lamalef.net
من أجل طرح
رؤى بديلة
والمسكوت عنه
  

لام الف دوت نت

 

كوكب هوليود

فرانكو موريتى

تسيطر صناعة الفيلم الأمريكية اليوم على السوق العالمية أكثر من أى وقت مضى. ولكن ما هى جغرافية قبضتها على الخيال الشعبى ؟
هذا ما سنتطرق اليه من خلال هذا المقال الذى حاول فيه فرانكو موريتى الإجابة على هذا السؤال، من خلال رسم خريطة عالمية لكل من أفلام :
الحركة والكوميديا والأطفال والدرامية ، وبعض النتائج المثيرة للاهتمام التى توصل اليها من خلال بحثه.
منذ فترة ، بينما كنت أعمل على البحث فى أسواق أدب القرن التاسع عشر ، اندهشت من مدى تمكن الروايات البريطانية والفرنسية من أن تتغلغل الى المستهلك الثقافى الأوروبى بمنتهى السهولة: فيقرأ مئآت الألآف من الناس نفس الكتب تقريبا و فى نفس التوقيت . و بَدا لى ذلك الى حد بعيد بمثابة بداية الصناعة الثقافية التى مهدت للتجربة التالية التى سارت على نفس الطريق ولكن هذه المرة فى أسواق الفيلم. وبدأت موضوعى بالبحث فى السجلات المنشورة فى مجلةVariety وسجلت قائمة بأفضل خمسة أفلام أمريكية حققت أعلى أيرادات فى كل سنة فى الفترة ما بين 1986الى 1995 ؛ ثم تطرقت الى الأسواق غير الأمريكية ، لتقييم مدى انتشار كوكب هوليود .
و فى هذه الجزئية استعنت بالمصادر التالية Variety international , screen international ، و عدد من الكتب السنوية ذات الصلة.

وبسبب تضارب وتعارض هذه المصادر فى بعض التفاصيل ، قررت ان ارسم خريطة ،أتطرق فيها فقط للدول التى وجدت سجلات كاملة لها على الأقل لمدة عامين ، حتى تصبح العينة أكثر مصداقية و إن كان للأسف سيجعلها غير متوازنة : فمن بين 46 دولة يتوافر عنها معلومات كافية (يوجد 25دولة منها فى أوروبا) ، وبالتالى فأن أفريقيا شبه غائبة تقريبا ، ومثلها الكثير من الدول الأسيوية ودول أمريكا اللاتينية و التوزيع السكانى الضخم فى الهند ، والصين ، وروسيا. وبالرغم من وجود فراغات كبيرة ، فقد وجدت نماذج وعينات مثيرة للاهتمام . أننى على أية حال كتبت هذه الصفحات فأقراها كما هى :كفرضية مبدئية يجب أن يتم اختبارها على نطاق أوسع مع توافر مجال أكثر دقة من البيانات.

الخريطة الأولى الأفلام الأمريكية كنسبة مئوية من أفضل أيرادات الخمسة فى الفترة 86-1995



تتناول الخريطة الأولى القوة المطلقة لهوليود : حققت الأفلام الأمريكية فى 24 دولة (المثلث الأسود) ما بين 75 الى 90% من أفضل أيرادات عن تلك الفترة ؛ وقفزت النسبة فى 13 دولة أخرى (النجوم السوداء) الى فوق 90% ؛ وووصلت فى خمس حالات الى 100%.
(وعندما قضيت عاما فى برلين ، قمت بتفحص أكبر أيرادات لعشرة أفلام أسبوعيا، وكان يوجد دائما على الأقل تسعة أفلام أمريكية فى قائمة أفضل الأيرادات ،هذا إن لم يكن العشرة ).
و كتب المخرج الطليعى البرازيلى "جلابر روش" فى الستينات ، يقول: "عندما يتحدث المرء عن السينما ، فأننا نتحدث عن السينما الأمريكية ...و فى الواقع فإن أى مناقشة عن السينما خارج هوليود يجب ان تبدأ بهوليود".
ولكن أولا ،سنتطرق بكلمات قليلة لهذه الدول (الدوائر البيضاء) حيث تواجه هوليود العقبات ، وحققت فيها أقل من 75% من أيرادات شباك التذاكر. تتمثل هذه الأمم فى: السويد و الدانمارك وهما محور الأمم الاسكندنافية ، وطبقا لأطروحة "ليفى جونسون":
فأنها منطقة تتمتع بهوية قومية قوية جدا حيث يتم نشر وتوزيع الروايات السويدية و الدنماركية و الأيسلندية والفاروسية فى دوائر متداخلة تماما. ونفس الشئ بالنسبة لجمهورية التشيك وصربيا وبلغاريا ، فهم يمثلون قمة انصهار جبل جليد شرق أوروبا.
فقبل عام 1989 حققت الأفلام الأمريكية فى التشيك أقل من 3% من أيرادات شباك التذاكر، وفيما بعد وصلت الى 76% .
ونرى نفس الاتجاه فى سلوفاكيا وبولندا ( وأستونيا و رومانيا و لكن بسبب شذوذ معلوماتهم ، لا نراهما فى الخريطة).
أما فى فرنسا فالقصة مختلفة ، فباريس كانت هوليود القرن التاسع عشر ، و كانت رواياتها يتم قراءتها وتقليدها فى كل مكان، حتى أنهم اخترعوا سينما هناك .
فلاعجب أنهم يكرهون هوليود الأخرى ، فلايوجد من يحب أن يتخلى عن رمز سيطرته ؛ ولكن أيضا لا يمكن لأحد أن يحتفظ بها بقوة الأرادة فقط .
وبالرغم من إن فرنسا تعرف كيف تحمى سوقها (والذى تم إغراقه بالأفلام الأجنبية مرتين: مرة فى العشرينات ومرة فى الأربعينيات و فى المرتين استطاعت فرنسا أن تستعيد سوقها) ، إلا أن موضوع منافستها لهوليود خارج الحدود الفرنسية أمر ليس مطروحا للنقاش أصل.
ففى الفنرة ما بين 86 و1995، تمكنت فقط أربعة أفلام غيرأمريكية من تحقيق نجاحا واسعا على المستوى العالمى وهم :
سمكة اسمها واندا ، وأربعة زيجات وجنازة ، والتمساح داندى، والأمبراطور الأخير ، أثنان منهما كوميديا بريطانية، و واحد كوميديا أسترالية، والأخير ميلودراما أمريكية-أيطالية.
ولم يكن من بينهم واحد فرنسى.
وفى الواقع لم يكن أى منهم مختلفا عن الأسلوب الهوليودى المعتاد.
أن الدول الأسكندنافية و أوروبا الشرقية و فرنسا كلها نظم فرعية متخلفة لا تمثل أى تهديد للهيمنة الهوليودية. والمنافسة الحقيقية موجودة هناك فى آسيا وبالتحديد فى هونج كونج. (وكما أشرت سابقا، لم أستطع الحصول على معلومات كافية عن المرشح الآخرالواضح لهوليود والمتمثل فى الهند). ففى العقد محل الدراسة استطاع فيلمين فقط أن يخترقا قائمة هونج كونج للأفلام الأعلى أيرادا، وهما Speed , Jurassic Park ، أما بقية القائمة فقد كانت أفلاما محلية.
كما إن لهونج كونج أيضا منطقة نفوذها الأقليمية المتمثلة فى:
ماليزيا، وتايوان، وتايلاند الى حد ما، ومن المحتمل باكستان و بنجلاديش و الصين (ولم تظهر بياناتهم على الخريطة لعدم كفاية معلوماتهم).
وبالطبع فإن مستقبل صناعة الفيلم فى هونج كونج غير واضحة: فربما تتوقف عن النمو بسبب الاتحادات و الاندماجات الكبيرة فى جمهورية الصين الشعبية ، وأما العكس أى أن تؤدى السوق الكبير الى ازدهار الأنتاج والإبداع. ومع ذلك استطاعت أفلام الجيل الأخير وما بعده( بدء من بروس لى الى جاكى شان و غيرهما ) اللحاق بأن تصبح ثانى أكبر مصدر للأفلام بعد هوليود . وتوضح خريطة رقم(2) التوزيع الجغرافى لأفلام الحركة والمغامرات .
[1] فمع عدم وضوح تقسيم انتشار هذا النوع من الأفلام داخليا ، والانتشار الواضح فى الخارج، فإن هذه النوعية هى الأكثر نجاحا سواء داخل أو خارج الولايات المتحدة( باستثناء أوروبا ).
والوجهة المثلى لمثل هذه النوعية خارج الولايات المتحدة، هى جنوب و شرق آسيا، فقد حققت هذه النوعية 50% من أفضل أيرادات العقد فى سنغافورة ، و55% فى كوريا الجنوبية ، و65%فى أندونسيا ، و67% فى تايوان وتايــلاند ، و80% فى ماليزيا ( وتوجد بعض المعلومات المتفرقة عن توزيع هذه الأفلام فى باكستان والهند و بنجلاديش تؤكد هذا النموذج).
يكمن خلف هذا الانتشار واحد من أهم ثوابت الجغرافيا الثقافية :
وهى أن القصص على أية حال تسافر أكثر سرعة من الأنواع الأدبية الأخرى. ففى الماضى البعيد منذ قرون مضت،عبرت الحكايات الهندية والعربية عبر البحر الأبيض المتوسط و حولت فى اتجاهات الرواية القصصية الأوربية ؛ واليوم يحدث نفس الشئ مع تتابع الأحداث المبهرة و الحركة السريعة (وغدا سيحدث نفس التغيير ولكن من خلال الفيديو جيم: حيث لا تتوقف الأحداث أبدا ويكون أهم شئ هو ماذا سيحدث بعد...).
والقصص تسافر جيدا، لأنها تتمتع باستقلال اللغة على حد كبير .
حيث يمثل النص الروائى والأسلوب والحبكة طبقات منفصلة ،و فى العادة يتم ترجمة الأحدث عن الأسبق .
(والمثال المفضل الذى اعتاد الباحثون الأدبيون استخدامه هو: "أن المرء يمكن أن يأخذ رواية ويحول الحبكة الدرامية الى باليه" .
وهذا ما يحدث تماما فى الكثير من أفلام هونج كونج).
و هذا الاستقلال النسبى فى الخط القصصى يوضح سر سهولة استغناء أفلام الحركة عن الكلمات ، و استبدالها بالمؤثرات الصوتية (أصوات متفجرات وطلقات رصاص و اصطدام و الصراخ ..الخ) ، و يساعد هذا الغياب اللغوى بدوره فى تسهيل الانتشار الدولى.
فى العشرينات كانت الأفلام الأمريكية تتمتع بالفعل بهيمنة عالمية:
والذى أعاقها لبعض الوقت كان اختراع الصوت الذى جعل اللغة عائقا قويا أمام استمرار هيمنتها، مما أعطى الفرصة للنهوض السريع لمختلف صناعات الأفلام الوطنية .
لذلك فإن إبطال اللغة فى افلام الحركة يمثل عاملا قويا فى تغيير اتجاه التيار مرة أخرى.

الخريطة (3 ) تتناول الأفلام الكوميدية


سجلت الأفلام الكوميدية فى الولايات المتحدة 20% من أفضل أيرادات لشباك التذاكر؛ وفى الأماكن الأخرى تكون نسبة النجاح أقل بكثير من ذلك (انظر الى شرق آسيا و البحر المتوسط ،أو الى النسب المئوية الواضحة فى الخريطة). على العكس حتى فى هذه البلاد التى توجد عليها (دوائر بيضاء) حيث تحقق الكوميديا الهوليودية نسبيا نجاحا أكثر، فأن الفرق بينها و بين الولايات المتحدة يكون عادة غير واضح. وهذه تمثل قاعدة أخرى تحكم الجغرافيا الثقافية :
فالكوميديا المتكلمة لا تسافر جيدا نسبيا. فبالمقارنة مع الأنواع الأدبية الفرنسية الأخرى فأن الرواية الكوميدية الأكثر شعبية فى القرن التاسع عشر The Roman Gai حققت توزيعا جيدا فى أوروبا. فعلى العكس تماما مما نراه الآن ، فالسبب الرئيسى فى هذا القصور يكمن غالبا فى عامل اللغة:
فالنكات والعديد من الأجزاء المكونة للكوميديا تعتمد الى حد كبير على دوائر صغيرة بين المُلقى و المتلقى، وهى أشياء تضعف بالترجمة ـ وفى الواقع فإن الأفلام الكوميدية استطاعت الوصول الى القمة فى معدل انتشارها العالمى منذ فترة طويلة، قبل عصر الصوت.
ٍبالأضافة الى عنصر اللغة توجد حقيقة أخرى و هى أن الضحك ينبع من أيحاءات صامتة مدفونة بعمق فى قلب المجتمع و خصوصيته الثقافية:
وأذا كانت هذه الأيحاءات تختلف عن ثقافتك فأنك لن تضحك عليها.
ومن المثير أننا عادة نربط بين الروح الوطنية والأحداث السامية الرفيعة ( مثل الجندى المجهول والعلم الممزق وميادين المعارك والشهداء...)، فالذى يجعل أمة تضحك أصبح شيئا مميزا وخاصا تماما مثل الذى يجعلها تبكى .
هذا إذا لم يكن أكثر تميزا، فى الواقع:
فأن الأهداف الرفيعة تعود للظهور بشكل قاسى لايلين من ثقافة لأخرى ، حيث تبدو العدائية الكوميدية أكثر خصوصية وتنوعا. كل الأمم الراقية تشبه بعضها ، يمكن أن نقوم كلنا بإعادة صياغة "أنا كارينا" ، ولكن عندما يصل الأمر الى الضحك ،فأن كل أمة تضحك على طريقتها الخاصة. ومن هنا فأن ضعف انتشار الكوميديا الهوليودية فى العالم، يكمن فى كونها أمريكية، أو بالأصح لكونها ليست برازيلية أو ليست فنلندية ...الخ.
ففى العديد من الحالات سجلت الأحصائيات ارتفاع نسبة التعاطف الشعبى مع الأفلام الكوميدية الوطنية فى البرازيل والأرجنتين والمكسيك والسويد وفنلندا وبريطاني واستراليا وهونج كونج .
كما نلمس هذا الأمر بشكل مذهل فى أيطاليا ، حيث تذهب أعلى الأيرادات سنويا (فى فترة العينة التى قمت على دراستها) الى فيلم كوميدى ( كما حدث أيضا بعد عدة سنوات ،حيث حقق فيلم "الحياة جميلة " نجاحا ساحقا ).
هذا الترسيخ ـ الذى بدأ فى الستينات ومن الواضح انه لن ينتهى أبدا ( لا بد أنه يوجد شيئا يمكنا من التعامل مع هذا المزج بين العدائية واللهفة التى تكون نفسية الضاحك، وهذا مطابق جدا للمنظومة العاطفية للكوميديا الأيطالية .
هذا وجه عابس لثقافة غير واثقة من موقعها فى العالم:
فأحدث الدول المتقدمة تظهر أسنانها بتعجرف لما تبقى من سنين الماضى ) أو هى أول البلاد المتخلفة عقدت العزم على انتزاع العرش من هؤلاء الذين احتلوا القمة فوقها.

خريطة(4) أفلام الأطفال


تمثل هذه النوعية من الأفلام فى الولايات المتحدة الأمريكية 25%من أيرادات شباك التذاكر،ولكنها أقل بكثير فى معظم الدول الأخرى ـ وأحيانا لا تحقق شيئا على الأطلاق( وسأتطرق لذلك فى حينه).
لكن النتائج الأمريكية تبدو مثيرة جدا فى حد ذاتها ، فبين كل أربعة افلام تحقق أعلى الأيرادات يوجد فيلم موجه للأطفال! يبدو هذا غريب جدا حيث أننى تفحصت أحصائيات سنوات طفولتى فى صفحات Variety عن سنوات 55 ،56، 1957 ، و قد كان يوجد عدد قليل جدا من أفلام الأطفال فى ذلك الوقت ، فالكرتون كان يأتى ضمن العشرة الأوائل أيام الكريسماس(حوالى أسبوعين فقط) فى مكانين مختلفين ، وأقول أثنين لأنه فى ذلك الوقت كانت السوق الأمريكية غير متوازنة حيث تتغير العشرة الأوائل من مدينة لأخرى .
ففى منتصف الخمسينات لم يدخل فيلم أطفال واحد ضمن القائمة السنوية للعشرين فيلما التى حققت أعلى أيرادات فيما عدا بعض الأستثناءت مثل فيلم "20ألف فرسخ تحت الماء" وفيلم "حول العالم فى80 يوم " ، و كلاهما كانا غامضين فى المعنى، وأستوحت فكرتهما من روايات القرن التاسع عشر الفرنسية .

اليوم أصبح أمرا روتينيا أن يتضمن العشرون الأوائل أربعة أو خمسة أفلام موجهة للأطفال، والسبب فيما اعتقد بسيط جدا: المال .
فهذه الأفلام أكثر نجاحا بسبب كثرة الأموال التى يتم أنفاقها على تسلية الأطفال. ولكن هذا الدخل الأضافى ليس متاحا فى كل مكان ، لذلك نجد انحراف التوزيع فى خريـطة(4) حيث يميل الغياب النسبى لهذا النوع الأدبى للتداخل مع فقر الدولة.
ولكن العلاقة المتبادلة ليست كاملة ،فهى لا تعتمد على ذلك أبدا (انظر الى: مصر أو بورتوريكا أو سنغافورة) ، ولكنها تبدو حقيقية بشكل كافى، وتعمل بشكل ناجح داخل الولايات المتحدة:
فعندما قمت بدراسة نوادى الفيديو فى نيويورك ،اكتشفت أنا وطلبتى أن نسبة حضور أفلام الأطفال فى هارلم وبرونكس تتراوح بين 3-8%، ، وتراوحت ما بين 10-19% فى الجانب الغربى والجانب الشرقى، أى أعلى بثلاث مرات .
أن لفظ "أفلام الأطفال" ليس دقيقا ، بالطبع هو يشير الى الجمهور و ليس الفيلم ـ والجمهور علاوة على ذلك هو محل جدل .
فبشكل عام لا يذهب الأطفال الى السينما بمفردهم ،فالبالغون يجب أن باخذوهم ، ومن هنا تنشأ مفارقة صغيرة ، وهى لمن يجب أن يوجه الفيلم للبالغ أم للطفل؟
وفى مواجهة هذه المشكلة ، قدمت سينما الخمسينات قصص الجنية الصريحة مثل:
( سندريللا، وسنو وايت ، وحتى فانتازيا) ، أو روايات جول فيرن Jules Verne (والتى حققت نجاحا أفضل من قصص الجنيات :
وهذه تمثل إشارة أخرى الى أن هذه السوق موجهة للكبار.
ولكن اليوم تقارب الشكلان و امتزجا داخل هجين واحد يجذب الصغار والكبار على السواء مثل أفلام:
أى تى ، والأرنب روجر، والعودة للمستقبل، وسلسلة أفلام حرب النجوم، وأنديانا جونز ، وغيرهم . وقد صممت هذه القصص لنوع بشرى جديد من الأطفال الأذكياء و الكبار المتصابيين، آلههم هو ستيفن سبيلبرج (وبنينى هو نبيهم: ففيلم "الحياة جميلة" ـ ماذا يريد الكبار المتصابين من الأطفال أن يعرفوا عن أوشفيتز) .
ويصف برونو بيتلهيم الوضع قائلا:
فى فيلم عقب الأخر من(Jaws ,Close encounter , Jurassic Park ) وصولا الى التفاصيل الغريبة لـGirl in red و قائمة شندلر)، لم يختار سبيلبرج قصص يكون فيها الأطفال و الكبار متورطين سويا بشكل ما فقط ، ولكن أيضا يكون فيها الغموض و الالتباس المسيطر على حياة البالغين مرهونا إبطاله برغبة الطفل فى الأستقطاب. وأفضل مثال على ذلك هو شندلر نفسه ؛ فهذا محتال الرايخ الثالث يتحول الى محسن و يعرض فرصة لا تصدق لدراسة التناقضات فى الوجود التاريخى .
لكن سبيلبرج ليس مهتما بدارسة و فهم الأشياء المعقدة ، و فى يديه يتحول هذا النوع خارج دوستوفسكى أو بريخت ،ليصبح لاشئ البتة.
وهكذا فإن انتشار الكوميديا الأمريكية منخفض تقريبا فى كل مكان ، وتحقق أفلام الأطفال انتشارا فى المناطق الثرية، وتنتشر أفلام الحركة فى جنوب و شرق آسيا .. كل نوع له منطقته المفضلة ونموذج توزيع مختلف و هذا الاختلاف تحديدا هو الذى يجعل الجغرافيا الثقافية مفيدة (فلو كانت كل الأفلام توزع فى كل مكان بالتساوى ، ستكون هذه الخرائط بلاهدف:
فالخرائط تحتاج لعدم توازن ،فهى ترسم من خلال عدم التوازن).
وعدم التوازن موجود لأن كل منطقة فى العالم تمثل نظام بيئى ثقافى خاص، و هو يميل الى انتقاء نوع واحد و رفض الأخر ، يختار واحد لأنه يرفض الأخر :
فمثلا لو نظرنا الى خرائط أفلام الأطفال و أفلام العنف جنبا الى جنب فأننا سنجد مصادفة مثيرة بين قوة الأخير و ضعف الأول :
فكولومبيا و جامايكا و المغرب و تايلاند و ماليزيا و أندونسيا و كوريا الجنوبية ـ كلها حاضرة فى جداول العشرة الأوائل التى يغلب عليها أفلام الحركة و تقل فيها جدا أفلام الأطفال. نفس الرسالة نجدها فى خريطة(5) حيث نجد أعلى عشرة دول تقل فيها أفلام الحركة و تكثر فيها نسبة الأفلام الدرامية :
سبع دول أوربية (البرتغال و اسبانيا و سويسرا و النمسا و بلجيكا ولوكسمبرج و النرويج) موجودة فى كلا القائمتان فى حين أن خمسة من الست الدول الباقية أيضا توجد فى أوروبا.

[2] ونرى هنا الجانب الداروينى من الجغرافيا الثقافية : الأنواع الأدبية التى تحارب بعضها للحصول على مساحة سوقية، تحارب للحصول على موارد السوق المحدودة لتحصل على مساحة واحدة بنجاح ، و أذا حدث هذا فأن الأنواع الأخرى ستواجهها كل أنواع العقبات. وفى محاولة لشرح النماذج الجغرافية الكبيرة فإن الحالة المعزولة نادرا ما تكون كافية:
فيمكن توضيح قوة أو ضعف شكل أدبى معين من خلال النظر فى النظام الكلى للمتغيرات فى العملية و هذا يرجعنا الى النقطة الأخيرة.
لقد شهد القرن التاسع عشر انتشار أوروببا للروايات الأنجلوفرنسية ، أما القرن العشرون فشهد انتشارا عالميا للأفلام الأمريكية.
وردود الفعل على هذه السوق العالمية المتمركز؟
إن أى نقاش حول صناعة السينما خارج هوليود يجب أن يبدأ بهوليود (كما قال روشا) و يجب أيضا ان ينتهى فى هوليود.
هنا يعرض تاريخ الرواية مثالا مثيرا ، فعمل روبرتو شوارتز على الروايات البرازيلية كشف أن قوة نماذج العاصمة Metropolitan Models له تاثير ثنائى على ثقافة المنطقة المحيطة. فقبل كل شئ، هو يُولد اختلاف بين الشكل (الأجنبى ) والمضمون (المحلى):
فلا شئ أكثر برازيلية من هذه الروايات نصف المطهية و يواصل شوارتز عرضه مؤكدا إمتلاء هذا النوع من الروايات بالكثير من عدم التناغم و التناقضات .
و يصف ماساو ميوشى الروايات اليابانية الحديثة أنها برنامج المستحيل ، و نفس الشئ يقال فى كل مكان .
[3] ففى حالة الأدبيات الأقل قوة ـ والتى تعنى تقريبا كل الأدبيات داخل و خارج اوروبا ـ فأن استيراد الروايات الأجنبية لا يعنى أن الناس تقرأ الكثير من الكتب الأجنبية فقط، و لكنه يعنى ايضا أن الكُتاب المحليين أصبحوا غير واثقين من كيفية كتابة رواياتهم الخاصة.
فقوى السوق تٌشكل الاستهلاك و الأنتاج أيضا :
فهى تضغط لصالح نوع روائى معين .
و لكن ليس هذا هو كل القصة ، حيث استطاع "ماتشادو دى أسيس" أخذ العيوب التناقضية فى الروايات البرازيلية و حولها الى أسلوب روائى برازيلى رائع. فى كل مكان أدى الصراع ضد السلطة الرمزية لأوربا الغربية الى ظهور نماذج للتغيير مثل الروايات المعتمدة على الأفكارالروسية ، وعلى الواقعية السحرية لأمريكا اللاتينية ،أو( الحالة المختلفة الى حد ما لجيل كافكاوجويس). بالرغم من ذلك لاتزال هذه الاستثناءات التى أحدثوها كافية لأظهار القوة المنافسة فى عمل من خلال نظام الأدب العالمى . فدراسة الشكل و البنية للتخلف أمرا وارد فيه الكثير من المفآجات.
وفى الفيلم هنا ، فأن عكس اتجاه التيار ربما يكون أسهل ، خاصة أذا وضعنا القيود الاقتصادية فى الاعتبار من تكاليف الأنتاج واحتكارات التوزيع وممارسات الأسواق الأجنبية .
ولكن إعادة البناء النقدى لتاريخ الفيلم وحاضره ستقدم فى النهاية حلا أو إجابة .
فبالرغم من وجهة النظر المنهجية إلا أن النقطة الحرجة تكمن فى تلك التى عرضها كريستوفر برندرجاست فى عرضه لكتاب جمهورية الأدب العالمية للكاتب باسكال كازانوفا:
عندما تحاول أن تفهم النظام العالمى للثقافة ، "فأنك تفتقد بشدة الى وجود وصف عام واحد، وهذا هو قدر النظام العالمى للثقافة " .
[4] وهذا بالطبع صحيح على نفس المستوى بالنسبة للدليل الكمى الذى استخدمته فى دراسة المخرجين على المستوى الفردى ،أو بالنسبة لأنواع الفيلم :
أن الحل يقبع فى تعدد الطبقات الوصفية والتوضيحية وربطها سويا فى سلسلة من التفاصيل التحليلية الناجحة ( كما يقول برندرجاست ) . فإذا كان من المحتمل أن الله يوجد فى التفاصيل ، فإنه من المؤكد أن فهمنا للثقافة يوجد فيها ( أى التفاصيل).

الهوامش :

[1] هذه الخريطة والخرائط التالية ستجعل من استخدام أنواع الفيلم نقطة محل جدل ، حيث أن بعض النقاد يؤمنون بوجود مثل هذه الأنواع ، فى حين لا يعتقد الأخرون بوجودها.
وبدون الدخول فى جدل عام حول هذه النقطة ، فإننى أنتمى للمجموعة الأولى بل أننى أشد إصرارا عندما يتعلق الموضوع بأنواع الأفلام :
فإذا تصفحت الجريدة أو تمشيت داخل متجر لشرائط الفيديو فأن واقع أنواع الفيلم سيقفز اليك بمنتهى الموضوعية ، حيث ستجد إن الفيلم يتم بيعه على أساس تصنيف هل هو كوميدى أم من نوعية أفلام الجرائم الغامضة أوالخيال العلمى ...الخ؟ .
والتصنيف هنا ليس متعلق بتسلية الوقت ولكنه متعلق بمنتج صناعة السينما نفسه الذى يعطى للفيلم تميزه وبصمته ويدفعك لشراء تذكرة السينما لتشاهده . وبالنسبة للتصنيفات التى ساستخدمها فلقد استعرتها من قسم واحد من صناعة الفيلم نفسه - متاجر الفيديو .
لقد اخترت متاجر مستقلة فى جرينويتش فاليتش و متجر بلوكباستر وكاتلوج المسرح للفنون الحية ، ولكننى قللت التصنيفات الى أربعة أنواع شاملة ( الحركة ، والكوميديا ، والأطفال ، والدراما ) ثم شرعت فى تطبيق هذه الأنواع فى دراستى .

[2] أننى أدرك أن عنوان "دراما" ليس مناسبا تماما ، فهو يبدو مثل فكرة الأطار الزجاجى الذى تم تصميمه ليضم كل الأفلام التى لا يمكن وضعها تحت التصنيفات الأخرى ، ولكن يوجد نقطة هنا مناسبة تماما فالدراما تحوى مكونات مسرحية قوية جدا ( وربما يفسر هذا سر تميزها فى أوروبا حيث لا يزال للمسرح حضورا ثقافيا رئيسيا ): فالجو المحيط فى الفيلم محدد دائما، مثل المسرح ، فمثلا فى فيلم فورست جامب يتحرك البطل كثيرا، ولكن الفكرة المهيمنة الرمزية كانت فى حواره مع نفسه وهو جالس على المقعد فى الأتوبيس .
فالدراما مثل المسرح تركز على اللغة ومشاكلها ، كما فى :
فورست جامب ، والشبح ، ورجل المطر ، والرقص مع الذئاب ( والفيلمين الأخيرين كلاهما مترجم عن رويات عالمية ).
[3] أنظر فى مقالتى عن "توقعات الأدب العالمى" فى العدد الأول من Left New Review فى يناير-فبراير 2000.
[4] "مفاوضة الأدب العالمى " فى العدد الثامن من Left New Review، مارس-أبريل 2001.


ترجمة عبير الفخرانى

نشر هذا البحث فى العدد التاسع من نيو ليفت ريفيو ـ مايو /يونيه 2001
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه