lamalef.net
من أجل طرح
رؤى بديلة
والمسكوت عنه
  

لام الف دوت نت

 

بحب السيما أو نعيم يسخر من الانضباط

رجائى موسى

الاحتفاء بالسينما, هو احتفاء بالفتحة, بالعتمة الواعدة بالنهار, بالظلمة التى لا تفتأ أن تنفجر عن ضوء. هى شاشة المتعة بلا منازع, تظهر فجأة في حائط مظلم/أبيض وتختفى قابضة على ألغازها وسراديب دهشتها. تتوارى ولكن دون انمحاء, دون إغلاق. هى فرجة أو ثقب أو فتحة في جسد شهوانى يحتفظ بمشروطية اللذة. هى امرأة تعرف أين ثقوبها الأكثر بهاء ومواربة, الفتحات التى لا تحجب ولا تظهر عسلها دفعة واحدة. هى الثقب الذى تجرى وراءه الآلهة, الذى يفتن به نعيم ( الطفل الذى تقذف به السينما في ثالث أفلام المخرج المصرى أسامه فوزى؛ بحب السيما ) فيتحرك صوبه أو داخله، يلهو نعيم بلعبته، لعبة الصندوق السحرى, ينقر عليها فتندفع الصور متلاحقة أمام عينيه. طفل معلق بثقب أو بفتحة في صندوق أو في حائط. ربما تكون أولى هذه الصور هى ما نراها لمجموعة متحلقة في دائرة. يؤدى أعضاؤها طقوسهم وتراتيلهم. يبزغ هذا المشهد كأنه لوحة في حائط, يطل من نافذة ولا ينفتح نحو الداخل.ومن آن إلى آخر يعاود هذا المشهد حضوره, وكأن الفيلم يمضى على هذا الإيقاع المنضبط أو هذا الترتيل، هو نشيد الضبط الذى تتعاطاه كل الشخصيات. يذهب نعيم نحو صندوقه الذى تلقاه هدية من خاله أو أخو الأم, ربما يومىء إلى خط القرابة الأمومى. يذهب صوب حلمه أو صوب طفلة ترفع تجاه بصره مريلتها المدرسية لكى ينظر إلى فتحة صندوقها الخاص فيحلم عندئذ بالسينما, فيأتى صوت الأب, القانون, الواجب, الحقيقة, ليهدد ويتوعد, ليرشد ويعلم. يأتى الأب ليهدد بالعمى, إذا حدق الطفل ( نعيم) في ثقب لعبته/أو رحم أمه, وهو تهديد بالاخصاء " ويبقى خوف الطفل من أن يصبح أعمى, هو استعاضة عن قلق الاخصاء " ـ فرويد ـ فينسحب نعيم خلسة/حلما نحو أمه ويدخل في طقس استحمامها أو استمطارها ليهدأ قليلا على رائحة البخار المعتق برائحة المرأة الأولى.هذه المرأة التى امتثلت لصوت الطاعة والواجب الأبوى المقدس, الذى أحنت له رأسها, مرة بوصفها ناظرة لمدرسة, ومرة ثانية في الكنيسة وقبولها الزواج لتصير خادمة سيدها وتاج زينتها وذلك حسب التعاليم الكنسية القرووسطية!.هذه المرأة التى صارت توسوس نفسها بآليات الغلق؛ غلق أنبوبة الغاز, صنبور المياه, الشبابيك, القفص الصدرى لطفلها. جسدها في ملابس متهدلة وحالكة, شهوتها في لوحات مقلوبة, ومثبتة على الحائط, انتظام طوابير التلاميذ, توقيع مادة العقوبات المدرسية اليومية, مثلما رأيناها وهى تنظم الطوابير وتصدر تعليمات المؤسسة للأطفال. ولكنها في لحظة ما ترى ثقبا, أو يأتى من يزيح الغبار عن هذا الثقب. فقط يهيأ اللوحة للخارج / للرؤية. دخل موجه التربية الفنية وعبث باللوحة, وهكذا يحاول مرات عديدة في تخليص جسدها من الحائط, ولكنه لم يوفق كثيرا في مسعاه, فالضبط, على ما يبدو, قد احكم قبضته عليها. ربما هى اللحظة التى رآها ريتسوس, الشاعر اليونانى, لامرأة قبل نومها:

    رتبت البيت. غسلت الصحون
    كل شىء هادىء الساعة الحادية عشرة.
    خلعت حذاءها لتنام.
    تأخرت
    تلبثت عند حافة السرير.
    هل نسيت شيئا. بحيث أن يومها لا يريد أن ينتهى ؟
    ....................
    وبدون وعى, رفعت جوربها أمام المصباح. لتجد الثقب.
    إنها لا ترى شيئا.
    ومع هذا, فهى متأكدة أنه هناك ـ قد يكون في الحائط
    أو في المرآة.
نعم هذا الثقب في الحائط, سيأتي من يقلب اللوحة وينفض عنها المنظر الطبيعى الصامت. رجل هناك لا يحفظ وثيقة الانضباط, أو طفل يصحو بالليل ويذهب نحو جسدها ليداعبه بأنامل صغيرة ورقيقة ويقول لها ( أنت أجمل من اللوحات ).

سوف تنداح العتمة من الصندوق السحرى/السينما لكى تخلخل بنية هذا النظام الذكورى.سيصرخ نعيم في وجه أبيه:أنى أكرهك. وسيضربه في مركز قوته. في حضوره الأبوى وحقيقته المتعالية. سيصعد فوق المظلة التى صنعها النظام ورسم في باطنها قبة زرقاء وكتب عليها أعرافه ونواميسه, لكى ينجز شرخا أو ثقبا داخل هذه المظلة. لكى يبول هناك.

ثقوب أخرى, شروخات أخرى سيجرى إحداثها في هذه القبة الزرقاء؛ سوف يقبل ولد فتاته على سطح النظام ( عندما يتحرك الولد مع البنت ويصعدان إلى سطح الكنيسة ) سيحدثان ثقبا في المناطق الهامشية, الضعيفة. طفل يسأل أمه, هو الطفل نعيم أيضا, عن الهواء الخارج من فتحة الشرج, يسألها وهم مجتمعون في منطقة من الكنيسة أشد تقديسا ومراقبة من السطح. وامرأة تقطع سياق الكلام العادى/الاضطرارى, الذى ينتجه النظام ويغلف نفسه به, تقوضه بلغة فجة وخشنه وقاسية( ما قامت به أم نعمات ـ الفنانة عايدة عبد العزيز ـ أثناء الفرح من شتائم وسباب ). هذه الثقوب سوف تنزع الطابع الآلهى عن هذا الموقع، المؤسسة الدينية المسيحية هنا, وتعيده إلى دنيويته, إلى سياقه التاريخى المتعين. فلا يصبح بعد, هذا المبنى, متعاليا ومفارقا للحياة الاجتماعية ويستمد شرعيته وسلطانه من جوهر مثالى بل مندمجا في السياق اليومى للبشر ويستمد مشروعيته من الأرض, من الناس.

ومثلما تتسرب الفوضى إلى هذا الموقع الدينى عبر ثقوب دنيوية تحتفى بدنيويتها تحدث فوضى أخرى في مؤسسة أخرى من مؤسسات هذا النظام, مؤسسة التعليم أو الدعاية وهى المدرسة. وهى مؤسسة ضبط بالدرجة الأولى.بدءا من الطابور المنتظم وتقسيم الفصول وتمييز الأطفال حسب درجاتهم الدراسية وتصنيفهم إلى مجتهدين وكسالى, مؤدبين ومشاغبين, منتظمين ومتهاونين.....الخ.مرورا بنظام الحصص, وتوقيع العقوبات, والزى المدرسى الموحد, انتهاء بالامتحانات النهائية. أثناء الطابور, هو افتتاح الضبط ومقدمته الأساسية، تنفجر ماسورة المياه فيلهو الأطفال ويركضون بفرح طفولى حول بعضهم البعض, بشكل يصعب السيطرة عليه إلا بدخولهم مباشرة إلى فصولهم, قبلها كان موجه التربية الفنية, الذى اشرنا إليه من قبل, قد عطل أو سحب صوت الناظرة ـ نعمات ـ أو قائدة الضبط في هذه المؤسسة. وعندما نتحول نحو الفصول وندخل إلى حصة من الحصص المدرسية يطالعنا المدرس بهيئته الرثة, ورائحة التعليم الفاسدة, وكأنها وجبة فاسدة يوزعها النظام على أفراد كتيبته.

وتنتقل الفوضى إلى موقع آخر, العيادة الطبية, بوصفها المؤسسة العلاجية في صرح النظام العام. وهى منيطة بضبط أجساد الناس.وتلعب دورا أساسيا في إجراءات الانضباط كما يرى ميشيل فوكو في كتابه " تاريخ العيادة ".يدخل نعيم هذه المؤسسة ويسخر من تقنياتها العلاجية, ورموزها السلطوية, متمثلة في الطبيب, ويقلب العيادة رأسا على عقب, ويرمى بمفاتيحها نحو الخارج.

يتبقى لدينا موقعا آخر في هذا التشكيل الذكرى, وهو الأسرة. فالأب هو سيد الانضباط في هذه المؤسسة. عليه أن يحفظ أبجدية الضبط الخاصة بالأسرة, ورتق الثقوب التى قد تلوح في لباس قيمها, وعندما يرى أى سلوك من شأنه أن يخل بنظام البيت وترتيبه, عليه أن يقاومه ويعاقب مرتكبيه بما يتوفر لديه من صلاحيات.عليه أن يؤدى دوره كما تنص عليه المواقع الأخرى وتتشابك معه, أن يمتثل للمدرسة, وللكنيسة, وللعمل, وللعيادة, أى للدولة.وعندما يتهاون أو يتملص فحياته بلا شك عرضة للهلاك.وهذا ما حدث لعدلى عندما حاول التصدى لفساد مديره في المدرسة بوصفه اخصائى اجتماعى. فما كان من المدير إلا أن يوشى به لدى موقع آخر, يراقب كل مؤسسات الضبط العامة والخاصة ولا يتوانى لحظة في توقيع العقوبات. فيؤخذ عدلى إلى دهاليز هذا الموقع(امن الدولة) وتمارس عليه أعلى إجراءات الضبط, فيخرج وثمة ثقب قد ظهر على جسده, لقد رأى شرخا. فبدأ يفقد إيمانه لحظة بهذا النظام الذى ظل حريصا طول عمره حتى هذه اللحظة, التى تعرى فيها تماما, وانتهكت روحه بقسوة بالغة. هو الذى كان يطفىء النور لحظة الجنس مع زوجته, ولا يقربها أيام الصوم كما تقول تعليمات الكنيسة, ولم يسمح أبدا بدخول سيد الثقوب والشرور إلى بيته, التلفزيون, أو شاشة الغواية, السينما. فجأة يجد نفسه منتهكا ومخدوعا.وربما يذكر هذا بمأساة جوناثان نويل في رواية الحمامة لباتريك زوسكيند.لقد ظل جوناثان يعمل بجهد وبدون ملل, دون لحظة ضعف واحدة كى يحمى نفسه من الخارج, لكى يغلق جسده عن التلصص, فجأة يجد نفسه وفى أشد مناطق جسده حساسية معرضا لتيار من الإهانات " أوه.. تتملكه رغبة الآن في أن ينتزع مسدسه ليطلق النار في اتجاه ما........ربما في اتجاه السماء "هذا ما حدث لعدلى عند خروجه مهانا ومعذبا, ثم دلف إلى حانة وسمح لنفسه بتسرب الكحول إلى جسده, الذى كان مغلقا من قبل.لقد خرج عدلى من ثقبه أقل انضباطا واخف حيطة لذلك كان عليه أن يرحل, فالوهن الذى أصابه مؤخرا ينبىء بكارثة ما. ربما يفتح ثقوبا أخرى أو يتساهل مع خروجات أخرى على بنية هذا النظام, مما يقود إلى فنائه أو تقويضه. وهنا يربط الفيلم بين عدلى أب الأسرة وبين جمال عبد الناصر وهو ؟أب الأب, أو أب الدولة, وما عقب نكسة يونيو ورحيل عبد الناصر. كان على عدلى/ عبد الناصر أن يستقيل, أن يرحل لكى يحل محله أبا آخر, ربما يكون أشد فحولة وذكورة. يموت عدلى لتأتى نعمات وتمارس دور الأب الجديد. ويخرج الطفل, نعيم, من هذا الصراع الأوديبى بلغة سيجموند فرويد مجتافا ومتساميا الأب ترافقه لازمة عصبية هى علامة تمرده وتأزمه أيضا. ينسحب نحو عالمه الخاص, أو افتتانه بالعتمة, مثلما انسحب من قبله خاله من العائلة وذهب نحو حلمه. يظل نعيم يلاحق هذا الشق/ الشرخ الأنثوى, الذى يحمل في أركيولوجيته قوة انفلات لانهائية من الانضباط, من سلطة الأب, الحقيقة, القانون, الواجب. يظل هذا الابن البائس والضال يطارد ثقبا/ فنا لا يفتأ يرمى به بعيدا, نحو مكان لا موقع له, نحو اللامكان, في منأى عن البيت, المستشفى, المدرسة, الكنيسة, الدولة..........

من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه