NO

www.lamalef.net
  

لام الف دوت نت

 

تاريخ مصر
فى قلب الارشيف الامريكى

خالد منصور
الحلقة (2) حرب 1967
الحلقة الأولي || الحلقة الثانية || الحلقة الثالثة
    اغلاق مضيق العقبة .. لماذا ؟
    هناك عدة تحولات رئيسية فى العقد الفاصل بين حرب 1956 وحرب 1967.
    فى هذا السنوات توالت التحديات المباشرة للمصالح الامريكية والرأسمالية فى المنطقة، فقد بدأت الشروخ تظهر فى صيغة الاستقرار والتعايش الهشة فى لبنان، وسقط العرش الهاشمى فى العراق وبالتالى انهارت ترتيبات امنية كان الغرب يرتكن عليها لضمان استقرار الانظمة الموالية فى المنطقة ولمنع السوفييت من دخول المنطقة الغنية بالنفط، ودخلت موسكو عدة عواصم مؤثرة ابرزها القاهرة وبغداد تمدهم بالسلاح والدعم السياسى فى المحافل الدولية والمعونات الاقتصادية، وحاول الثوريون الجدد فى العراق غزو امارة الكويت وضمها، ودور مصر فى قلب نظام الامامة الرجعى المتهالك فى اليمن فى مواجهة رد فعل سعودى/امريكى عنيف.
    وعلى هذه الخلفية ومن نتاج هذه التقلبات يمكن الان ان ننظر الى الشهر السابق على حرب يونيو 1967.

    لقد وقعت ثلاث تحولات رئيسية لتتصاعد الاحداث وصولا الى الحرب:

    اولا: فى نهاية شهر ابريل وبدايات شهر مايو تواترت تقارير عن حشد اسرائيل
    قواتها على حدود سوريا من اجل ضربها، ودفع هذا المنعطف الى التصعيد من جانب مصر تكرارا لما قامت به فى ازمة يناير - مارس 1960 عندما حشدت قواتها
    على الحدود مع اسرائيل لتخفيف الضغط على الجبهة السورية، وبغض النظر عن صحة هذه التقارير روسية المنشأ
    (على سبيل المثال الفريق فوزى قام بطلعة جوية فوق الحدود السورية ولم يلاحظ أى استعدادات اسرائيلية غير عادية)
    فقد تعامل معها الجميع بجدية وتدافعت الاحداث الى درجة صارت معه الحشود الاسرائيلية فى حد ذاتها امرا غير مهم.
    ثانيا: قرار الرئيس جمال عبد الناصر اغلاق خليج العقبة فى وجه الملاحة الاسرائيلية.
    ثالثا: قرار اسرائيل شن حرب هجومية على العرب.
    وفى هذه المقالة سنركز على المنعطف الثانى.
    لقد بدأ العد التنازلى لحرب الخامس من يونيو 1967 فى يوم 23 مايو 1967.
    فى هذا الصباح دوت اذاعة القاهرة باعلان اغلاق مضايق تيران المؤدية الى خليج العقبة امام الملاحة الاسرائيلية، ويعنى الاعلان خنق موارد اسرائيل من السلاح والنفط.
    الان يتعين على السفن التى تحمل النفط لاسرائيل من ايران - التى تزودها بقرابة سبعين فى المائة من احتياجاتها
    - ان تلف حول رأس الرجاء الصالح لانها فى نفس الوقت ممنوعة من العبور فى قناة السويس المصرية.
    لم يفاجأ الاعلان الامريكيين او حلفائهم الاقليميين فى اسرائيل حيث كانوا يخططون طوال الاربعة والعشرين ساعة السابقة على البث الاذاعى فى كيفية التصرف ورد الفعل.
    لقد اعلن القرار للمرة الاولى فى اجتماع عقده الرئيس عبد الناصر فى مطار ابو صوير فى سيناء يوم 22 مايو حيث توجه على متن طائرة عسكرية الى القاعدة
    وهناك استقبله المشير عبد الحكيم عامر وقادة الاسلحة المختلفة وفى استراحة
    المطار امام عدد من الطيارين اعلن غلق الخليج العقبة فى وجه أى سفن تنقل بضائع استراتيجية لاسرائيل.
    لم يكن القرار سهلا واتخذ بعد جدل شديد فى اعلى دوائر صنع القرار المصرية
    غير ان الاختلاف فى وجهات النظر حول توقيت ومغزى اتخاذ القرار كان ورائها
    اتفاقا على ان القرار يعنى اعلان الحرب على اسرائيل ومنح الدولة العبرية ذريعة كانت تنتظرها منذ وقت (يمكن مراجعة وقائع الاجتماع الحاسم الذى عقده عبد الناصر وساهم فى اتخاذ هذا القرار فى كتاب هيكل "حرب الثلاثين عاما:
    الانفجار 1967" ص. 514-517).
    كيف نظرت الولايات المتحدة الى هذا القرار وتعاملت معه؟

    ننتقل الى المستندات

    (1)
    المستند الاول
    رسالة من مساعد وزير الخارجية لشؤون الامن القومى يوجين روستو (وكان شقيق والت روستو مستشار الامن القومى فى البيت الابيض) موجهة الى سفراء الولايات المتحدة فى تل ابيب للتصرف، والى سفراء امريكا فى مصر وموسكو وبعثة الامم المتحدة للعلم. الوثيقة تحمل رقم 199741 فى الارشيف الامريكى ملف "سياسى - عرب - اسرائيل" وارسلت الساعة الثانية والربع صباحا يوم الثالث والعشرين من مايو.
    روستو يتحدث فى الرسالة عن مقابلة مع ايفرون الوزير المفوض فى السفارة الاسرائيلية فى واشنطن "عقب ان تلقينا بيان ناصر حول اغلاق خليج العقبة" واكد روستو فى الاجتماع لايفرون ما يلى : "

    (1) تم رفع مطالب اسرائيل الاقتصادية والعسكرية الى الرئيس <ليندون جونسون ويمكن توقع رد فعل سريع،
    (2) قرر الرئيس <جونسون ان يتفادى كل التصريحات العلنية بشان الموقف فى الشرق الاوسط ،
    (3) ارسل الرئيس رسائل شخصية الى الرئيس ناصر ورئيس الوزراء <الاسرائيلى ليفى اشكول ورئيس الدولة السورى <نور الدين الاتاسى يناشدهم صون السلام،
    (4) ارسلت الحكومة الامريكية تحذيرا الى كل الحكومات العربية والاتحاد السوفيتى تجعل فيه من الواضح موقف امريكا من
    -أ- ان تسلل الارهابيين يعد انتهاكا لاتفاق الهدنة العام ،
    -ب- ان هناك حاجة الى تقليل مستويات حشد القوات العسكرية،
    - ج - ضمان حق العبور الحر فى خليج العقبة.
    " هذه وثيقة مهمة.
    واهم نقطة هى ان مطالب اسرائيل بالحصول على مزيد من الاسلحة والدعم الاقتصادى نالت الضوء الاخضر الامريكى عقب اغلاق الخليج وبدا ان قرار الرئيس ليندون جونسون الاستراتيجى من قبل "باطلاق اسرائيل من عقالها لمهاجمة حلفاء الاتحاد السوفيتى فى الشرق الاوسط" بدأ يتبلور فى خيارات فعلية.
    وفى ليلة 22 مايو وقبل ان يصدر الرئيس جونسون رد فعل علنيا صدر قرار امريكى بنقل الاسطول السادس الى شرق المتوسط وضمنه حاملتا الطائرات امريكا وساراتوجا.
    علينا ان ننظر الى كل الحروب العربية الاسرائيلية فى الواقع بعدسات الحرب الباردة اذا اردنا ان نفهم جزء لا يستهان به من عقلية صانعى السياسة الخارجية الامريكية فى تلك الفترة الحرجة.
    فبرغم ان العلاقات الاسرائيلية الامريكية فى الستينات استندت فى جانب منها الى النفوذ الامريكى/اليهودى الموالى لاسرائيلى ، غير ان جزء اخر من دعامة هذه العلاقات يعود الى ان اسرائيل كانت احد اصابع امريكا فى الستينات فى حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتى وحلفائه.
    وقد رفض العرب لعب هذا الدور وفضلوا تحالفا باردا مع السوفييت.
    وفى نفس الوثيقة يشير روستو الى اجتماع عقده مع السفير المصرى مصطفى كامل فى واشنطن انذاك.
    ووفقا للمستند قال كامل انه يمكن وقف التدهور فى الموقف عن طريق جهود دبلوماسية مخلصة.
    ولكن الة الحرب كانت فيما يبدو قد بدات فى الدوران خاصة مع تصاعد الضغط الامريكى / اليهودى من اجل موقف حاسم.
    وقضى جونسون صباح يوم 23 مايو على الهاتف يتحدث مع زعماء المنظمات اليهودية الكبرى .
    وكان قد بدأ يومه نحو الثامنة صباحا باجتماع على الهاتف مع وزير خارجيته راسك ثم تحدث فى الساعة التالية مع مندوبه فى الامم المتحدة جولدبرج ورئيس جهاز المخابرات السى أى ايه ريتشارد هيلمز ومستشاره للامن القومى والت روستو
    (وهو شقيق مساعد وزير الخارجية لشؤون الامن القومى يوجين روستو والاثنان يهوديان مؤيدان لاسرائيل).
    وفى الساعة 11ر6 مساء بتوقيت واشنطن خرج جونسون امام شاشات التلفزيون ليصدر بيانا حاد اللهجة جاء فيه ان قرار مصر اغلاق خليج العقبة لا يتمتع باى شرعية قانونية "ويهدد السلام.
    ودعا الى تدخل الامم المتحدة.

    (2)
    ونعود الى صباح نفس اليوم وبالتحديد فى الساعة 36ر2 صباحا ارسل مساعد وزير الخارجية روستو مذكرة الى مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى لوشيوس باتل والى سفيرى الولايات المتحدة فى موسكو والقاهرة.
    (كان باتل حتى شهر مارس سفيرا لبلاده فى القاهرة وعلى علاقة طيبة بعبد الناصر ولم يكن من بين كبار مؤيدى اسرائيل فى الادارة الامريكية امثال الاخوين روستو والسفير الامريكى فى الامم المتحدة جولدبرج وكلهم من الصهاينة المؤيدين لقيام وحماية دولة اسرائيل).
    وروستو كان يرى - وفقا للمستند الذى يحمل رقم 199745 فى الارشيف الوطنى الامريكى
    - ان عبد الناصر اتخذ قرارى سحب قوات الطوارىء من سيناء واغلاق خليج العقبة امام الملاحة الاسرائيلية
    - فى الاغلب - وهو لا يعتزم الحرب بل للتمويه سياسيا من اجل تحقيق عدة اهداف او بعضها وهى:

    " 1 - دعم هيبة عبد الناصر فى العالم العربى عن طريق ان يطلب من دول عربية معينة ان تحذو حذوه فى تحدى اسرائيل.
    2 - يقلل من تدهور نفوذ ناصر فى المجتمع الدولى وخاصة وسط دول عدم الانحياز.
    3 - يظهر للولايات المتحدة انه قادر على ايذاء مصالحها وانه ما زال قوة يعتد بها على امل ان مثل هذا الادراك سيؤدى الى زيادة المساعدات الامريكية لمصر."

    والنقطة الاولى هنا مهمة وصحيحة الى حد كبير اذ ان الانظمة الملكية المتحالفة مع الولايات المتحدة مثل السعودية والاردن من ناحية والانظمة الثورية المتشددة من ناحية اخرى مثل سوريا كانت كلها تزايد على مصر وتتحداها ان تثبت قدرتها على مواجهة العدو الاسرائيلى.
    ورغم ان أى من هذه الدول لم تكن لديه القدرة ولا الرغبة فيما يبدو وفقا لمعظم المستندات التاريخية على الدخول فى حرب مع اسرائيل الا ان تعارض مصالحهم مع النظام الناصرى جعل من المسوغ لهم المبالغة فى تهييج الراى العام فى قضايا هم لا يناصرونها فى حقيقة الامر.

    (3)
    وواصل الاردنيون تهييج الراى العام ضد ناصر واتهامه بالتقاعس عن المواجهة مع اسرائيل حتى ادركوا ان هذا الموقف قد يؤذيهم واوقفوا الحملات فى الاسبوع الاخير من شهر مايو بعد طلب مباشر من واشنطن.
    المستند رقم 198923 برقية خاصة مرسلة من قسم الشرق الادنى بوزارة الخارجية الى السفارة فى عمان بتاريخ 20 مايو تقول بالنص:

    "اسرائيل ابلغتنا ان راديو رام الله الاردنى فى نشرة اخبار الظهيرة اليوم وفى التعليق الاخبارى هاجم القاهرة وتحدى المصريين ان يظهروا جديتهم عن طريق اغلاق خليج العقبة.
    اذا كان هذا التقرير صحيحا يجب ان تؤكدوا لرئيس الوزراء جمعة والاخرين كما ترون مناسبا ان هذا التحريض والخط الخطير يمكن ان يؤدى الى تدهور الاوضاع ليتحول الامر الى هولوكوست وفى مثل الموقف المتفجر الراهن فان مثل هذه الانشطة فى مؤسسات المملكة الاردنية تتصف بالرعونة ويجب ايقافها."

    المستند رقم 021670 برقية مرسلة من السفير الامريكى فى عمان بيرنز الى وزارة الخارجية بتاريخ 21 مايو يقول فيها: "ابلغنى رئيس الوزراء جمعة انه عقب حديثى معه بالامس فقد استدعى وزير الاعلام فى وقت مبكر صباح اليوم وابلغه انه يتعين على الصحافة والاذاعة الاردنية من الان فصاعدا الامتناع عن حث ناصر على شن اعمال عسكرية ضد اسرائيل او اغلاق خليج العقبة."
    ودعونا ننظر هنا الى مستند رقم 023277 فى الارشيف القومى وهو برقية سرية مرسلة من السفير الامريكى فى عمان الى وزارة الخارجية يوم 23 مايو الساعة 07ر7 صباحا (أى بعد مذكرة روستو اعلاه بحوالى اربع ساعات ونصف).
    وتفيد الصفحة الثالثة من المذكرة ان الاردن توقف عن
    "دفع ناصر الى مهاجمة اسرائيل واغلاق خليج العقبة …
    بسبب رغبة الاردن فى عدم اثارة غضب ناصر فى الوقت الحالى."

    ونعود هنا الى النقطة الاولى فى رسالة روستو وهى خوف الاردنيين من زيادة هيبة ناصر ومن ارتداد سهم المزايدة الى نحرهم. ووفقا لنفس الوثيقة فانه "من حصيلة الحوارات التى اجراها السفير <الامريكى وبعض افراد السفارة مع مسؤولين اردنيين رفيعى المستوى نشعر ان حكومة الاردن بدات تشعر بضرورة ان تتخذ خطوات تبدو، على الاقل ظاهريا، هادفة الى انهاء عزلتها والانضمام الى صفوف الدول العربية الاخرى وخاصة مصر ..
    ويعتقد المسؤولون الاردنيون ان هيبة ناصر استعيدت بصورة درامية" بسبب تطورات الاحداث فى الايام الاخيرة.
    ويبدو من هذه الوثيقة ان المسؤولين الاردنيين كانوا متفقين تماما مع نظرائهم الامريكيين فى تحليل الموقف فيما يخص دوافع عبد الناصر الشخصية المزعومة.
    ولكنهم ايضا يثبتون انهم كانوا قلقين من تطورات الموقف ومجبرين رغما عن انفهم فى الدخول فى حرب دعت اليها اجهزة اعلامهم وتحاشتها جيوشهم طوال الوقت.
    انتاب القلق حكومة الاردن بشدة فى الواقع لان ثلثى الشعب الاردنى ليسوا الا فلسطينى الهوية والانتماء والمملكة الاردنية الهاشمية رغم مرور قرابة اربعين عاما على انشائها انذاك كانت - وربما ما زالت - دولة ضعيفة لا تحمل مقومات الامة. المسؤولون الاردنيون قالوا للسفير الامريكى انذاك انهم لا يستطيعون تحمل ضغط اكثر وان صورتهم فى العالم العربى كحليف للولايات المتحدة صار ثمنها ابهظ مما يمكن تحمله. ومن هذه الخطوات مثلا وفقا للمستند الامريكى
    "ان يقبل الاردن استضافة قوات عربية …
    مع ضمان ان تكون هذه القوات سعودية او عراقية .. وليست مصرية او فلسطينية
    .." وفى كل الاحوال كان هدف الاردن تفادى الحرب.
    تقول الوثيقة انه لا يوجد
    ادنى شك فى "رغبة القيادة الاردنية تفادى التورط فى اعمال عدائية.
    " وكان خوف المسؤولين الاردنيين من ناصر واضحا للغاية فى هذا المستند حيث يعتقدون "ان عبد الناصر ينوى القضاء على الاردن ولذا فانه كلما زادت عزلة الاردن عن التيار العربى العريض يصير النظام الاردنى هدفا اسهلا." هل كان الاردنيون يطلعون الامريكيين على كل معلوماتهم بشان النوايا المصرية والسورية؟
    من الصعب ان نرد بالنفى.
    المستند رقم 021478 من محفوظات الارشيف القومى الامريكى عبارة عن برقية مرسلة من السفارة الامريكية فى عمان الى وزارة الخارجية بتاريخ 20 مايو 1967 وجاء فيها:
    "رئيس الاركان الجنرال عامر خماش سيتوجه الى القاهرة غدا من اجل مشاورات مع القيادة العربية المشتركة. هذه المعلومات جاءت من رئيس الوزراء جمعة الذى شدد على ان الرحلة ستكون علنية وتستهدف غرضين
    (أ) ان نظهر للعامة فى الاردن ان الاردن يتعامل مع الازمة الراهة بجدية و
    (ب) ان نعرف ما تسعى له ج ع م و والسوريين."
    فى المستند 021472 - برقية مرسلة من السفير الامريكى فى عمان للوزارة - يقول السفير بيرنز انه كان متوجها للقاء رئيس الوزراء الاردنى وبعد ان دخل مكتبه وجد عنده الملك حسين ونائب القائد العام للجيش الجنرال الشريف ناصر
    ورئيس الاركان خماش.

    ما هى حصيلة الاجتماع وفقا للوثيقة المرسلة بتاريخ 20 مايو؟
    "الاردنيون قلقون من أى انفجار للاعمال العسكرية سيؤدى حتما الى تورطهم فيها وهم لا يرغبون فى المشاركة فى أى اعمال عسكرية …. وابلغنى الملك انه قرر عدم تنظيم عرض عسكرى فى مطار القدس" حتى لا يستفز الاسرائيليين فى القدس الغربية فيما يبدو. والقلق الاردنى الاشد هو ان يطلب عبد الناصر مساعدتهم اذا قرر اغلاق خليج العقبة ويحاول وضع قوات مصرية فى ميناء العقبة الاردنى. اوضح الاردنيون للسفير الامريكى انهم لا يريدون قوات مصرية فى بلادهم وسيحاولون تفادى مثل هذا الوضع.

    (4)
    ونعود الى مذكرة روستو التى يحلل فيها قرار اغلاق خليج العقبة حيث يقول بالنص فى الصفحة الثانية:
    "ان اغلاق المضيق ... يجعل خطر نشوب الحرب اكبر بكثير مما كنا نتوقعه … ويثور التساؤل حول ما اذا كان عبد الناصر قد صار اكثر طيشا عن المعتاد او انه اكثر اطمئنانا الى الدعم الروسى" وبعد ذلك بفقرة يقول: "ان اعلان ناصر غلق خليج العقبة يضيف ابعادا جديدة وشديدة الخطورة الى موقف متوتر بالفعل فى الشرق الاوسط. فالخليج مياه دولية وسفن كل الدول يحق لها العبور فيه. أى اجراء يستهدف حرمان هذه السفن من حق العبور الحر سيجلب عواقب مأساوية." هل كان عبد الناصر يدرك ان قرار اغلاق خليج العقبة سيؤدى الى هذه العواقب المأساوية؟ هيكل يقول لنا ان عبد الناصر كان يعتقد يوم 21 مايو ان قرار اغلاق مضايق تيران سيرفع نسبة الحرب من 25 فى المائة الى خمسين فى المائة.

    (5)
    ولكن يبدو ان ناصر كان متواضعا فى التقدير حيث زادت النسبة فى الحقيقة الى مائة فى المائة.
    لننظر الى المستند رقم 023452 فى محفوظات الارشيف القومى الامريكى ويحمل اصل برقية ارسلها السفير الامريكى فى القاهرة نولتى الى وزارة الخارجية وتضم فحوى اجتماع عقده مع وزير الخارجية المصرى محمود رياض ظهر هذا اليوم بتوقيت القاهرة لتقديم اوراق اعتماده. يقول نولتى :
    "لقد شددت على ان حكومة الجمهورية العربية المتحدة يجب ان تفهم تماما ان الحكومة الامريكية سوف تقوم بكل جهد ممكن من اجل تفادى الحرب وايقافها اذا اندلعت واننا نحث على ضبط النفس مع اسرائيل ولكن مسالة حرية العبور فى خليج العقبة مسالة ذات اهمية بعيدة المدى واى انتهاك لهذه الحرية سيكون ذا عواقب وخيمة وفى وجهة النظر الامريكية سيمثل عملا عدوانيا."
    امريكا تهدد ان اغلاق خليج العقبة يعد بداية للحرب. ففى نفس الاجتماع قال نولتى ان الولايات المتحدة تعهدت على مدى الادارات الاربعة السابقة بانها ملتزمة "بالعمل من اجل دعم أى اجراءات لمواجهة الاعمال العدائية العلنية او السرية فى الشرق الادنى." ثم يضيف نولتى فى نفس البرقية: "وزير الخارجية رياض قال ان ج ع م ستوقف أى سفن اسرائيلية وتصادر الشحنات الاستراتيجية من كل الناقلات الاخرى وان ج ع م لن تقوم باى اعمال عدائية ولكنها ستدافع عن نفسها بحزم ضد أى هجوم . واستخلصنا من هذا ان الولايات المتحدة فى حالة مواجهة مباشرة مع ج ع م ."
    كان توقيت البرقية التاسعة وثمان واربعين دقيقة صباح يوم 23 مايو.

    (6)
    الولايات المتحدة كانت بوضوح ضد قرار اغلاق خليج العقبة. واعتقدت انه عمل عدائى يصلح مسوغا لاسرائيل للهجوم على مصر. ولكن واشنطن لم تقم باى دور نشط من اجل التوصل الى مخرج من هذه الورطة سوى مطالبة مصر بالتراجع. وكان من المستحيل على القاهرة ان تتراجع دون ثمن تبرر به هذا التراجع: ثمن تدفعه للشعب المصرى الذى تمت تعبئته وتحمل كثيرا ماديا ومعنويا فى المواجهة مع اسرائيل، وثمن تدفعه للشعب العربى الذى تعلقت انظاره باجهزة الراديو المضبوطة على محطات القاهرة، وثمن تدفعه لتفادى السخرية الحادة والتحقير المتوقع من السعودية والاردن، وثمن تدفعه لدول عدم الانحياز والعالم الثالث التى احتشدت خلف مصر. ولم تقدم امريكا او الاتحاد السوفيتى مثل هذا الثمن وبات محتوما على مصر ان تواجه تبعات قرارها .
    لقد تغيرت دينامية المواجهة تماما بعد قرار اغلاق خليج العقبة.
    صار التراجع مستحيلا واصبحت كل الطرق تؤدى الى الحرب.

    فلماذا لم يبدأ عبد الناصر الحرب اذن وترك زمام المبادرة فى يد اسرائيل؟
    هل هو خطأ فى التقدير؟
    خطأ فى الاستراتيجية العسكرية؟
    نقص فى المعلومات؟
    سنحاول الرد على بعض هذه الاسئلة وغيرها فى مقالة قادمة.

    الحلقة الأولي || الحلقة الثانية || الحلقة الثالثة
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه