NO

www.lamalef.net
  

لام الف دوت نت

 

القضاء المصري بين الاستقلال والاحتواء (2)


محاولات لجذب الجهاز القضائي إلى جوار التشكيل السياسي للدولة طارق البشري سلكت الثورة مع القضاء وأجهزته وسلطته، ما يمكن أن نسمّيه بأسلوب الإحاطة والاقتطاع دون أسلوب السيطرة المباشرة والإلحاق الصريح، وذلك على الوجه التالي:

أولاً: أبقت الثورة تقريباً على ذات درجة الاستقلالية القانونية للقضاء والنظام القضائي فلم تنتقص من ذلك في التشريعات التي أصدرتها منظمة للقضاء. وأبقت الأحكام القانونية الخاصة بعدم قابلية القضاة للعزل وأن يكونوا هم من يديرون شؤون أنفسهم.

بل لعل بعض القوانين في الصدر الأول من أيام الثورة قد زاد من الضمانات القانونية للاستقلال وإدارة الشؤون الذاتية، كما حدث بالنسبة لمجلس الدولة في السنتين الأوليين للثورة. وذلك كله باستثناء حركة تطهير محدودة جرت في القضاء كما جرت في أجهزة الدولة الأخرى، وخرج بها عدد محدود من القضاة كانوا اشتهروا بعلاقاتهم برجال السراي الملكية.

ثانياً: استطاعت الثورة بسيطرتها على أجهزة التنفيذ والتشريع أن تصدر عدداً من التشريعات تقيّد به من مجال التقاضي، وقد منعت التقاضي في المجالات التي رأت فيها لنفسها صالحاً سياسياً.
فمنعت التقاضي مثلاً في شأن الطلبة حتى تتمكن من التعامل مع مظاهراتهم المضادّة لها بغير رقابة قضائية، كما منعت التقاضي في مسائل الجيش وغير ذلك من المجالات..
وكانت سيطرتها على سلطة التشريع مما مكّنها من سهولة إصدار هذه القوانين.

ثالثاً: أنشئت محاكم خاصة لمحاكمة الخصوم السياسيين، سواء كانوا أحزاباً سابقة مثل قيادات الوفد السابقة والأحزاب الأخرى، أو جماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بما سمّي في السنوات الأولى، محكمة الغدر، ثم محكمة الثورة، ثم محكمة الشعب. ثم صار ذلك عرفاً وديدناً فيما تلا ذلك من سنوات، إذ تنشأ محكمة عسكرية لمحاكمة من ترى قيادة الدولة أنه خصيم أو مناوئ، أحزاباً وتنظيمات سرية أو أفراداً عسكريين أو مدنيين.
وركّزت قيادة الدولة في هذا الشأن على النيابة العامة بحسبان أن لها وجه ارتباط واتصال بالسلطة التنفيذية وذات خبرة مهنية في التحقيقات، جنباً إلى جنب مع الأجهزة العسكرية والأمنية التي ظهرت مشاركة للنيابة العامة في هذا الشأن.
كان أسلوب نظام 23 يوليو إذاً هو الإحاطة بالقضاء وإبعاده عن التأثير فيما ترى الدولة أنه يمس سياستها، وجرى هذا الإبعاد عن طريق المنع من التقاضي بالنسبة للمسائل التي ترى الدولة أن لها أهمية سياسية لها، وكذلك إنشاء المحاكم الخاصة بالنسبة للقضايا التي ترى أن لها أهمية سياسية خاصة لها، سواء من حيث أشخاصها أو من حيث نوع النشاط الذي ترى منعه أو من حيث موضوع الفعل الذي ترى منعه أو تأثيمه، والعقاب عليه. ولكنها في هذا الإطار المحدود أبقت القضاء والقضاة على حالهما تقريباً، ولم تعمل أساليب الإلحاق والاستتباع والغواية فيهما، وهذا ما قصدت التنبيه إليه في هذه النقطة، بمعنى أنها أبعدت القضاء والقضاة عن مجال الاحتكاك بها وتركتهم يمارسون عملهم فيما لا يشكل أهمية سياسية لها، وبقي القضاة في غالبيتهم بفكرهم وبعادات عملهم وبقيمهم كما كانوا من قبل، حتى التقنينات الأساسية التي يطبقونها، والتي تصوغ فكرهم وأصول مبادئهم القانونية والقضائية، بقيت كما هي وكما كانت من قبل.

ويستثنى من ذلك ما سبقت الإشارة إليه بالنسبة للنيابة العامة، ثم ما يتعلق بمجلس الدولة وتخصصه الرئيس هو الرقابة القضائية على نشاط أجهزة الدولة، وهو جهاز ابتدع فيما ابتدع من وسائل هذه الرقابة، ابتدع حق المحاكم في مراقبة دستورية القوانين، الأمر الذي لم يكن معروفاً من قبل، وكان ذلك بحكم أصدره في 10 فبراير سنة 1948، ثم طفق يوسّع اختصاصاته ويخضع لرقابته حتى أنشطة الدولة في حالة فرض أحكام الطوارئ، وكان عبدالرزاق السنهوري على رأس المجلس عندما قامت الثورة، وساندها أولاً، وهو شخصية عامة ذات سطوة ويجمع بين الدور السياسي السابق له، وبين الدور القضائي الذي كان قائماً، والريادة القانونية العلمية التي اكتسبها وتمكّن منها بعد صدور القانون المدني الجديد. لذلك فقد جرت مواجهة حادة وعنيفة بين قيادة الثورة وبين مجلس الدولة في المدى الزماني بين عامي 1954 و1955، ودبرت مظاهرة اقتحمت مجلس الدولة ومكتب رئيس المجلس، وضرب السنهوري في مكتبه، ثم صدر قانون يمنعه من تولي الوظائف العامة بحسبانه كان وزيراً حزبياً في الأربعينيات، ثم في 1955 صدرت قوانين أعادت تشكيل مجلس الدولة وأسقطت حصانة أعضائه، وأخرجت نحو خمسة عشر عضواً منه، وأعيد تنظيم المجلس على صورة تدعم السيطرة الفردية القانونية لرئيس المجلس الجديد الذي تولّى منصبه بالأقدمية المطلقة بعد إخراج السنهوري. وخلال الفترة التالية ظهر نوع من أنواع الاتصال والتداخل بين المجلس وبين أجهزة الإدارة في الوزارات والمصالح.

وقد صيغت أوضاع مجلس الدولة بما يكفل عدم تكرار هذا الاحتكاك، وبالنسبة لمجلس الدولة جرى الأمر على أساس ابتعاد المجلس عن المساس بالقوانين التي تمنع التقاضي، مع <<الإفساح>> للسلطة التقديرية في إصدار القرارات الإدارية <<وتفهم>> تقديرات الأجهزة الإدارية في هذا الشأن. كما جرى الأمر أيضاً بانتداب عدد محدود من أكثر الشباب ذكاءً وخبرة، ومن هم في أواسط العمر، ينتدبون للإفتاء القانوني لا في داخل مجلس الدولة وفيه قسم للفتوى ولكن في أجهزة مركزية محدودة، هي رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء، ووزارة الداخلية ووزارة الحربية ونحو ذلك.
وما لبث هذا المسعى أن اتسع اتساعاً كبيراً عبر السنوات التالية للثورة وما بعدها في السبعينيات والثمانينيات حتى الآن.
وبالنسبة للنيابة العامة، وبخاصة نيابة أمن الدولة، فقد كان منصب النائب العام دائماً على اتصال وثيق بالدولة وبأجهزتها الثابتة، وكان هذا الاتصال يتراوح في درجة الوثوق، ولكنه كان قائماً على كل حال، من بدايات القرن العشرين، ونجد من ذلك شخصيات عامة كبيرة مثل عبدالخالق ثروت باشا في أوائل القرن العشرين، ومحمد لبيب عطية باشا في الثلاثينيات، وعبدالرحمن الطوير باشا في الأربعينيات، وعلي نورالدين في الستينيات وغيرهم قبلهم وخلالهم وبعدهم، وقد كان أصل تنظيم الإجراءات الجنائية يفرق بين سلطة الاتهام التي تقوم بها النيابة العامة وسلطة التحقيق المستقلة التي يقوم بها قضاة التحقيق، ثم في خواتيم القرن التاسع عشر نيطت سلطة التحقيق كلها برجال النيابة العامة، وبقي الوضع كذلك حتى صدر قانون الإجراءات الجنائية في 1951 فميَّز سلطة التحقيق وحّدها ووضعها في أيدي القضاة المستقلين عن الخضوع الرئاسي للنيابة العامة. ثم لمّا قامت الثورة انتدبت النيابة العامة ورجالها للقيام بسلطات قاضي التحقيق وأفسح للنيابة في هذا الشأن وخاصة في الدعاوى ذات الطابع السياسي، ثم توسع هذا الاختصاص فعاد إلى سابق عهده، تجمع فيه النيابة العامة بين سلطتي التحقيق والاتهام وتتبع في ذلك النائب العام وتتبع وزارة العدل.

بقي الوضع على هذا التكوين حتى كانت هزيمة 1967، وبدا بعدها أن الدولة صارت أضعف سياسياً من أن تشكل محاكم خاصة محاكم غير قضائية للنظر في الدعاوى ذات الصبغة السياسية التي تقيمها الدولة ضد خصومها ومعارضيها، كما صارت أضعف سياسياً من أن يسوغ فيها بقاء قوانين منع التقاضي أو إصدار قوانين جديدة بمنع التقاضي إذا لزم الأمر. لقد كانت الدولة تضع ذلك وتتقوى سياسياً على تسويغه للرأي العام، مستندة إلى رصيد ما كانت أنجزت من مكاسب وطنية تتعلّق باتباع سياسة تحرير مستقلة، تناوئ بها المستعمرين وتواجه بها الصهاينة وتبني بها اقتصاداً مستقلاً، ولكن هزيمة 1967 أضعفت هذا الظهور.

إن هزيمة 1967 كسرت المشروع السياسي الذي كانت ثورة يوليو اعتمدته ومارست تنفيذه وبناءه، ورغم الاستجابة السريعة والجادة للنظام السياسي في إعادة بناء الجيش وتسليحه وتدريبه، إلا أن النظام السياسي وأبنيته بقيت قائمة على ذات الأسس التي بنيت عليها هياكله، وظهرت ملامح التشقق في علاقته بقوى الرأي العام، وملامح تفكّك في أبنيته السياسية، وحدثت إضرابات الطلبة في فبراير 1968 بما لم يكن مثله مسبوقاً منذ 1954، واهتزت الشرعية السياسية للنظام.

وفي هذا الإطار، بدأت الوظيفة الكامنة للقضاء تحاول من خلال نشاطها القضائي اليومي في فضّ الخصومات بين الأفراد، بدأت توسع من ولايتها القضائية المنتقصة من خلال أحكام حاولت أن تناقش من بعيد مدى دستورية عدد من الإجراءات التي كانت أقرتها الثورة من النواحي السياسية والاجتماعية، وبدأت تمد نشاطها إلى خارج النطاق الذي كان مضروباً عليها من حيث منع التقاضي وإقرار النظم القضائية الخاصة.

ومن هنا تبدو الملاحظة التي حرصت على ذكرها في بدايات هذا الحديث عن مسلك ثورة 23 يوليو مع القضاء، ذلك أنها وإن كانت ضيّقت من نطاقه، وأنشأت محاكم خاصة، وإن كانت قيدت مجلس الدولة وتداخلت مع النيابة العامة ذات الصلة التقليدية بالسلطة التنفيذية، إلا أنها تركت القضاء ورجاله على حالهم تقريباً في النطاق الضيق المضروب عليهم، فكانوا كما لو أنهم في <<بيات شتوي>> ما إن ذاب الجليد من حولهم وتشققت بعض الجدران، حتى بدأ يتمطى ويتمدد مستشرفاً حيزه الذي بلغه في الأربعينيات والذي تحميه المبادئ الدستورية والقانونية التي بقي القانونيون يتثقفون بها. وبدا لنظام الحكم أن ترك الأمر على هذه الصورة لا تؤمن نتائجه ويستدعي القلق، من حيث بدء الحركات الشعبية ومن حيث تشقق جدار الشرعية القائمة، وهو في ضعفه الذي صار إليه تولد لديه الاحتياج للتكوينات المؤسسية التقليدية لتحمل أو لتشارك في حمل أعباء القرارات العامة.

وعندما احتاج النظام السياسي إلى مشاركة تتم من خلال القضاء وتشارك في إسناد شرعية الدولة وقراراتها، بدأ النظام القضائي على عكس المطلوب منه يتحرك حركة ذاتية وفقاً لأصل تكوينه القانوني والثقافي، ويميز نفسه باستقلالية تتراءى ويمكن أن يتفطن إلى ملامحها من كان في خبرة قيادة الدولة وقتها ومن كان في حذره وتوجّسه. لذلك ظهرت في الأفق محاولات لما سمّي بمشروعات الإصلاح القضائي، وكانت تحاول أن تجذب الجهاز القضائي إلى جوار التشكيل السياسي للدولة، حتى يمكن إيجاد الوسائل للتأثير المنتظم على القضاة، وجرى ذلك على أساس فكرتين، ظهر الترويج لهما:


أولاهما، بدأت أو بعبارة أدق قويت الدعوة إلى إدخال القضاة في الاتحاد الاشتراكي، وهو التنظيم السياسي الوحيد الذي أقامه النظام وقتها والذي صيغت فكرته السياسية على أنه يمثل تحالف قوى الشعب العاملة التي تمثلها الثورة.

وقيل وقتها إن انضمام القضاة للاتحاد الاشتراكي لا يعتبر اشتغالاً بسياسة حزبية، لأن السياسة الحزبية تفيد تعدداً لأحزاب تقوم بينها خصومات سياسية من واجب القضاة أن ينأوا بأنفسهم عنها، أما التنظيم الوحيد القائم الذي يمثل الشعب، فهو بعيد عن ذلك، وكان القصد فيما يظهر أن يندمج القضاة في الهرمية التنظيمية السياسية، بما لا ينضح فقط على فكرهم، ولكنه يؤثر في قراراتهم وأحكامهم من بعد. وثانيتهما، ظهرت فكرة <<القضاء الشعبي>> أي أن يكون من بين من تشملهم المحاكم ويجلسون مع القضاة في نظر الدعاوى، سواء الجنائية أو المدنية أو الإدارية، أناس يمثلون الشعب من غير القضاة، وقد يكونون من غير رجال القانون، لأنهم يمثلون الفكر السياسي والاجتماعي الذي يعبر عن مصالح الشعب وعن المرامي السياسية والاجتماعية التي تستهدفها الثورة والنظام السياسي. ولم يتحدد وقتها فيما أظن وفيما أذكر كيف تختار هذه العناصر غير القضائية وغير القانونية التي تضاف إلى القضاة المحترفين في محاكمهم وتشاركهم نظرهم الدعاوى والحكم فيها، ولكن الفكرة كانت تتداول لتجد من يؤيدها من بعد، ثم ينظر في التفاصيل التنظيمية لها. ولم تقم الفكرة في مجال الترويج النظري فقط، إنما وجدت لها بعض إرهاصات، أو تطبيقات مبكرة، في تكوين ما سمّي <<لجان فض المنازعات>> بين الملاك والمستأجرين في الأراضي الزراعية، وكان تشكيلها يشمل ممثلين للاتحاد الاشتراكي وللجمعية التعاونية الزراعية كما أن الفكرة عينها عاشت في السبعينيات في العهد التالي لنظام 23 يوليو، ووجدت أخطر تطبيق لها في 1977 عندما صدر قانون تنظيم الأحزاب السياسية، وشكل المحكمة التي تنظر في قضايا الأحزاب من القضاة الخمسة للمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة ومعهم خمسة من الشخصيات العامة، كما ظهر ذلك أيضاً فيما سمّي <<محكمة القيم>>، وهما أخطر تطبيقين من تطبيقات هذه الفكرة، ظهرا في العهد التالي لثورة 23 يوليو في النصف الثاني من السبعينيات، وبقيا إلى اليوم. المهم أن فكرة إدخال القضاة في الاتحاد الاشتراكي، وفكرة إدخال غير القضاة في أعمال القضاة، كلتا الفكرتين واجهتا مقاومة شديدة من القضاة، صداً وعزوفاً وتمسكاً بما صيغ به القضاء المصري من قبل 23 يوليو من أصول ومبادئ ووجه تثقيف، وتمسكاً بما كان عليه الفكر القانوني وإجراءات المحاكم ومبادئ الاستقلال والحياد المستقر في تكوينهم المعنوي. قامت المواجهة بين نظام الحكم وبين القضاء، فلم تعد الصيغة السابقة صالحة، وهي ترك القضاء على حاله مع الاقتطاع منه للمجال الذي يثير الاحتكاك، ولم يكن القضاء صالحاً ولا مهيأ لأن يقوم بدور تمليه عليه سياسة الحكم ولا كان بثوابته والغالب من أفراده مطواعاً فيما يتعلق بمبدأي الاستقلال والحياد اللذين تربوا عليهما. وقام القضاة بحركة شهيرة في ناديهم نادي القضاة، إذ أصدروا بياناً في 28 مارس 1968 ضمّنوه رفضهم للانضمام للاتحاد الاشتراكي ورفضهم لفكرة القضاء الشعبي. وكانت انتخابات نادي القضاة التي أسفرت عن نجاح كبير لهذا الاتجاه وعن فشل من كانت الحكومة تراهم مؤيدين لسياستها. وهنا وقع ما سمّي بعد ذلك <<مذبحة القضاء>> في آخر أغسطس1969، إذ صدرت ثلاثة قوانين حلّت بموجبها الهيئات القضائية جميعها، المحاكم ومجلس الدولة، وأعادت تشكيلها بعد أن أسقطت نحو 200 من أعضاء الهيئات القضائية، منهم رئيس محكمة النقض وبعض مستشاري محكمتها ونائب رئيس مجلس الدولة ومستشارون من محاكم الاستئناف وأعضاء من الدرجات الأدنى من جميع الهيئات القضائية.
ونقل بعض من أسقطت أسماؤهم إلى وزارات ومصالح أخرى، وترك البعض الآخر بغير عمل في أي جهة حكومية فاشتغل بالمحاماة. وأُنشئت المحكمة الدستورية باسم <<المحكمة العليا>> لمراقبة دستورية القوانين وإلغاء ما لا يتفق مع الدستور من أحكامها.
وصيغ هذا الأمر بطريقة تنبئ عن أن إنشاء هذه المحكمة كان كسباً قضائياً وتطويراً للوظيفة القضائية لمراقبة دستورية القوانين. ولكن طريقة إنشاء المحكمة واختيار أعضائها وجعل مدة العضوية فيها ثلاث سنوات قابلة للتجديد، وتفاصيل الأحكام الخاصة بها كشف عن أن المقصود من إنشائها كان في الأساس لحجب المحاكم المدنية والإدارية عن مناقشة دستورية القوانين واللوائح، وفقاً للمبادئ التي كانت أُرسيت من 1948 في هذا الشأن. ولذلك نصّ القانون على أن يكون النظر في دستورية القوانين اختصاصاً لهذه المحكمة <<دون غيرها>>.
وكذلك شكّل المجلس الأعلى للهيئات القضائية، برئاسة رئيس الجمهورية وينوب عنه وزير العدل، وضمّ إليه الرؤساء من رجال القضاء ومجلس الدولة، وكما ضمّ إليه من غير جهات القضاء كلاً من إدارة قضايا الدولة والنيابة الإدارية ويمثل كل منها رئيسها.
وصار هذا المجلس مما يربط شؤون القضاة بوزارة العدل بوصفها ممثلة للسلطة التنفيذية. هذه <<مذبحة القضاء>> جرت في 1969، وكانت تجربتها الأولى هي ما جرى في مجلس الدولة في 1955.
لم يذكر كثيرون ما حدث في 1955 عندما يتكلمون عن حدث 1969، وذلك لسببين يبدوان لي، أحدهما أن مجلس الدولة مع أهمية رقابته القضائية على أعمال الحكومة فإن صغر حجمه النسبي وحداثة العهد به وقتها لم يكونا ليجعلاه ممثلاً للقضاء بعامة، سيما أن القضاء المصري بهيئات محاكمه ونادي قضاته لم يحركا ساكناً بالنسبة لهذه الضربة التي رأوها تطير رأس الذئب وحده، والسبب الآخر أن إنجازات ثورة 23 يوليو فيما تلا ذلك من أعوام من النواحي السياسية الوطنية والاجتماعية، غطت على الحادث وطواه النسيان المتعمّد، أما حادث 1969 فقد أصاب الجسم الرئيسي للقضاء وفروعه، كما أنه جاء في ظل موجة انكسار سياسي فلم تفلح في تغطيته بقايا الشرعية السياسية المهتزة.
وقد كان هذا الإجراء من أشد ما عانت منه سمعة ثورة 23 يوليو ونظامها السياسي من بعد، وشُنِّع به على سياسات الثورة الإيجابية الوطنية لما أريد العدول عن هذه السياسات ولما أريد اتباع سياسات <<التقليل>> من الاستقلال الوطني والسعي إلى الوقوع في براثن التبعية للولايات المتحدة الأميركية، وأنتج هذا الأمر أثره، فإن الهجوم على نظام 23 يوليو فيما فعله بالقضاء المصري في 1969 كان هجوماً واجباً، وهو حق، حتى وإن كان أريد به باطل، ولقد أريد به باطل فعلاً. فقد استغلت <<مذبحة القضاء>> في التشنيع على جملة السياسات الوطنية التي كانت متبعة من قبل، وساعد على ذلك طبعاً شبح الهزيمة المخيم منذ 1967، وكانت خطة النظام لما بعد 1970 أنه استمرار سياسي واقتصادي لنظام عبد الناصر، وأنه لا مخالفة إلا في الرغبة في تصحيح عيوب نظام الحكم، والحقيقة أن نظام ما بعد 1970 بنى نظاماً سياسيّاً واقتصاديّاً نقيضاً لنظام عبد الناصر. ولم يبق منه ولا شكل استمراراً له إلا في نظام الحكم الفردي حتى الآن.
أي أنه هدم ما ادعى استبقاءه وأبقى ما ادّعى تصحيحه.

.
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه