آخر ، لآن الممارسة " المشخصنة " لحرية التعبير تطفو فوق تراتبية رقابية تتحدد مراتبها و فق مكانة الكاتب و الصحفى و نفوذهما .
ولايتجاوز الكتاب الكبار ممن يمتلكون الجرأة و الاستعداد للإستفادة من هامش الحرية الإستثنائية عدد أصابع اليد الواحدة فى كل صحيفة " قومية " وتظل بنية الهيمنة السلطوية و الرقابة الذاتية تدفع بالغالبية الساحقة إلى أشكال من " الكتابة الهامشية " و النمطية المقولبة .
وهكذا تنتقل آليات الرقابة الذاتية إلى المبادرة الشخصية قبل فعل التفكير و الكتابة ذاته ، وقبل أن يبلغ النص المحرر أصلاً إلى من يملك سلطة إجازة النشر و التصريح.
وهكذا يجد الصحفيون أنفسهم ينزعون من تلقاء نفسهم إلى اعتياد تجنب الموضوعات الأكثر حيوية و الأكثر إثارة للجدل أو تلك التى يرجح أن تغضب أصحاب السلطة و ممولى الإعلانات ، وكذلك تجنب الموضوعات التى تهدد علاقات رؤسائهم بالنخبة السياسية و المالية المؤثرة .
وينخرط آخرون فى التحول إلى " ماكينات دعاية " لمصادر الأنباء من رجال الحكومة أو الأعمال ، و بالتوافق عادة مع مسؤولى الصحيفة .
وربما يبذل نفر من الصحفيين جهداً خارقاً لتمرير كتابات " مبهمة " بافتراض أو رؤساءهم وزملاءهم ممن يجيزون النشر أكثر ذكاء و فطنة من " الرقيب الرسمى التقليدى " المتصور فى مخيلتهم ، وأنهم من ثم سيسمحون بنشرها .
وعلاوة على كل ذلك ، فهناك قائمة " المحرمات المقدسة "( التابوهات السياسية و الدينية و الجنسية ) التى يتعين على الكتاب و الصحفيين المصريين إيثار للسلامة أن يتجنبوها .
إلا أن المتاعب قد تلاحقهم جراء " محظورات " تتبدل خرائطها و مواقع ألغامها الخفية بين وقت وآخر .
فالتعرض بالنقد لدولة شقيقة أو صديقة أو لرجل أعمال ، أو لمسؤول أو شركة ما ، قد يكون مباحاً فى أوقات و محظوراً فى أخرى ، ولأسباب لا يعرفها ولا يقدرها إلا رئيس التحرير وأقرب معاونية. وعادة انتهاك تعليمات حظر النشر الظاهرة والخفية و الإضرار بمصالح رئيس التحرير إصدار أو عمداً ، يقودان إلى مالا تحمد عقباه ، ولا تتوافر تقاليد أو أطر تنظيمية جادة تضمن الدفاع الجماعى عن حق متابعة الكتابة و النشر .
ومن شأن التمرد والأخطاء الصادرة عن الهامش المتاح لحرية الصحافة خارج احتكار الدولة أن تستدعى إجراءات وردود أفعال فظة وترويعية كفيلة بردع تنامى محاولات " الخروج عن النص " كما ورد بشأن ظاهرتى السجن و الإغلاق .
ولعل الأكثر بؤساً أن يجرى الترويج لحرية الصحافة بوصفها منحة كريمة تفضلت بها سلطة فى الدولة أو الصحيفة نفسها .
وذلك أن مغزى هذا ، ببساطة ، وهو أن المنحة قابلة للإسترداد ، وأن حدوث الأسوأ يظل هاجساً مقيماً .
كارم يحيى
صحفى فى الأهرام متخصص فى الشؤون الإسرائيلية . أحد المسهمين فى موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية
لعبد الوهاب المسيري
عن مجلة الاداب اللبنانية العدد 11/12 نوفمير 2002 السنة 50
|
|