NO

www.lamalef.net
  

لام الف دوت نت

 

القضاء المصري.. بين الاستقلال والاحتواء

بقلم :طارق البشري


اكتمل للقضاء المصرى استقلاله وسيادته وشموله فى الأربعينيات من القرن العشرين، وكان ذلك بجهود جيلي الآباء والأجداد منا، وكذلك الجيل السابق عليهم، منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، عندما تأسست <<المحاكم الأهلية>>، على أن أجيالَ رجال القضاء بخاصة، وأجيال القانونيين والحقوقيين بعامة منذ العشرينيات هم من كان يعود إليهم فضل تأسيس هذه الروح المستقلة وفضل تربية القاضي وتنشئته بقيم الحياد والاستقلال وبهذا الحس المعنوي اللازم دائماً لرجل القضاء، على قدر يزيد أو يقل، وهو الحس المعنوي الداخلي بأن في أدائه لعمله أداء لنوع <<رسالة>> أو مهمة سامية. هذا الحس هو أمر لازم في التكوين النفسي للقاضي، لأنه هو الحس الذي يعوضه معنوياً عما لا يتوافر لديه أحياناً من ماديات الحياة المكفولة للكثيرين أمثاله من النخب الاجتماعية، وهو <<الحس>> الذي يدرّبه على صفة <<الاستغناء>>، ولا استقلال بغير القدرة على الاستغناء.

وأنا لا أتكلّم بروح <<مثالية>> معزولة عن الواقع، ولا أهيم في بيداء خيال، ولكنني أجهد في أن أوضح أن ثمة أمرين متلازمين لا يكتمل التكوين القضائي إلا بهما، أولهما نظامي يتعلق بالتكوين المؤسسي المستقل للجهاز القضائي، وثانيهما نفسي تربوي يتعلق بتكوين القاضي الإنسان. وكما أنه لا كفاءة لعالم في أي من فروع العلم الطبيعي أو الاجتماعي إلا <<بالصدق>>، ولا كفاءة لجندي مقاتل إلا <<بالشجاعة>>، ولا كفاءة لرائد فضاء إلا <<بروح مغامرة>>، ولا كفاءة لتاجر إلا <<بروح مضاربة>>، فإنه لا استقلال لقاضٍ ولا حياد له إلا <<بروح استغناء>>. وإنني أجهد أن أقول أيضاً أن أهل كل مهنة، يدربون الناشئة فيها ليس فقط على مناهج علومها ومجمل معارفها وفنون ممارستها، ولكنهم يربونهم أيضاً على الخصائص والصفات التي لا تجود الممارسة إلا بها، وإني أريد أن أقول إن الأجيال المؤسِّسة والمطوّرة للقضاء المصري منذ نشأت المحاكم الأهلية في الثمانينيات من القرن التاسع عشر، قامت بدورها هذا حتى اكتمل القضاء على أيديهم في أربعينيات القرن العشرين، استقلالاً وسيادة وشمولاً، وجرى ذلك بوجهيه، من حيث الإكمال المؤسسي التنظيمي، ومن حيث الإتمام الوجداني الإنساني، وأنا باستخدام لفظي <<الإكمال>> و<<الإتمام>> أدرك التباين الذي ترشدنا إليه الآية القرآنية الكريمة <<اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي..>>

(سورة المائدة الآية رقم3)، بما يعني أن الكمال هو ما لا يحتاج إلى زيادة، وأن التمام هو ما يقبل الزيادة، ولذلك كان الدين قد اكتمل بنزول الآية الكريمة، أما النعمة فهي تحتمل المزيد دائماً. وهكذا نحن في التكوين القضائي، اكتمل مؤسسيّاً في الأربعينيات، وتم إنسانيّاً فيها أيضاً..!
في الأربعينيات، وفي سنة 1943، وفي عهد وزارة الوفد التي رأسها مصطفى النحاس وكان وزير العدل فيها محمد صبري أبوعلم، الذي تولى الأمانة العامة لحزب الوفد بعد خروج مكرم عبيد في 1942، في هذا الظرف صدر قانون استقلال القضاء، كان استقلال القضاء قبل ذلك متحققًا، ولكنه في تحققه كان يستند إلى الأعراف وضغوط الرأي العام دون أن يكون أحكاماً مقننة، كما أنه كان يستند أيضاً إلى مجموعة من الأحكام وردت في دستور 1923 من المادة 124 إلى المادة 127.

إذ أقرّت استقلال القضاة وألا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وأنه ليس لأية سلطة في الحكومة التدخل في القضايا، ولكنها أحالت إلى قانون يصدر بعد ذلك يرسم طريق تعيينهم وكيفية عزلهم ونقلهم. ولم يصدر هذا القانون إلا بعد عشرين سنة. على أنه خلال هذه السنوات العشرين كان للتوازن بين السلطات أثره في استقرار القضاء واستقلاله، كما كانت للمنعة الذاتية أثرها في تحقيق القدر المطلوب من الاستقلال، وكان ليقظة الرأي العام أثرها في هذا الشأن، وأن المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي العام كان يساعد على أن يكفل قدراً طيباً من الاستقلال لعمل المحاكم، قبل أن يصدر قانون استقلال القضاء في 1943، ومن أسباب هذا الاستقرار ضعف وزارة العدل بكثرة التداول والتغيير فيها، ذلك أن القوى السياسية في المجتمع كانت متعددة، من القوى المتجمعة حول الملك، ومن قوى الحركة الوطنية الدستورية بصدارة الوفد، وأثر النفوذ البريطاني المحتل للأراضي المصرية، وعدد من الأحزاب التي تتقارب من هذه القوة أو تلك. وهذا الوضع أنتج تغييراً في الوزارات وتداولاً للحكم وتغييراً أيضاً للمجالس النيابية، بحيث إن القضاء كان هو الأكثر استقراراً وثباتاً وأنه تميّز بذاتيته حتى عن وزارة العدل.
إذ كان تداول وزارة العدل (وكانت تسمّى في البداية وزارة الحقانية) على مدى خمس وسبعين سنة من 1878 إلى 1953 نحو 60 وزيراً، وتداولها في ظل دستور 1923 من مارس 1924 حتى قيام الجمهورية في يونيو 1953 نحو 38 وزيراً، وطبعاً فإن كثرة تغير الوزارات والوزراء لا يفيد نتاجاً إيجابياً في تنفيذ السياسات بعيدة المدى في مجالات التنفيذ والنشاط المختلفة، ولكنني أتكلّم هنا عن ظاهرة أخرى تتعلّق بالهيئة القضائية ومدى ما حظيت به من ثبات نسبي واستقرار هيأ لها قدراً كبيراً من الاستقلال في ممارستها وظيفتها حتى قبل أن يصدر قانون استقلال القضاء في 1943، لذلك فإن هذا القانون لم ينشئ استقلالاً كان غائباً، ولكنه قنن وبلور ونظّم استقلالاً كان واقعاً وممارساً. وفي الأربعينيات أيضاً، في أكتوبر 1949 انتهت المحاكم المختلطة، وهي المحاكم التي نشأت بموجب ما كان مقرراً من امتيازات للأجانب في مصر، والتي نظمت في القرن التاسع عشر بموجب اتفاقية عقدت مع الدول الأوروبية والغربية صاحبة الامتيازات، وأنشئت في 1875، وكانت تتشكل من قضاة أجانب وتطبق قوانين خاصة بها وتنظر في الدعاوى التي يكون أحد رعايا تلك الدول الأجنبية طرفاً فيها. وهي كانت طبعاً تمثل انتهاكاً واضحاً لسيادة الدولة المصرية، من حيث سيادة قوانين هذه الدولة على كل المقيمين بها، ومن حيث سيادة قضاء هذه الدولة على كل المقيمين بإقليمها. وقد كانت ألغيت الامتيازات الأجنبية بموجب اتفاقية دولية أبرمت مع الحكومة المصرية في مدينة <<منترو>> بسويسرا في سنة 1937، ونص فيها على أن تلغى المحاكم المختلطة بعد اثنتي عشرة سنة في 1949، وهذا ما حدث فعلاً، واسترد بذلك القضاء المصري سيادته القضائية على كل من يقيم بأرض مصر منذ هذا التاريخ. وكان لذلك رنة فرح في مصر كلها وبين رجال القانون والقضاء، أدركناها نحن الطلبة الذين خطوا أول خطوة لهم إلى مدرجات السنة الأولى بكلية الحقوق في أكتوبر 1949، وكان من أول ما سمعوا من أساتذتهم احتفاؤهم بهذا الحدث الوطني القانوني الجليل.
وفي الأربعينيات أيضاً استكملت مصر سيادتها القانونية بإصدار مجموعات من القوانين الوطنية تميّزت بشمول انطباقها على جميع القاطنين بمصر، مصريين وأجانب أياً كانت جنسياتهم، وأول ما صدر من هذه القوانين هو قانون الضرائب على الأرباح التجارية والصناعية، صدر سنة 1939 وكان ما يمنع صدوره قبل إلغاء الامتيازات الأجنبية في 1937 هو عدم انطباق القوانين المصرية على الأجانب إلا إذا وافقت المحكمة المختلطة على ذلك، ولم يكن يصح في الأذهان أن تقرر ضريبة تفرض على المصريين وحدهم دون كبار التجار وأصحاب الشركات الأجانب.

ثم صدرت مجموعات التقنينات الكبرى غير المنقولة عن القوانين الأجنبية وغير المترجمة عنها على ما كان الوضع من قبل، فمنذ عرفت مصر التقنينات الحديثة والمحاكم الأهلية في أوائل الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كانت التقنينات الكبرى كلها مأخوذة من التقنينات الفرنسية، سواء القانون المدني أو التجاري أو البحري أو المرافعات أو الجنائي أو الإجراءات الجنائية. وهي التقنينات التي تشكل صميم المرجعية القانونية للمحاكم وللقضاء.

وكان أول هذه التقنينات الجديدة التي صدرت هو القانون المدني الذي كان للدكتور عبدالرزاق السنهوري أكبر الأثر في وضعه، وهو إن لم تكن الشريعة الإسلامية هي مصدره التشريعي، مما أثبت السنهوري طموحه إليه بعد ذلك بسنوات، إلا أنه كان قانوناً غير مفروض من أجنبي، ولا كان تابعاً لفقه دولة أجنبية محددة ولقوانينها كما كان القانون السابق عليه، وأنه قانون كان يعكس الخبرة المصرية في الفهم وفي التطبيق، حسبما استقرت أحكام المحاكم سابقاً، كما كان قانوناً يمثل خيارات مصرية في تقرير الأحكام وفي الاستفادة من خبرات الخارج، وقد أعدّ هذا القانون على مدى يزيد على عشر سنوات، وصدر في 1948 على أن يعمل به اعتباراً من أكتوبر 1949 مع إنهاء المحاكم المختلطة واسترداد القضاء المصري لسيادته الكاملة.

وكنا نحن طلبة حقوق السنة الأولى في أكتوبر 1949 أول دفعة تبدأ دراستها بهذا القانون الجديد، ولم تكن صدرت بعد كتب شارحة له.

وبعدها صدر قانون المرافعات المدنية والتجارية، ثم قانون الإجراءات الجنائية الجديد في 1951، وهو القانون الذي اقتطع من النيابة العامة سلطة التحقيق في الجرائم وأبقى لها فقط سلطة الادعاء وإقامة الدعاوى الجنائية والمرافعة فيها، وبسط الوظيفة القضائية على التحقيق، مما يشكل ضمانة مهمة لإجراءات التحقيق إذ يتولاها قاضٍ لا يخضع لرئاسة يمكن أن تتدخّل في إجراءاته وتؤثر على مجريات التحقيق، وهو يخالف الوضع في النيابة العامة التى يخضع أفرادها فيما ينظرون من الدعاوى لرئاساتهم ويتبعون في النهاية وزير العدل.

وفي الأربعينيات أيضاً، صدرت مجموعات من التقنينات آخذة عن الشريعة الإسلامية، صدرت تباعاً في السنوات من 1943 إلى 1948، ومنها قانون الميراث والتركات وقانون الوصية وقانون الوقف. لم يكن قنّن من أحكام الشريعة قبل ذلك إلا مسائل الأحوال الشخصية الخاصة بشؤون الزواج والطلاق والنفقة، فضلاً عن اللائحة الخاصة بنظام المحاكم الشرعية وتشكيلاتها وترتيبها وإجراءاتها. أما ماعدا ذلك فكانت المحاكم تستقي أحكامها من كتب الفقه المعتمدة حسب الرأي الراجح في مذهب أبي حنيفة. فجاءت هذه التقنينات الحديثة لتختار من أقوال المذاهب المختلفة ما يناسب أوضاع العصر وظروف البيئة ولتضع الأحكام في صياغة واضحة لا يُختلف عليها ولترجّح من الآراء ما استقرّت عليه الأحكام.
وفي الأربعينيات أيضاً، أنشىء مجلس الدولة في 1946، وبدأ نشاطه من السنة القضائية 1946 1947، لم يكن النظام القانوني والقضائي بمصر يسمح للأفراد بأن يرفعوا الدعاوى على الحكومة في ممارستها لسلطتها العامة، وذلك حتى أنشىء مجلس الدولة الذي أخضع نشاط الدولة لرقابة القضاء، وأخضع القرارات التي تصدر من سائر الوزارات والمصالح متعلقة بالمواطنين لرقابة محاكم مجلس الدولة التي تنظر في مدى مشروعية أي من هذه القرارات وسلامته القانونية وعدم انحراف السلطات في إصداره.
وبإنشاء مجلس الدولة انبسطت الحماية القضائية على كل أنشطة المجتمع وكل معاملاته وعلاقاته، وقد بنى مجلس الدولة من مادة القضاء المصري نفسها، برجاله وتقاليده وأعرافه وتكوينه الشخصي والوجداني.
قامت ثورة 23 يوليو 1952 لتنتقل بها مصر ونظمها وسياساتها إلى أوضاع جديدة تختلف كثيراً عما سبق، فكان الوضع السابق من الناحية السياسية يتضمن قوى ثلاث لا تستطيع إحداها أن تنفي الأخريين، القوة الأولى هي الملك وما يمسك به من أعنة السلطة وما يرتبط به من أجهزة الدولة، والقوة الثانية هي الإنكليز وما تقوى به كلمتهم من وجود جيش الاحتلال البريطاني الذي يجعل المعتمد البريطاني أو السفير البريطاني مشاركاً في السلطة بمصر، والقوة الثالثة هي قوة الأمة ويمثلها الوفد.
فلما جاءت ثورة 23 يوليو خلعت الملك فاروق وما لبثت أن ألغت النظام الملكي، فحلت قوة جهاز الثورة ورجالها محل قوة الملك، وتمثل ذلك في مجلس قيادة الثورة حتى صدر دستور 1956، ثم تمثل في رئاسة الجمهورية وأجهزتها وقيادتها.
ثم إنها منذ قيامها عزلت جهاز الدولة عن النفوذ الإنكليزي ثم أبرمت مع بريطانيا اتفاقية الجلاء عن مصر في أكتوبر 1954 ثم تحقق الجلاء فعلاً في يونية من سنة 1956، وانتهت القوة السياسية للإنكليز.
ثم هي أيضاً نظمت الأحزاب ثم ألغتها بعد أشهر قليلة من قيام الثورة، وانتهت القوة السياسية للوفد عند اصطدامه بالثورة، وحلّت هي محلّه في حراسة الاستقلال الوطني فورثت وظيفته الوطنية، هذا من الناحية السياسية.
ومن الناحية التنظيمية للمجتمع وللدولة، ألغت الثورة دستور 1923 الذي كان يرسم نظام الحكم على أساس من توزيع السلطة على ثلاث هيئات، الملك والحكومة يشخصان السلطة التنفيذية، والبرلمان بمجلسيه يشخص السلطة التشريعية، والمحاكم تشخص السلطة القضائية، ودمجت الثورة سلطتي التنفيذ والتشريع في جهاز واحد من بدء نشوئها حتى صدر دستور 1956، ثم أخضعت المجلس النيابي للسيطرة التامة للسلطة التنفيذية، وصار هذا المجلس بين أن يوجد تابعاً للسلطة التنفيذية وبين ألا يوجد أصلاً على مدى سنين عديدة، وتصدر القوانين بقرارات من رئيس الجمهورية، أو تصدر من المجلس النيابي إن وجد بما يحقق المشيئة الكاملة لرئاسة الجمهورية.


من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه