|
|
المثقف نهباً للعزلة و الحصار و سوء الفهم
من الضرورة إلى ملكوت الحرية
لا شك أن قضايا الثقافة و المثقفين تعد واحدة من أدق إشكاليات عصرنا ، وأكثرها مدعاة للجدل و الإهتمام بل للإستقطاب و الصراع و التنابذ سواء فى بيئات الدارسين و الباحثين ، أو فى ساحة العمل العام ، على اختلاف مدارسهم و إنتماءاتهم الفكرية و السياسية التى عنها يصدرون .
ولا غرو فى ذلك .. فقد شهدت علاقة المثقف بالسلطة تبديات عدة ، و تباينات شتى عكستها طبيعة المراحل و العقود التى راوحت فيها أوطاننا زمناً ، وأ فضت إلى تهميش المثقف و إقصائه بعيداً عن مواقع اتخاذ القرار ، الأمر الذى نال من دوره كثيراً ، وتركه نهباً للعزلة و الحصار و سوء الفهم .
|
المثقف العربى يتماهى مع
آليات الواقع المأزم فيصبح مهرجاً يسخر ثقافته و مهاراته
فى خدمة السلطان
|
إلا أن السجال مازال دائراُ حول ماهية المثقف ، وطبيعة مشروعه ، ومدى تواؤمه أو تناغمه مع إيقاع العصر ، ومن ثم ماهية فرادته و استجابته لتحدياته و إشكالياته .
و يرى الدكتور محمد عابد الجابرى بحق أن راهن الثقافة العربية يؤشر لا ريب إلى أن هناك علاقة عضوية لغوية اشتقاقية بين كلمة " ثقافة " و كلمة مثقفة " .
وهى علاقة ملتبسة لا نعثر لها على ضريب فى سائر اللغات ، التى تحرص على توكيد الفصل اللغوى القائم بين كلمتي " انتكتويل " و " كولتور " .
وربما كان مرد ذلك الإلتباس البادى قومياً محضاً ، سعى منذ بدئه إلى تغليب السياسى ، فالتقت العلاقتان فى ساحة الشرط النهضوى الإجتماعى العام منتصرة لرؤية فى التاريخ على حساب منظور التاريخ ذاته ، و الإنتقال به من حيز الضرورة إلى ملكوت الحرية .
غير أن الحياة الفكرية العربية صارت تتسم فى العقود الأخيرة ، بسمات باتت لصيقة بها ، و مميزة لها فى آن ، بل - ربما كانت عنواناً و شعاراً على مرحلة بأكملها ، تم تدشينها عبر حلقات متتالية من الوعى الزائف و هبوط سلم القيم ، و إنحدار معنى الثقافة ذاته ، وشيوع نمط تلفيقى للمثقف يتخذ مساراُ تبريرياً ذا نزعة مراوغة مدجنة .
فضلاً عن التكريس الخاص للمونولوج الفردى فى بيئات النخبة و خطابها ..
و تسويد علاقة التبعية المرضية بين المثقف .. ومن ثم ، تماهية السلبى مع آليات الواقع المأزوم ، ليمسى - فى التحليل الأخير مهرجاً يحاول ما وسعه الجهد و الحيلة تسخير ثقافته و مهاراته لتأبيد " أورجانون السلطان " ، و حصد طيباته .. بالإضافة إلى سيادة خاملى الموهبة ، و المشتغلين بكتابة التقارير ، حتى أضحينا لا نرى صحافة ، بل تصحيفاً .
فهل هى أزمة الطليعة العربية بين وعى المؤسسة [ الدولة - الأحزاب الإعلام و الإتصال - الاتحادات - النقابات ... إلخ ] و مأزق خطابها الهجين ؟ أم هى حالة التشرذم و التشظى و تراجع دور المثقف ، تلك التى رسمت طريقنا ، و صيرتنا محض قبائل و جزر معزولة تعانى عقدة الثأر ، وتنوشها تناقضاتها الداخلية ؟
مصادرة الحوار
لذا أصبح من العسير علينا أن نلمح فى هذا الجو الملفوم و المفخخ و الموبوء ، تيارات أدبية تتبارى و تتنافس على نحو صحى .. أو مدارس فكرية تطرح همومها و صبواتها باتجاه المستقبل المأمول .
إن أخطر ما ينتجه العقل العربى الآن ، هو ذلك الأقنوم الفاشى الذى ينهض على مصادرة الحوار ، ونفى الآخر ، و تأثيم المختلف ، وتأميم شروط و أدوات تفعلية و تخليقه .. فضلاُ عن عمليات التوحيد المطلق بين الجماعة و الفرد ، و محاولة ربطه بوشائح اغتراب و عنف متناميين مع المجتمع مما أفضى إلى تسريع و تأثير التناقضات ، وحدة التوترات التى تنال من النسيج الإجتماعى المفتقر إلى ديناميات مخصبة .. وتنل حركته الطبيعية و سيولته السياسية أشكال من التجانس الأصم و الوعى الحامل قيم القبيلة ، مع نزعة واضحة إلى تهميش أنماط الإنتاج الرمزية ، وإهدار التراكم التاريخى للمنظومات الفكرية و رصيدها الإنسانى ... مما أصاب - بدوره العلاقات الإجتماعية بنوع من الشلل و التشوه ، اللذين لا يسمحان بالتعبير الذاتى الحر ، و المبادأة الخلاقة ، و التنافس غير المنغلق على أنساق من التصنيفات ضيقة الأفق لا تنطوى على تعال نخبوى مقيت ، يدعى احتكار الحقيقة ، و يعمد - من ثم - إلى تزوير الواقع !
لقد أدى عدم توظيف الإمكانيات المهدرة ، أو بإشباع الإحتياجات الروحية إلى إفقار الشخصية العربية و تغويلها ، و إعادة صياغتها أو دمجها داخل سيرورة صراع لا يهدأ .
و ربما عد هذا مسئولاً عن ذلك الطوفان الجارف من الأحلام المجهضة ، الأوهام المغرقة فى ذاتيتها ، محاولة تضخيم هواجسها ، أملاً فى مساحة تنتزع قدراً من الحضور الذى يؤمن الوجود ، أو يسمح بموطئ قدر .. وهكذا راحت بعض النخب المثقفة تلعب دورها فى تجديد الأبنية التقليدية ، و ترميم ما تصدع منها ، أمام عنف ضربات التحديات ، و تلاطم موجات التحديث المتلاحقة كمكانيزمات دفاعية ..
لكنها ظلت - ويالافداحة التراجيديا العربية - مسكونة بالمعتقدية ، مغزوة بقداسة السلطة و سيكولوجية القمع و المراوحة على أعتاب تبدياته و تنويعاته ، بدعوة توطين الشرعية ، أو اللواذ بفزاعة الضرورة التاريخية ، ذات الطبية الإستثنائية و بقيت اللغة فضاء التجريب الذى تمارس فيه الصفوة حريتها و حراكها و ملعب أحزانها الليلية ، تودعها نقدها أو ثورتها المدعاه، فى تعديلها عن أزمة نظام القيم .. و لعل ذلك سر تشبثها المتورم ، أو مبرر تحصنها الدائم بذاتيتها ..
بيد أنها عجزت أن تصنع ربيعاً مقيماً ، قادراً على نقض قديم بحسم ، و استبداله بأيدلوجية متماسكة أليس هذا :
أحد تجليات أزمة المجتمع المدنى الحديث ، وما يتفرع عنها من ( خبط و خلط ) على حد تعبير الشيخ محمد عبده ؟!
من هنا كان لابد من النظر إلى قضية الفساد الثقافى فى إطار رؤية أشمل تعمد إلى ربط الجزء بالكل فى سلة واحدة تجعل منها تفريخاً أصيلاً لأزمة نظام حكم مزمنة تتهدده دوماً - عيوب خلقية ملازمة له فى النشئة و التطور و من ثم راح يلقى بعبئها على المجتمع و آليات حياته و قد جرت عمليات إغواء و شراء المثقفين بوسائل و أساليب عدة ، تم جلها تحت سقف تلكم المقولة المنسوبة إلى ( الحجاج أبن يوسف الثقفى)
و التى ذهب فيها إلى أن ( من تكلم قتلناه .. و من سكت مات بدائه غماً ) فهرع من هرع إلى نيل الأوطار وتعليل النفس بالأسباب و الأعذار ولعل أثر الصحافة النفطية الخليجية فى عملية الإختراق الفكرى و الثقافى لمنظومة القيم الحاكمة لتوجهاتنا و معايير سلوكياتنا أوضح من أن يفرج إليها إنسان أو أن يتصدى لتوضيحها و تشخيصها بيان .
مكارثية عربية
و الجميع يتذكرون بأسى بالغ ما فعله شخص دعى يوماً للدكتور ( شمس الدين الفاسى ) بالصحافة و الصحافيين وهو حاصل على دكتوراه من جزيرة ( بورما ) الأمر الذى يبرهن لنا على طول باعه و مصدقيته ( العلمية ) إن وجدت !
كما أننا لا ننسى الموقف الذى أبداه ( مجلس التعاون الخليجى ) من الكتاب و الصحفين الذين هاجموا ما فعلته أمريكا فى ( حرب الخليج )الثانية بالعراق و شعبها ، وأعد قائمة بأسمائهم ، تؤطئة لتجريم التعامل معهم ، من خلال الصحف التى يسيطر عليها ، بما يفضى إلى منعهم من النشر وقطع أرزاقهم مستغلين فى ذلك تدنى الأجور و تردى الدخول فى بلدانهم ناهيك عن أوضاع الصحافة التى شهدت تدهوراً غير مسبوق لم تعد تجدى معهم عمليات الترقيع و الترميم الحادثة على غير موقع و صعد بعد أن تحولت الصحف " إلى عزب ) و ( شفالك )و(أبعاديات ) لرؤساء مجالس
الإدارات وأمسى الصحافيون (رهائن)لدي رؤساء التحرير ولم تعد هناك اسس يعتد بها في النشر و السفر والترقيات بله التعين و شغل المناصب .
|
في اللغة فضاء للتجريب
تمارس فيه الصفوة حريتها وأحزانها الليلية
وثورتها المدعاة !
|
ثم جاءت الشروط المالية التى تضمنها القانون رقم 96 لسنة 1996 الذى قصر حق إصدار الصحف على الأحزاب السياسية و الشركات المساهمة و حجبه عن الأفراد لتثير التساؤلات حول مصادر البعض و قدرته على توفير هذه السيولة النقدية ، خاصة و إننا نعرف ( أصلهم و فصلهم ) و علاقاتهم بهذه الجهات أو تلك.
وقد عمل هذا النفر مستشارين إعلاميين لدى شركات توظيف الأموال و أسمائهم مازالت تتصدر قوائم كشوف البركة التى شابها الريان و رمى لكح و طارق أبو حسين و إضرابهم هؤلاء بل أن كاتباً صحفياً بجريدة كوبرى أصرعلى إستصدار إذن خصومة من نقابة الصحافين لكى يتمكن من رفع قضية على المناضل الشريف جلال عارف الذى دافع فى مقال له شهير نشرته جريدة الأهالى عن كرامة المهنة التى حاول الريان تلويثها برشوته التى عرضها على نقابة الصحافيين و قدرها مليون جنيه معفاة من الضرائب و كانت حجة هذا الكاتب أن موقف جلال عارف هذا يقف حجر عثرة أمام إنهمار الخير و تدفقة على الصحافيين ( الغلابة ) الذين يشكون من العوذ و الفاقة و طالبنا هو( التقدمى ) السابق أن نستأذن الوطنية و نستمحيها عذراً أمام ضغط المبادئ الغلاب عملاً بقول أئمة الإسلام المجتهدين :( إذا تعرض النص مع المصلحة قدمت المصلحة على النص ) و فى ذلك فاليتنافس المتنافسون !
لذا لم يتورع أحد الأغوات و الشماشرجية من مالكى صحف هذه الأيام عن رفض إدانة أمير خليجى طرد العمال المصرين من بلده بطريقة مهينة حتى لا يفقد منصبه كمهرج للملك أو كحامل لحقيبة دولاراته أو كقناة تنظم إتصال بهذا الجهاز أو ذاك و دفع عن تاجر سيراميك عندما تسبب فى قتل طالب الطب بجامعة أسيوط وهو يتجول بلنشه الخاص غير عابئ بأحد .
ولعله كان متأسياً فى سلوكه المعيب هذا ، بكاتب " كبير " لم يجد حرجاً فى الدفاع عن قتلة نجل المستشار الأسبق ( صهيب حافظ ) رغم الرسالة المسئولة التى وجهها إليه باحث العلوم السياسية المرموق الدكتور حسن نافعة يطالبه فيها بمراجعة ما كتبه و التفكير فى بصوت عالى غير أنه لم ييفعل و فوجئنا به فاقداً الذاكرة بعد ذلك إثر عجز مخه عن التوصل إلى حلول مقنعة لهذه المعادلات - التناقضات ، الأمر الذى دفع مستشار الأمير إلى التعامل مع هذه النوعية من القضايا بخشونة ووقاحة تمكنه من تجاوز الموقف و عدم الوقوف عند عتبته فيجنب نفسه عندئذ عواقب الإنفجار و لحظة التنوير !
وفى مصر صحف تصدر عن شركات لا تخضع للرقابة كنظائرها بل منحت إمتيازات لم تتح لسواها و باتت تتمتع بوضعية إجتماعية و سياسية تثير العديد من علامات اإستفهام و تدعو إلى التأمل فى طبيعة الأدوار التى أضطلعت بها وما هية المعارك التى أثارتها و حقيقة المهام الموكولة إليها باهيك عن ملكية رجال الأعمال لأسهمها و إدارتهم لها بطريقة تفضح محتوى المرحلة بأكملها و تقلباتها فى سياق التحولات الجارية فى الإقتصاد المصرى القائمة على أولوية المشروع الخاص و التركيز على مفهوم شكلى للديموقراطية السياسية دون مضمون إجتماعى جدى و الحفاظ على آليات التداخل و الإندماج العضوى للإتجاهات رأس المال الكوزموبوليتى وما يترتب عليه من تجريف للتربة الإقتصادية و الأجتماعية المصرية مما دفعه - أى دفع رجال الأعمال هؤلاء إلى التمرس خلف الضوابط و الكوابح السياسية و الأيدلوجية على تنميط المجتمع و جعله منفاتحاً فقط على مجرى مصالحه الفئوية المنغلقة والضيقة وعلى ذلك النحو الذى يكرس العلاقة الإلحاقية للثقافة برأس المال و للمجتمع بالفردية الليبرالية و للمثقف بالحراك الإجتماعى و الإهتمام و من ثم بقضايا جزئة فصلها عن سياقها العام الرافد لها بوصفه موطن العقدة فى الأمر كله و بمعزل عن عملية تغير النظام السائد فى المجتمع .
لهذا لم يعد يعبأ البعض و فى سياق الموضوعات التى أسلفنا بالحفاظ على حيوية و ضرورة إستقلالية المثقف فى مواجهة السلطة الغشوم ولا للعمل على إبداع المعنى و شتل المغذى الأخلاقى و التنويرى للدور الإجتماعى المسئول اضحى من الطبيعى و البدهى أن تشيع فى هذه الأجواء الملغومة الأكاذيب و الترهات و أن تجد مرتعاً خصباً لها فيما يتواتر من قصص و حكايات تستمد مصدقيتها من المناخ العام الفاسد و الموبوء الأمر الذى يسر على ناقد مصرى أن يكتب دون حرج ولا خجل فى أن الكتابة فى جريدة ( الحياة اللندنية ) تختلف ون شك عن الكتابة فى جريدة ( العرب اللندنية أيضاً ) التى يمتكها أحمد الصالحين الهوانى برغم أن مؤسسها هو الأمير ( تركى أبن عبد العزيز )!!
أو نجد من يعلن فى ( أخبار الأدب ) - العدد الثالث - أغسطس 1993 ، تحت عنوان ( جائزة فورونيا الإيطالية لأدونيس مناصفة مع كاتب إسرائيلى يسمى ( ناثان زاك ) برغم سفر صاحب الخبر المطول ( روما ) عام 1980 للحضور مؤتمر كامب دايفد و الأدب الذى شاركت فية مجموعة من الكتاب الإسرائيليين ضمن حمولة المؤتمر السياسية و الفكرية و كان لها إسهام واضح هدف إلى ترسيخ ما يسمى بثقافة السلام.
وإزاء عنف الهجوم عليه و تبكيته سياسياً ، أجرى حواراً مع " إميل حبيبى " نشره فى مجلة داخلية كانت تصدر عن حزب المجتمع المصرى ، دعيت وقتها باسم " التقدم " بغية اتقاء الضربات ، و التحصن ضد الإتهام بالخيانة و ما نشر قصة للمرحوم " نعيم تكلا " فى العدد 21 ، بتاريخ 5 ديسمبر 1993 ، بعنوان " ؛ حنا النجار ".
و يعلم القاضى و الدانى أن " نعيم تكلا " هذا ، كان من مظاهرى إسرائيل و مشايعيها ، والداعين إلى الصلح معها و الإعتراف بها على حساب الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطينى كما ورد بروايته الردئية ( نهلة ) فضلاً عن طبع مجموعته القصصية الأولى ( قفزات الطائر الأسمر النحيل ) فى إسرائيل : أو نرى وزيراً للثقافة يعمل على أيلولة المعالم الأثرية إلى فنادق و بوتيكات ومطاعم قائلاً بملء فيه ( إن الأرض التى يوجد عليها - يقصد معلم باب العزب - أرض خرابات و أنه آن الأوان لعصر تألق الإستثمار وأن القلعة بمشروعية هذا إنما هى قناة سويس أخرى إن التوظيف الجيد لأعظم الأثار الإسلامية أن الناس تشرب حاجة ساقعة ) : إلخ .
و نستطيع على هذا النحو أن نمضى فى تعداد الأمثلة و المظاهر إلى غير ما لا نهاية بيد أن يبقى أن نقول فى النهاية أنه دون الديمقراطية و المكاشفة ووضوح الأجندة لن يمسى بمقدورنا تطوير أستراتيجية متماسكة تعمل على نقل المجتمع من حالة التخلف و العجز إلى أفاق الحداثة و العصرنة بقيادة المثقف العضوى المستند إلى التراث النقدى للعلوم الإجتماعية و الكتاب العظام هم الذين عامدوا - بتعبير ( أوكتافيوا باث ) على [ الكشف عن الإنسان لا كتوكيد إيجابى ولا كوحدة ولا ككوتله متراصة و إنما كعمق و إنكسار الإنسان الإشكالى مع نفسه ] .
--------------------------------
أسامة عرابى
|
|