NO

www.lamalef.net
  

لام الف دوت نت

 

لماذا خاضت مصر الحرب ؟

    خالد منصور
    الحلقة (3) حرب 1967
    الحلقة الأولي || الحلقة الثانية || الحلقة الثالثة


    ما زال قرار جمال عبد الناصر اغلاق خليج العقبة فى 22 مايو 1967 يحير المؤرخين.
    هذا القرار، فى اعتقادى كان بداية العد التنازلى والقفزة نحو هاوية الحرب، وباتخاذه صار تتابع الاحداث اقوى من عبد الناصر فجرفه التيار هو وعدد من المستشارين غير الاكفاء حتى وقعت الحرب عليهم كالصاعقة وهم ينظرون. ياللاسف والمصيبة لكل الاجيال التالية.
    ولكن السنا الان نتسلح بالارشيف الامريكى وعشرات الكتب التى صدرت عن حرب 1967 لنحاكم عبد الناصر ومستشاريه؟
    السنا الان نلعب هذا الدور الاحمق بمحاكمة الماضى معتمدين على معلومات لم تتوفر لنا سوى فى الحاضر؟
    هناك بعض الخطر من الانزلاق فى هذا المنحدر العبثى ولذا فان السياق التاريخى للاحداث وما توفر من المعلومات لصانعى القرار المصرى يجب ان تكون فى بؤرة الانتباه باستمرار لتفادى خطأ وقع فيه الكثيرون.
    علينا بداية - توقيا لهجمات بعض من لا يقرأون كتب التاريخ بالعربية او بغيرها - ان نؤكد على ان اسرائيل، الدولة الاستعمارية التوسعية والتى ما زالت رغم انف معاهدات السلام دولة استيطانية وعنصرية، كانت ربما ستتحين فرصة اخرى للانقضاض على مصر عبد الناصر التى طالما قضت مضاجع عديدين فى واشنطن باحلامها القومية العربية ومساعدتها للقوى الثورية فى اليمن ووقوفها شوكة فى حلق ترجيح الكفة الامريكية على السوفيتية فى معركة الحرب الباردة فى ساحة الشرق الاوسط. هذا واكثر. ولكن يبقى ان عبد الناصر ومستشاروه هم من منحوا اسرائيل الفرصة وعلى طبق من ذهب.
    ليس هذا فقط بل وسلموا رؤوسنا جميعا الى اسرائيل باستفزاز مارد قبيح يتحين الفرص لاراقة الدماء دون ان تكون لديهم درجة مقبولة من الاستعداد لخوض حرب - لا هجومية ولا دفاعية - .
    هيكل، مستشار وكاتم اسرار عبد الناصر، نفسه اعلن ساعتها ان غلق مضايق تيران ومنع السفن الاسرائيلية والشحنات الاستراتيجية من التوجه الى ميناء ايلات كان قرارا رفع احتمال الحرب الى مائة فى المائة.
    ولنحاول الان رصد بعض تطورات الاحداث فى الشرق الاوسط من وجهة نظر الخارجية الامريكية عقب قرار غلق خليج العقبة.

    قررت مصر اغلاق خليج العقبة والامين العام للامم المتحدة يوثانت فى طريقه الى القاهرة فى محاولة اخيرة لنزع فتيل التوتر المتزايد بين مصر واسرائيل .
    وعلم يوثانت بالقرار وهو فى الطريق فاعرب عن دهشته قائلا ان الاعلان يجعل الحرب حتمية. ولكن مصر وحليفها الرئيسى الاتحاد السوفيتى فى الحقيقة لم يكونا يريدان الحرب رغم طنطنة اجهزة الاعلام وخاصة اذاعات الاردن وسوريا التى كانت تحرض مصر على الحرب يوميا بل وتتهمها بانها جبانة تحتمى خلف قوات طوارىء الامم المتحدة .

    ولكن مصر بمجرد غلق المضايق دخلت فى طريق ذو اتجاه واحد.

    كان لدى القاهرة بالفعل ووفقا لمكاتبات السفير نولتى لوزارته حججا قانونية تكفى لاغلاق المضايق بل وطرد القوات الدولية.
    فوفقا لاتفاق الهدنة فى عام 1949 كان يتعين على قوات الطوارىء ان تتمركز على جانبى الحدود ولكن اسرائيل رفضت السماح لها بالانتشار على اراضيها فانتشرت فقط على الجانب المصرى من الحدود.
    وعقب العدوان الثلاثى البريطانى-الفرنسى-الاسرائيلى على مصر فى عام 1956 تلقت اسرائيل وعدا وتأكيدات امريكية فى عام 1957 بانها ستتسمح لها بحرية الملاحة فى مضايق تيران وهى التأكيدات التى طالب وزير الخارجية الاسرائيلى ابا ايبان واشنطن باحترامها فى زيارته التى قام بها للولايات المتحدة فى 26 مايو عقب ثلاثة ايام من اعلان ناصر حظر مرور السفن الاسرائيلية.
    ومنذ عام 1949 لم تكن مصر تسيطر على الجانب الغربى من خليج العقبة فحسب بل على جزيرتين رئيسيتين تخلت عنهما السعودية لمصر هما صنافير وتيران اللتان تبعدان قرابة ثلاثة اميال من شرم الشيخ.
    وبعبارة اخرى كان يستحيل ان تعبر أى سفينة الخليج فى طريقها الى اسرائيل دون ان تراها القوات المصرية بالعين المجردة.
    لقد كان هناك خلاف قانونى دولى عميق حول حرية الملاحة فى مضايق تيران ولكن مصر كانت تمتلك حججا قانونية وتاريخية قوية تدعم موقفها وان لم تستغل القيادة هذه الحجج على الصعيد الدولى بما يكفى واكتفت باستعمالها - كالعادة - فى الحشد والتعبئة المحليين.

    المشكلة كما يلخصها وليام زارتمان استاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جونز هوبكنز الامريكية فى واشنطن دى سى هى انه وفى برقية عاجلة الى كل السفارات الامريكية خارج البلاد
    (الوثيقة رقم 199722 فى محفوظات الارشيف القومى الامريكى مرسلة بتاريخ 22 مايو الساعة 19ر10 مساء)
    شدد مساعد وزير الخارجية لوشيوس باتل على ان الولايات المتحدة "سنسعى من خلال الامم المتحدة والقنوات الاخرى لتحاشى الاعمال العدائية المباشرة والتى صارت احتمالا حقيقيا ووشيكا" بعد غلق الخليج.
    واوصت الخارجية "المواطنين الامريكيين بتفادى السفر الى الجمهورية لعربية المتحدة وسوريا والاردن واسرائيل وعلى المواطنينالامريكيين المجودين حاليا فى تلك البلدان ليس لديعم مل ضرورى ينحصون بالمعادرة فى اقرب فرصة.
    " هذا نداء خطير ولا بد ان الخارجية او المخابرات المصرية لاحظته انذاك.
    وخطورة مثل هذه النداءات انها تاتى عادة فى الايام القليلة المتبقية على نشوب اعمال عدائية بغية حماية المواطنين الامريكيين من الخطر.
    فى 25 مايو التقى وزير الحربية شمس بدران مع رئيس الوزراء السوفيتى اليكسى كوسيجين ووزير الخارجية اندريه جروميكو ووزير الدفاع بافيل جريشيكو فى موسكو حيث اكد ان ما فعلته القاهرة حتى ذلك الوقت سليم تماما ولكنه نصح مصر بان تنزع فتيل التوتر من اجل دعم موقفها.
    بالطبع لم يخل الموقف من تضارب سوفيتى معتاد.
    ففى مطار موسكو يوم 28 مايو حيث ودع جريشيكو بدران وعند سلم الطائرة - وفقا لبدران فى فيلم وثائقى عرضته شبكة بى بى اس التلفزيونية الامريكية فى شهر يناير ويدعى "حرب الخمسين عاما - اسرائيل والعرب" - ربت على كتفه وقال له ان على مصر ان تقف بصرامة وحزم لان السوفييت ورائها.
    وبعد ذلك بيوم واحد وقف عبد الناصر يعلن امام مجلس الامة ان بدران عاد ومعه رسالة دعم من موسكو.
    وفى 30 مايو توجه الملك حسين للقاهرة ووقع معاهدة دفاع مشتركة مع عبد الناصر تشابه المعاهدة المصرية السورية .
    وفى نفس اليوم توجه رئيس جهاز المخابرات الاسرائيلى الموساد مائير اميت الى واشنطن من اجل مزيد من الاستيضاح للموقف الامريكى.
    والتقى اميت مع مسوؤلين فى المخابرات الامريكية وفى وزارة الدفاع قبل ان يعود الى اسرائيل فى الثالث من يونيو. لم تكن الادارة الامريكية تكن سوى الدهشة والبغض للرئيس عبد الناصر فى نهاية الامر.
    وبفعل اليات داخلية تتلخص فى سيطرة متصاعدة لانصار اسرائيل على مفاتيح رئيسية فى النظام السياسى الامريكى صارت المواجهة المصرية الاسرائيلية على قلب الولايات المتحدة غير متكافئة على الاطلاق.
    وكان نولتى ضعيفا للغاية ومعظم تقاريره كانت تلخيصا لصحف الاهرام وغيرها
  • 28 مايو: بدران يغادر موسكو وعلى اسفل سلالم الطائرة يقول له وزير الدفاع جريشكو ان على مصر ان تقف بصرامة وحزم لان السوفييت ورائها.

  • 29 مايو : عبد الناصر يعلن امام مجلس الامة ان شمس بدران عاد ومعه رسالة دعم من موسكو.

    وفى يوم الثانى من يونيو كانت هنان عشرات البرقيات من والى السفارات الامريكية حول الجهود العالمية من اجل حشد الدعم اللازم لاقتراح ارسال قوة بحرية متعددة الاطراف تفتح مضيق تيران الولايات المتحدة كانت بوضوح ضد قرار اغلاق خليج العقبة.
    واعتقدت انه عمل عدائى يصلح مسوغا لاسرائيل للهجوم على مصر.
    ولكن واشنطن لم تقم باى دور نشط من اجل التوصل الى مخرج من هذه الورطة سوى مطالبة مصر بالتراجع.
    وكان من المستحيل على القاهرة ان تتراجع دون ثمن تبرر به هذا التراجع:
    ثمن تدفعه للشعب المصرى الذى تمت تعبئته وتحمل كثيرا ماديا ومعنويا فى المواجهة مع اسرائيل، وثمن تدفعه للشعب العربى الذى تعلقت انظاره باجهزة الراديو المضبوطة على محطات القاهرة، وثمن تدفعه لتفادى السخرية الحادة والتحقير المتوقع من السعودية والاردن، وثمن تدفعه لدول عدم الانحياز والعالم الثالث التى احتشدت خلف مصر.
    ولم تقدم امريكا او الاتحاد السوفيتى مثل هذا الثمن وبات محتوما على مصر ان تواجه تبعات قرارها .
    لقد تغيرت دينامية المواجهة تماما بعد قرار اغلاق خليج العقبة.
    صار التراجع مستحيلا واصبحت كل الطرق تؤدى الى الحرب.

    الحلقة الأولي || الحلقة الثانية || الحلقة الثالثة
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه