lamalef.net
من أجل طرح
رؤى بديلة
والمسكوت عنه
  

لام الف دوت نت

 

حاجتنا الى استراتيجية اشتراكية جديدة

قراءة ثانيةفى أحداث يناير1977

أحمد صادق سعد
" البركة فى اللمة "
مثل شعبى

" واسـأليلى كل عالـم فى بلادنـا
كــل بـرج وكـل مدنــه
وكـل صاحــب من صحابنا
وكـل عيـل مـن ولادنــا
حد منهم شاف علامة من علامات القيامة
قبـل ما تهـل البشايـر يوم 18 يناير "؟
( فؤاد نجم )

تقديم

يزداد التوتر حدة فى منطقة الشرق الأوسط ، ومصر منها . وثمة من الأسباب الداخلية ما يزيد عن عوامل غليان الأزمة فى بلادنا . وتجربة لبنان وتجربة السودان عبرة لمن يتعظ إذا أبصر .
وقد أنسى الكثيرين تلاحق الاحداث و تقلبات الاحوال انتفاضة يناير 1977 رغم ما أثارته من جدل عنيف و متشعب فترة قصيرة بعيدها . وبقيت هذه الأحداث فى انشاء الدوائر الحكومية و لدى المتسترين وراءها - أو قل أغلبهم - من فعل التحريض الإجرامى لقوى متآمرة من الماركسيين الذين يعملون فى الظلام . وفى نظر الحركة الماركسية نفسها واغلب الدوائر المعارضة الواسعة ، بقيت تلك الأحداث رد فعل تلقائيا لاستفزاز السياسة الحكومية . وفى كلتا الحالتين تكون الجماهير الحضرية التى صنعت تلك الأحداث يومين كاملين أو يزيد فى ما يربو على عشر مدن رئيسية - بما فيها العاصمة الكبرى - نقول تكون الجماهير عبارة عن " كومبارس" فى مسرحية ليست من تأليفها ، ونكرات انتابتها حالة من التيه أو فقدان الوعى أو " الهلوسة ".
وغرض هذه الدراسة التأكد من عدم صحة هذه المقولات الشائعة ، ومحاولة تفهم لماذا اتخذ تلك الأحداث الأشكال التى تحققت ، و البحث عن العلاقة بينهما و بين السياق الذى احاط التحدى وردود الفعل المختلفة .
و كانت الانتفاضة حدثاً استثنائياً ، وإن كانت وقعت أحداث متشابهة و لكن على نطاق محلى و أصغر كثيراً خلال السنوات العشر السابقة . ففى الاوقات العادية تقبل الطبقات الخاضعة مصيرها بصورة أساسية أو فى الجوهر ، ويعتبر هذا القبول أمراً مسلماً به و من حسن الاخلاق " والادب " بديل أن الذى يثار عادة هو الاصلاح ( وان كان كتكتيك من طرف الجذرين ) . واذا كانت العلاقات الاجتماعية المقرة و المقرة تأتى بالغرام على الطبقات الشعبية و بالغنم للقلة المسيطرة فالأولى تمارس احتجاجها على ما تعتبره تجاوز الثانية فى حقها ، وذلك من خلال أساليب داخله فى النسق و جزء من تركيبة العضوى ( التقاضى ، التهرب و التحايل ، الشكوى الى الدولة فردية أو جماعية ، الشكوى لله ). وأما إذا كانت تغيرات عميقة فى المجتمع وقعت على نطاق واسع ، فقد تنعكس فى هبات تخرج الطبقات الشعبية بها من اسار الهيكل المؤسستى و اما أن يترتب على ذلك اقامة هيكل آخر يختلف عن الأول كثيراً أو قليلاً ، واما أن يتمكن النسق القائم من استبعاد الهبة بطرق شتى ، و ليس القمع الا احدها ، إذ قد تستحدث طرق جديدة .
ووقوع الهبة دليل على أن القائمين بها أدركوا بصورة اوضح - ولو عابرا - حالة الحرمان التى يتحملونها وأنها ظالمة من حيث الكيف و ليس من حيث الكم فقط ،وان بأيديهم فرصة ما للتغيير . فاحداث يناير 1977 لم تكن فى حجم الاحتجاج فقط ، وانما كانت اشكالاً من التحدى ، كفت فيها و بها مئات الالوف عن خضوعها المعتاد ، وسحبت تعاونها المخزى للآليات الجارية فى المجتمع ، وتسببت فى كسور و تفككات هيكلية . وكانت المشاريع البديلة للشأن القائم اما منعدمة أو موغلة فى الغموض ، مع وجود أكثر من بديل فى نطاق الوضع القائم (أى مع وجود أكثر من لا " بديل " واحد ) . الامر الذى مكن اطراف ذات سلطة وقدرة على التدبير من اعادة الاحوال إلى ما هو أقرب إلى الظروف السابقة للهبة .

ولكن هذا لا ينفى من ناحية اخرى أن أحداث يناير 1977 اشارت إلى حالة ارتفع فيها وعى الجماهير من الناحيتين الاجتماعية و السياسية . وهذا ما يوضحة أحد الابحاث الصادرة عن اكاديمية الشرطة ، حيث رأى كاتبوها أن بالهبة خروجاً عن السلبية وأن بها " الجماهير بدأت تعبر بشكل ايجابى عن موقفها من قرارات السلطة ". كما أن تعليقات العديد من الصحف الأجنبية اعتبرت تلك الاحداث أمراً اقرب على الثورة واشد اهمية من حريق القاهرة عام 1952 ؟ . و تثير انتفاضة يناير 1977 قضية اخرى ، مرتبطة بالسابقة المتعلقة " بالوعى " و نقصد قضية التنظيم فالاعتقاد السائد فى الحركة الماركسية المصرية أن فعالية الحركة الجماهيرية ترتبط طرديا دائماً و بصورة مطلقة ، بدرجة تنظيمها ، أى انتظام المشتركين فيها فى هيئات مهيكلة ، ذات قاعدة و قيادة ، ولائحة مكتوبة أو عرفية توضح العلاقات المقننة بينهما الخ . وان عدم توافر هذه الخصائص فى حركة 1977 ساعد على اعتبار احداث العنف نتيجة للاستفزاز أى اعمالا ذات وعى متدن . هذا فى نفس الوقت الذى تؤكد الحركة الماركسية المصرية الدور الحاسم للحركة الجماهيرية فى صنع التاريخ من الناحية النظرية ، وتؤمن على التغييرات الجوهرية التى ترتبت على ثورة 1919 مثلاً ، من الناحية العملية . ومع ذلك فلا شك ان هبة 1977 لم تنجح فقط فى إلغاء قرارات رفع الاسعار بالجملة ، وهزمت - ولو مؤقتاً - ضغوط البنك الدولى وواشنطن و العواصم النفطية لالغاء ، الدعم ، بل كانت من العناصر الرئيسية التى حكمت تطور الاحداث التالية ، من زيارة القدس إلى كامب ديفيد على سبتمبر 1981 واغتيال السادات .

فالانتفاضة كانت تدل على أن الاشكال المعروفة فى مصر مما يسمى بالرأى العام - وأغلبها سلبى - قد تتنقل إلى التحدى المباشر رغم فقدانها الصفة التنظيمية ، ولعل هذا الاحتمال مازال يثقل على كافة التوازنات الاجتماعية و السياسية الحالية . ان قوة الانتفاضة لم تكن فى تنظيمها ، ما دام مفتقدا ، وانما فى اثرها المفكك للنواميس المقررة للنسق المؤسستى القائم . وعلى العكس ، فجل التنظيمات القائمة ، كلها ، وسواء كانت جماهيرية واسعة شكلاً ( النقابات العمالية ) أو أقل اتساعاً وانما معارضة ( النقابات المهنية ) بل و سياسية ( أحزاباً ) لم تكن أكثر من بؤر من افراد مبعثرين على سطح المحيط الهادر عندما وجدوا ، وهذا لا ينفى الدور الذى لعبته تلك التنظيمات بدرجات مختلفة فى تقديم بديل فكرى خارج عن التكييف الذهنى المهيمن الذى تمارسه الدولة فى مصر ، إذا كان النشاط الماركسى من العوامل التى هيأت الظروف المواتية للانتفاضة . ولكن تلك التنظيمات - بالقطع - لم تكن من العناصر الرئيسية التى أعطت الانتفاضة تلك القوى الصدامية الطويلة الاثر فى الميدان السياسى . ولم يكمن ذلك الاثر السياسى فى التنظيم الجماهيرى اذن ، وانما فى التعبئة الجماهيرية . وفرق بين الاثنين وإن كان فى إستطاعة بؤر منظمة نشطة أن تأتى باسهام فى تلك التعبئة . احتوت هبة يناير 1977 على اتجاهات و استهدفات سياسية شتى . وكانت من بينهما المطالبة بالغاء قرارات زيادة الاسعار ، وهو الاتجاه الذى نجح من حيث أن السلطة تراجعت يوم 19 من القرارات القيسونية . و لكن الهبة هزمت فى اتجاه آخر من اتجاهاتها وهو المتجه نحو النظام السياسى القائم ساعة ذاك . ولا شك ان الهزيمة عادت الى التفوق الحربى و التنظيمى لقوات الجيش التى دخلت فانهت الأمر ولكن هذا لم يكن الامر الوحيد إن لم يكن السبب الأدنى فعالية أيضاً . و سبقت الاشارة على ان الحرك تضمنت مشاريع مختلفة كان أكثرها وضوحاً و تحديداً المشروع الاحتجاجى المطالب بالغاء القرارات القيسونية . وكانت المشاريع الاشد غموضاً ترددا تلك المستهدفة القضاء على النظام السياسى الساداتى و ايجاد آخر مقامه . كان هذا النظام الاخر البديل ضبابياً ، تظهر احيانناً فيه معالم النظام الناصرى و لكنه فى أغلب الاحيان اقرب إلى حلم التخلص من الدولة القاهرة أى ذو محتوى فوضوى بالمعنى العلمى للكلمة , وقد وقعت الهزيمة الحربية بالتحديد بعد أن كف المشروع المحدد عن كونه محركاً للنضال مع قرار إعادة الاسعار إلى ما كانت عليه قبلاً . وأصبحت المجموعات المتبقية التى قاومت القوات الحكومية حتى فجر 20 يناير مستمرة فى رد هجوم فقط ، أى دون أمل فى الوصول إلى المشروع الحلم .

وسوف نشير فيما بعد إلى بعض الظروف الموضوعية ، الاجتماعية الاقتصادية التى تقدم شيئاً من التفسير لبعض اعمال النهب و السرقة التى ارتكبت أثناء الهبة .

ولكنا نود الاشارة هنا إلى أن طبيعة التكوين الجماهيرى للأنتفاضة من الناحيتين السياسية و التنظيمية جعلت قائمة الامكانية أن يدخل فيها عناصر غوغائية .
غير أن ما سمى " بالأعمال التخريبية " لم يكن فى الأغلب الأعم يعود إلى عناصر معتادى الإجرام فقط ، بقدر ما كان تعبيراً عن موقف طبقى عام وواسع وعن تبنى أشكال خاصة من القتال المادى و النفسى .
و ثمة القرائين على أن هذه بدورها لم تكن مستوحاه بالضرورة من تلك العناصر الغوغائية أو منها دون غيرها ، بل أن مخزوناً كبيراً من أمثالها كان معروضاً فى الترسانه الفكرية و الممارسات العملية لعناصر الصفوة الساداتية ذاتها ، بل ولأوساط الشرطة و قوات الأمن و المباحث و السجون ، وهى التى يحتك بها الشعب افراداً و جماعات كل يوم . فاساليب البطش الاعمى و التعسف والاستبداد بلا قانون أو معيار من أخص خصائص أجهزة الدولة لدينا بحيث أن الانتفاضة ، إذ ملكت ساعات أزمة المدينة ، قلدت فى تعاملها مع ما يقف دونها الاساليب التى مورست عليها وقد خالفت الانتفاضة نموذج السير الأمثل للحركة الثورية كما تتصورها آمال البعض حقاً . ولكن السير الواقعى الذى صار توقف على ظروف محددة فى زمن تاريخى عينى وعلى شكل لرد الفعل على تلك الظروف كما خضع لها فى الوقت نفسه .
وبطبيعة الحال إذن ، فالأفضل أن تتم محاكمة ما وقع لها فى ضوء الأهداف و الأشكال التى يحددها المرء فى ذهنه بل على أساس ما كان ممكناً تحققه فى تلك الحالة وما كان المطلوب لذلك .

2- القاهرة : الخلفية الأجتماعية

-------------------

أنتفاضة 1977 حركة حضرية ، لماذا جرت فى المدن الكبرى دون الريف .

ويجب علينا أن نبحث عن أسباب أشكالها الخاصة فى مميزات التحضير المصرى . وسوف نكتفى هنا بالأشارة إلى بعض ما يتعلق بالقاهرة ، وهى التى كانت مسرحاً للأحداث الأهم من حيث الحجم و طول الزمن ، وإن كان من المحتمل أن تلك التى وقعت بالأسكندرية أتصفت - فى حوادث معينة - بمستوى أعلى من التحدى للنظام القائم ومن حدة الأحساس الطبيقى .
كان عدد سكان القاهرة يزيد قليلاً على مليونين فى 1947 فوصل إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف عام 1960 وتسعة ملايين فى تعداد 1976 .
وأن هذه الزيادة السريعة تعزى إلى حركة التصنع أيام الحرب العالمية الثانية ثم فى ظل الناصرية ، وكذلك إلى انتشار التعليم و خاصة الجامعى .
وأن الدخول بالعملة الصعبة التى حققتها العمالة المصرية المهاجرة أتجهت أيضاً فى معظمها إلى القاهرة حيث الأسواق الكبرى للكماليات و تجارة السوق السوداء .
وإذا كانت القاهرة شهدت نهضة صناعية - وخاصة فى ضواحيها المحيطة ( شبرا الخيمة ، إمبابه ، الجيزة ، الحوامدية ، حلوان ..إلأخ ) حتى أواخر العهد الناصرى - فإن القطاع الثالث ( الخدمى فى ميادين التجارة و المال و الترفيه و الخدمة الإجتماعية الحكومية ) قد أتسع فيها أيضاً بوتيرة سريعة ، بل بمعدل أسرع فى ظل السادات .
وجمع سكان القاهرة بين الطبقة العمالية الصناعية والاجراء فى الميادين الاخرى ، و الموظفين الحكوميين و طلبة الجامعات و المدارس الثانوية ...إلخ .
ومع كل التحديث الذى أصاب القاهرة ، فأنها تظل فى معظمها مدينة شرقية أى مركزاً ادارياً و دينياً . ومع كونها مكاناً كبيراً للنشاط الإقتصادى ، فهى قبل هذا مسرح سياسى ، يتقرر فيه كل يوم مصير مصر كلها . فينزح إليها الناس بحثاً عن الوسائط و الاتصال بمن فى يده الأمر ، خاصة بعد أن أشتد تمركز السلطة فى العاصمة فى ظل عبد الناصر و السادات معا .
ولكن الفعل السياسى ليس باتجاه واحد فقط . بمعنى أن هذا التركيز السكانى المتعلق بمركز السلطة يلعب ثانية دوراً ضاغطاً عليها بحيث يكون لسكان القاهرة وزن أكبر نسبياً من سائر المصريين فى حسابات الحكم و تعطى لهم أفضلية على حساب الباقى .
و خلال الفترة 1966 - 1967 إلى 1978 ، ارتفعت تكاليف المعيشة فى الحضر بنسبة 112.6 % فى حين كان الارتفاع فى الريف 138.4 . أى اعلى بما يقرب الربع .
وبعد أن كان تفوق الحضر على الريف قد خفت حدته فى ظل عبد الناصر ، عاد يشتد فى عهد السادات . وفى وسط التفوق الحضرى تتفوق القاهرة على المدن الأخرى : فمجموع ما أنشئ فى مصر فى 1983 - 1984 من المساكن 160 ألف مسكن ، خص القاهرة وحدها 85 ألف مسكن .
غير أن هذا المركز المتميز الذى يتمتع به الحضر عموماً - القاهرة على الخصوص - لا يعنى أختفاء التمايز الطبقى داخل المدن ، بل على النقيض .

ففى القاهرة أصحاب مئات الملايين فى حين أن بها جماهير تعيش تحت حد الكفاف أو الفقر . وتتضخم هذه المدينة الكبرى بفعل الزيادة الذاتية كما بفعل الهجرة .
وصافى الهجرة عبارة عن ناتج عملية مزدوجة من النزوح منها و النزوح إليها بحيث يصل مجموع غير المستقرين بالقاهرة إلى ما يقرب من نصف عدد الثابتين بها ، الأمر الذى يضفى سمة عدم الأستقرار على هؤلاء السكان عموماً . والأغلبية الكبرى من المهاجرين إلى القاهرة أبناء لصغار الفلاحين ومن المتعطلين أو اشباههم . وقد يجدون عملاً غير منتظم فى البناء و الحرف الصغيرة فلا يستقر و ضعهم الإجتماعى وينظر إليهم على أنهم فى مستوى ادنى . ويتجه المهاجرون إلى الإقامة فى الأحياء القديمة ( وبعضها متدخل أو قريب من الأحياء الجديدة الغنية ) و الضواحى الحدودية للقاهرة ، فيقع فيها إنفجار سكانى .
وكان متوسط الكثافة السكانية بالقاهرة 25000/كم2 ولكنها تصل إلى 118000 فى روض الفرج و 143000 فى باب الشعرية ، فى حين أنها تتراوح بين 7000 و 9000 / كم2 فى الأحياء الراقية مثل قصر النيل و المعادى ( عام 1973 وكان متوسط الكثافة 3 أفراد بالغرة الواحدة فى القاهرة الكبرى ( عام 1974 )، و لكنها كانت أقل من فرد واحد فى الأحياء الأعلى مستوى مثل الزمالك ، ولذلك كانت مشكلة السكن الثانية فى الأهمية بعد الغذاء .
وبرنامج الإسكان الحكومى يؤدى إلى تكاليف سكنية لا قبل بها للأسر المنخفضة الدخل .
واتخذ نظام السادات بشكل خاص سياسة طرد سكان الأحياء القديمة الفقيرة و المركزية الموقع لبناء الأبراج الحديثة فيها فانتقلوا للعيش فى الخيام أو مساكن الأيواء المؤقت فى الأطراف ذات المستوى غير الآدمى وإلى المقابر حيث إقامت الألوف ، وفى حين توجد عشرات الألف من الشقق الخالية المغلقة أنتظاراً لفرض الربح ، وتنشأ عشرات الفنادق الفاخرة للسياح ، تعيش 85 ألف أسرة فى عشش أو خيام أو أكشاك فى 1976 . ويحتفظ المهاجرون بعلاقاتهم بالريف لأنها تعينهم على المعيشة و تشكل نوعاً من الحماية الإجتماعية لهم ، خاصة وأن التنظيمات النقابية و الإجتماعية و الخيرية لا تلعب دوراً يذكر فى وضع المهاجرين إلى القاهرة ، على عكس علاقات القرابة و النسب و المحسوبية الأقليمية .

ومن الملفت للنظر أم المهاجرين ، بدلآً من أن يستوعبوا فى الحياة الحضرية كخط عام ، ينجحون فى فرض أسلوبهم الحياتى على قطاعات واسعة من سكان المدينة .
ومع النظام الساداتى الأشد انحيازاً إلى الأغنياء ، عانى الفقراء من مشكلة حادة فى وسائل النقل العام . فانخفض عدد الأتوبيسات من 2190 وحدة عام 1972 إلى 1372 عام 1977 فى حين زاد عدد السيارات الخاصة من 80559 ، إلى 133599 ، وعدد سيارات الأجرة من 14487 إلى 29359 فى القاهرة الكبرى . وهذا فضلاً عن طفح المجار و إنقطاع المياه و الكهرباء و انهيار المساكن .
وبطبيعة الحال تقف الطبقة العمالية الصناعية فى القاهرة على رأس النضال ضد الاستغلال الرأسمالى، ولها سجل حافل من الأضربات و المظاهرات لتحقيق المطالب المعيشة المشروعة و كفاحاً من أجل التحرر الوطنى و الديقراطية السياسية أيضاً .
ورغم استيعاب النظام للنقابات الرسمية ، فقد استطاعت الطبقة العمالية أن تخوض المعارك بنجاح فى سنتى 1975 ( حلوان ) و 1976 ( عمالة النقل ) كما أن الإعلان عن تأسيس الحزب الشيوعى المصرى مرة ثانية فى 1975 توافق مع إضراب عمالة النسيج بالأسكندرية الذى ألقى القبض فيه على 150 عامل . وقد تأكد المركز الطليعى للطبقة العمالية فى أحداث 1977 أيضاً حيث بدأـ مظاهرات القاهرة من مصانع حلوان ، وفى الأسكندرية من الترسانه البحرية .
وعاصمة مصر مدينة فيها أيضاً المهمشون العديدون . فتعداد 1976 يسجل فيها ما يقرب من 8000 متعطل سبق له العمل ، و 11200 متعطل جديد 53000 - " زاهد فى العمل " ولا يذكر هذه التعداد أشباه المتعطلين أو الذين يعملون جزءا من الوقت أو أياما معدودات ، لا الاسبوع أو الشهر كلهما .
و القاهرة مدينة تجاوز فيها الدكاكين الصغيرة الورش الكبيرة و المصانع . وفيها حوالى 200000 يعملون لحاسبهم ولا يستخدمون أحداً منهم 7600 تقريباً من الأميين . وحوالى 5000 يعملون لدى الأسرة بدون أجر نقدى ، منهم أكثر من 3000 أمى . وإذا كان التعليم المهنى و الثانوى و الجامعى قد حظى باكبر الاهتمام و العناية مراعاة للطبقات الوسطى والاعلى فإن التعليم الإبتدائى و الاعدادى أتيا بعد ذلك فى ترتيب الأولوية ، مثلما حدث على نطاق القطر عموماً . ورغم أن القاهرة عاصمة البلاد و أكثر المدن المصرية تقدماً و تحديثاً ، الا أن عددا كبير من الأطفال و الصبية و الأحداث يقومون بنشاط اقتصادى ، وان كان هو الأخر ذا ألوان خاصة و مهمشاً بدرجة كبيرة .
أن عدد الذين يعملون لحسابهم و لايستخدمون أحداً من سن فوق 6 سنوات وأقل من 12 قد زاد بين 1966 و 1976 من 370 إلى 702 ن ومن 981 إلى 2617 لمن بين 12 و 15 سنة ، ومن 5629 إلى 12189 لمن بين 15 و 20 سنة ، وكذلك لم يزل فى عام 1976 من الفئة العمرية الأولى 8269 ومن الفئة الثانية 27683 ومن الفئة الثالثة 93767 يعملون بأجر نقدى .

فى حين أن الذين يعملون دون أجر نقدى ( سواء لدى الأسرة أو لدى الغير ) قد زادوا بشكل خاص بالنسبة للذين بين 6 و 15 سنة . واشتمل التعداد على 25322 طفل فى بند المتعطلين وعلى 37020 - طفلة فى بند المتفرغات لأعمال المنزل .. ويلاحظ أن عدد كبيراً من هؤلاء الأطفال بين 6 و 15 سنة يعمل فى الخدمة الإجتماعية و الشخصية ، ثم فى الصناعات التحويلية . ومن بين الحداث بالقاهرة ، عدد من الأميين يقرب من الربع مليون و من الذين يعرفون فقط القراءة و الكتابة ما يربو على 400000 فرد .
وقد بلغ عدد الأحداث الذين تم القبض عليهم فى حوادث الشغب فى يناير 1977 ( 325) حدثاً ، وهو أكبر عدد يقبض عليه من هذه الفئة العمرية فى مظاهرات سياسية أو إجتماعية . ولكن ، إذا تأمل المرء الأرقام السابقة ، وجعل فى ذهنه ذلك العدد الكبير من النشيطين إقتصادياً من الأحداث فى القاهرة ، لوصل إلى النتيجة أن اشتراكهم فى أحداث يناير 1977 لم يكن عن تيه وقلة عقل ، بل عن وعى حاد بالتمايز الطبقى وعن رغبة مشبوبه فى الخروج على الأوضاع التى يغبنون فيها أشد الغبن و يقهرون أظلم القهر . وذلك لأنهم ليسوا فقط أفراد فى المجتمع بشكل غير مباشر ( بالاحتكاك بالأهالى ) بل بصفة أصلية أيضاً وأن كانت جزئية .
ومن هنا ندرك ما تشير إليه التقارير الرسمية من صدور الأحكام ضد آلاف الأحداث سنوياً بتهمة التسول وجمع الاعقاب و القمار و الدعارة و المبيت فى الطرقات وهى أحكام ذات دلالة على خروج الأحداث على المجتمع بشكل فردى " وانحرافى " فى حين أن اشتراكهم فى إنتفاضة يناير 1977 بصورة واسعة كان خروجاً على النظام بشكل جماهيرى و سياسى .
فإذا كان الخروج على القانون و المجتمع الرأسماليين القائمين يعتبر فى أغلب الدوائر الرسمية " إنحرافاً " شبيهاً بالمرض النفسى فهو فى الحقيقة رد على القهر الإجتماعى بأسلوب فردى .
وهو ينتشر بشكل خاص فى الأوساط الواقعة فى أسفل السلم الاجتماعى ، إذ أن الطبقات الأعلى منها مستوعبة المؤسسة القائمة .
وأن العديد من السمات الإجتماعية العامة و المتعلقة بالقاهرة لم تكن عام 1977 جديدة كل الجدة على العاصمة . فإن المظاهرات العنفية و الهبات التلقائية الواسعة أمر معروف فى تاريخها . وليست الجماهير المشتركة فى تلك الهبات مجموعة من المجرمين أو المنحرفين عقلياً ونفسياً ، وأن وجدت بينها عناصر تتخذ الخروج على القانون حرفة . وإنما الأغلبية الكبرى من الطبقات الكادحة وإن كانت نسبة هامة فيها من الفئات الأشد فقرا و المهمشة نوعاً ما . و يمكن الملاحظة أن الأشكال الغوغائية للتحدى ( مثل النهب عند اشعال النار فى الممتلكات ) كانت أشد ظهوراً عندما اختلطت الغضبة الطبقية والسياسية بمشاعر الاستفزاز الدينى والأخلاقى ( مثل الهجوم على النوادى الليلية بشارع الهرم).

ولكن الصفة الغالبة لم تكن هذه بل كانت تصرفات التحدى الجماعية ، اساسها الاقتناع عند المشتركين فيها أنهم يتحركون كاعضاء فى جماعة معبرين عن رفضهم لطاعتهم السابقة و امتناعهم أمام محاولة أعادتهم إليها . وإذا كانت هذه التصرفات الجماعية لم تكن ذات تنظيم منضبط ، فلوجود تلك النسبة العالية الخدمى الصغير ومن حديثى الهجرة من الريف ، أى من الذين لا يعرفون الانضباط الصناعى الحديث وهو الأساس الذى أعطى للحركة شكل الزلزال غير المحكوم فى نفس الوقت الذى كان يعطيه قوة الزوبعة . وقد أعتبر هذه الحركة إجراماً لدى الدوائر الحكومية ، شيئاً من السذاجة العقلية أو من تخلف الوعى لدى دوائر أكثر تقدماً . ولكن هذا وذاك كان تجريداً للآحداث و التصرفات من ظروفها الموضوعية . وحتى فى أحوال الهجوم الأخلاقى على الغنى الفاحش باسم الإسلام فقد كان الاستمساك بالدين حاملاً لنوع من الطبقية الشعبية .

3- الخلفية السياسية التاريخية للأنتفاضة

--------------------------
فى حين أن اليسار كله حمل النظام الساداتى مسئولية الأسباب العميقة التى أدت إلى الهبة ، وجهت الأجهزة العمالية للسلطة الاتهام إلى التغيرات الفكرية و السياسية التى طرأت فى ظل عبد الناصر . وفى تقديرنا أن أنتفاضة بمثل ذلك الحجم و تلك الخطورة تضرب جذورها إلى ابعد من الأسباب القريبة و كذلك أبعد من الأسباب المفجرة المباشرة . فهى نتاج تطوير شامل للاحداث ولالتقاء عناصر عديدة وعلى مدى اطول .
لقد تكونت الأغلبية الساحقة من المتظاهرين من شباب واحداث يترواح تاريخ ميلادهم بين السنوات الأولى للعهد الناصرى و سنوات الأخيرة . وقد شهد هذا العهد من التطورات و التقلبات و السياسات ما كان يستحيل غل يترك أثار عميقة على ذلك الجيل . فإن الاصلاحات الزراعية و التأمينات و الحروب ضد القوى الاستعمارية الكبرى ، و الحديث المباشر للجماهير و بلهجتها عن الحرية و العدالة و الكرامة و الاشتراكية و الاستغلال الطبقى و المساواة قد دفع إلى مسرح الأحداث بجماهير غفيرة كنت تتوارى من قبل فى السلبية أو مجرد الرفض ( إذا استثنينا أحوالاً شاذة ) .
و الهزيمة السهلة ظاهرياً التى لقيتها الطبقات المالكة الكبيرة السابقة من المصريين و الأجانب اصابت قدسية الملكية الفردية الكبيرة بالشك فى معيارها الأخلاقى ، كما اثارت الارتياح الشديد فى قدرة أصحابها على الانتقام و الردع و العقاب عند الاعتداء عليهم ، وفى كلمة ، فقد كان لتلك النواحى من العهد الناصرى أثر كبير فى جعل الجماهير الواسعة تفقد شيئاً من اقتناعها بأن الظلم الذى عليهم قدر وحق .
وأن ننسى فلا ننسى استخدام العهد الناصرى للدين تأكيداً على سلامة سياسته ( التحالف مع الإخوان ، الدوائر الإسلامية فى فلسفة الثورة ، و المؤتمر الإسلامى عام 1955 ، الإسلام و الاشتراكية فى مجتمع البحوث الإسلامية ، القمة الإسلامية ..الخ )، وهو ما كان يوفر حججاً فكرية شديدة الصلابة على ذلك النوع من الثقة بالنفس الذى اكتسبته الجماهير . وقد اتبع السادات سياسة طويلة المدى فى أنقلابه على الخط الناصرى . إذ ظل هو الآخر يتحدث عن الاشتراكية ، وأحياناً بالطريقة المبتذلة الفجة التى تثير خيال الذهن البسيط ، إلى بعيد 1977 . إذ لم يحارب تلك المفاهيم الثورية فى مواجهة واضحة . فقد ترك لها مجالاً للبقاء و الفعل . ومن أطرف الأمثلة على ذلك ، ما نشرته مجلة روز اليوسف فى عددها الصادر فى 17/1/1977 لحديث مع المدعى العام الإشتراكى أنور حبيب حيث قال :" سأقطع خبر اللصوص فى هذا البلد ! سأذهب إلى المحكمة لأفضح أمام الشعب الذين يسرقون قوته ! لن اقبل أن ينهبها أحد باسم " الملكية الخاصة "! وشن الرجل هجوماً ضارياً على كباريهات شارع الهرم وروادها منذراً من يخرج على حسن الآداب و القيم و الذين يديرون بيوت الدعارة . وكان لأستخدام السادات للإسلام وتذكيرة بمعدل الخلفاء الراشيدين شئ من نفس الأثر . ولن أكد بشكل خاص على أبراز قيم القناعة و الاستسلام و قبول الآمر الواقع فى التراث.
ومن ناحية أخرى ، فقد كان العهدان الناصرى و الساداتى ملبئين بالأنقلابات المفاجئة و الحروب و بعقد التحالفات الجيدة و حلها داخلياً و خارجياً ، وسجلها يطول ذكره ، حتى تباهى السادات " بالصدمات الكهربائية .." التى يحدثها . وكان لهذا الاضطراب المستمر فعل الاثارة الواسعة و توتير الأجواء و اشاعة نوع من الانتباه ( وأحياناً اليقظة ) عند الطبقات الشعبية ، الأمر الذى جعلها سهلة لتحرك و المجتمع و الاندفاع . ولا ينفى هذا استمرار العناصر الدافعة إلى السلبية ، فكانت النتيجة مختلطة معقدة
. ولكن هذا لم يكن كل شئ . اذا احتوت المراحل الأخيرة للعهد الناصرى على سياسات و نتائج عملية تعارضت مع المبادئ المرفوعة اعلاما فى التصريحات و المواثيق الرسمية ، الأمر الذى أشاع قلقاً متزايداً ، ووسع دائرة التوتر السابق ذكره من منبع جديد ، وعميق الهوة التقليدية الموجودة فى مصر بين الحاكم و المحكوم مرة أخرى . ولن نخوض فى الأسباب الموضوعية الذاتية لهذا الوضع المتناقض ، ولكن تكقينا الاشارة إلى هبوط نصيب الأجور فى الناتج القومى الزراعى ابتداء من 1967 /1968 . وان الأخذ بالخطة الخمسية قد يوقف بعد تنفيذ الخطة الأولى و الوحيد ، وأنه بعد هزيمة 1967 ، أتخذ النظام الناصرى خطأ فيه تحول عن السابق ومنه الارتباط بالدول العربية المعتدلة ( قمة الرباط فى سبتمبر 1969 )، و الخطوات الأولى فى " الأنفتاح " من حيث حيازة العملية الصعبة و الهجرة إلى الخارج وإحضار السلع الإستهلاكية من الخارج ، " وإصلاح " القطاع العام ، تأسيس شركة جديدة للأسواق الحرة ، واعطاء مسئولية و سلطة أكبر لرئيس مجلس الإدارة فى القطاع العام ، وتشجيع القطاع الخاص و فرض ضرائب و تضحيات جديدة على العاملين ، وهذا فى نفس المرحلة التى كان يصدر فيها " بيان 30 مارس " .
ومع مجئ السادات زادت الأحوال تدهوراً ، إذ بدأ يهبط نصيب الأجور من الناتج القومى فى الصناعة منذ سنة 1975 بشكل واضح . بالأضافة ، فقد أخذت تكاليف المعيشة ترتفع بسرعة جنونية . ويصيب الغلاء الفئات الشعبية الدنيا سحقاً ، وخاصة تلك المكونة من أشباه المتعطلين و المهمشين الذين رأينا من مشاكل العمل و السكن و المواصلات . و لعله كان من المستطاع أن تستمر الجماهير الحضرية - و القاهرة منها - فى تحمل البؤس و الحرمان و المعاناة ، لولا فجور طبقات القمة و تباهيها بنهمها ولولا عمليات الكشف و الفضح ( أحياناً لاغراض النفاق و التضليل ) التى مارستها وسائل الأعلام الرسمية بهذا الخصوص . فقد كان الناس يشهدون و يسمعون عن الثروات التى يجمعها الحكام الكبار و يقرأون لحسنين هيكل عن التحف التى يأتى بها من الخارج زعماء الاشتراكية الناصرية .
وقد صرفت 35 مليون جنيه على شراء السيارات المستوردة فيما بين 1972 - 1975 فى نفس الوقت الذى تتحدث الصحف فيه عن " القطط السمان " ويعقد رئيس الجمهورية قران كريمته على أبن المليونير عثمان أحمد عثمان فى بذخ يذكر بألف ليلة وليلة و تنشر الصحف صور الأبهة فى أوائل يناير 1977 .
فقد كانت التحويلات التى بدأت من بعد 1965 -1966 وأطلقت الطبقة الجديدة من عقلها لم تمح من ذهنها الرعب من التأميمات و المصادرات ، ولا طمأنتها حقيقة على زوال خطر الأحداث الثورية المحتملة فى المستقبل القريب . فألقت بنفسها فى ملذات الثروة السهلة و المزيد منها بشدة أكبر ودون مراعاة للمظاهر الأخلاقية الاولية لأقتناعها أن وضعها الممتع لن يدوم طويلً . وبرز فى هذا المجال اصحاب الثروة النفطية ، و العديد منهم يأتون إلى مصر للسياحة و الترفيه فيبذرون اموالاً طائلة فى الموبقات .
وتعرف على الخفى فى المجتمع النفطى مئات الالات من المهاجرين الذين عملوا هناك .. وبهذه التصرفات ، كانت الطبقة الثرية إنما تنزع عن أعين الجماهير العريضة البقايا الباقية من الاحترام للغنى الفاحش . وملأت القاهرة الرويات عن الثروات المجموعة بالأجرام و المصروفة فى الإجرام ، ولذلك فى أقرب الدوائر لمركز السلطة . فأضافت مزيداً من الكراهية والاحتقار إزاء القمم .

وفى هذه الأحوال التى تزداد أزمة وتوتراً يوماً بعد يوم ، وتنذر بأحداث جسام اتبعت السلطة سياسة التصريحات الوردية واخفاء نواياها الحقيقة بطريقة تثير التساؤل فى ذهن من يطلع اليوم على الصحف يناير 1977 . فتثبيت الاسعار و تحسين اوضاع العاملين ( 1/1/1977 ) ، وتوفير الغذاء و الكساء للجماهير و تثبيت الاسعار ( 2/1 ) ، و التمسك بالحل الاشتراكى (7/1) و توفير وجبة غذائية جاهزة رخيصة ( 10/1 ) ، وضبط قرارات تحريك الاسعار ( كذا فى 16/1) وعلاوة إضافية لجميع العاملين من أول يناير وزيادة المعاشات 10% (17/1 ) ،و 92 مليون جنيه لاصلاح أوضاعه العاملين ، 98 مليون جنيه للعلاوات الاضافية وزيادة المعاشات واستمرار دعم السلع الرئيسية ( 18 / 1 ) . فهل كان أولئك الذين يمسكون بدقة الحكم من السذاجة بحيث اعتقدوا أن هذه التصريحات يمكن أن تخفى الواقع المثير ؟ أم كان جزء من الوزارة فى واد ، لا يدرى ما يبيته الجزء المخدر بحيث كان لابد من أن تكون افاقته عند قرارات يناير 1977 غضبة مضرية .

وقد جاءت هذه الافاقة فى ظرف قومى عام فى مصر جدير بالألتفات إليه " فقبل 1956 كان بقاء القضية الوطنية دون حل حجة قوية فى أيدى الذين برروا قمع المعارضة و قهر المحرومين بأسم الوحدة الوطنية ضد المستعمر أولاً . و قبل 1973 استخدم السادات هذه الجملة لمحاربة الحركة الشعبية و المعارضة الديمقراطية و التقديمة ، رافعاً شعار " لاصوت يعلو على صوت المعركة ".
ولكن حصول مصر على درجة كبيرة من الأستقلال الفعلة فى ظل عبد الناصر كان لابد من أن يدفع إلى المقدمة بمطالب الجماهير المعيشية ، ويشحذ موقفها الطبقى . وكذلك ، فاستسلام النظام الساداتى المتزايد اذاء الاستعمار الامريكى والاملاء الاسرائيلى جرده من ذلك السلاح الذى اراد أن يسكت الشعب و يهدد الطبقة العمالية خاصة ، الأمر الذى أعلى بدوره الصوت الطبقى علوا على علو .
إذ أتخذ الحركة المصرية طبيعة جماهيرية متزايدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، فقد اشتد عود هذه الحركة منذ أواخر العهد الناصرى ولا نقصد هنا فقط المظاهرات المعارضة للأحكام على ضباط الطيران ، بل نشير أيضاً إلى المظاهرات المؤيدة لعبد الناصر فى يونيو 1967 وفى جنازته فى سبتمبر 1970 .
فمهما كانت الشعارات المرفوعة حينذاك و التأييد الجارف فيهما ، الا انهما كانتا دليلاً على شدة التعبئة الموجودة ، وأن هذه التعبئة - وهذا هو المهم بالنسبة لموضوعنا - تلقائية . وهذا ما تؤكده أيضاً احصائية شبه رسمية لحوادث العنف التلقائى الجماهيرى فيما بين 1966 و 1974 و التى بلغ مجموعها 392 حادثة ( وقد اطلقت الصحافة الرسمية عليها أسما مخففاً للاطمئنان هو " الحوادث المؤسفة") .
ويتضح من بحث المركز القومى للبحوث الاجتماعية و الجنائية لها أنها كانت متزايدة طوال هذه الفترة واشتملت على هجمات على الشرطة وحرق مبانى أقسامها و الاتحاد الاشتراكى و بعض المصالح الحكومية و منشآت القطاع العام . وكأنها كانت تجارب تمهدية متناثرة لإحداث يناير 1977 وقال وزير الداخلية أمام مجلس الشعب فى 16/1/1977 ما يؤكد الاوضاع المتفجرة التى هيأت ليومى 18، 19 يناير : إذ قال عند مناقشة حوادث مدينة بيلا " أن بعض الجرائم فى الفترة الأخيرة اتسمت بمظاهرو العنف (.....) وقع اعتداء على بعض مواقع الشركة من قبل أشخاص غير مسئولين (...) وهناك بين الجماهير تشبه حالة الوتر المشدود " (الابراز من عندنا ) .
ولا يتعارض اشتداد العنف فى الحركة الجماهيرية مع ازدياد أتساع الموقف السلبى الجماهيرى من السلطة و تنظيمها . ونذكر بشكل خاص الابتعاد عن الاتحاد الاشتراكى و مقاطعة هياكله وحركته ، ومقاطعة الانتخابات و الاستفتاءات ففى تلك الظروف لم يكن الموقف السلبى من السلطة مناقضاً لاستعمال العنف فى الهجوم عليها / بل كان الأمران متتامين يعبران عن نفس الرفض . والفرق بينهما أن الحركة ذات العنف فيها التحدى للدولة و الثقة بالنفس و الجرأة فى حين أن الموقف السلبى فيه مقاومة موازية خفية و خائفة .
وقد استعملت السلطة ازاء هذا الوضع سلاحين . الأول السيطرة على التنظيمات الجماهيرية و استيعابها فى الجهاز الحكومى فى نفس الوقت الذى كانت تفرض عليها فيه قيوداً يبدو الافكاك منها . وسار فى هذا المضمار العهدان الناصرى و الساداتى على السواء ، واعتمدا كلاهما على تراث ورثة من العهد الملكى الاستعمارى ( قانون الاعتراف بالنقابات العمالية قوانين " تنظيم " الجمعيات الأهلية ) .
ولكن هذا السلاح مكن السلطة فقط من الامساك برقبة ما هو منظم ، و يتقييد تلك العناصر الطليعية التى تعتقد بفعالية التنظيم رغم كل شئ . وهى تمثل أقلية صغيرة ، فى حين أن الاغلبية الكبرى و الساحقة غير منظمة و غير مقنعة بالتنظيمات الرسمية ، فهى بالتالى خارج القبضة الحكومية من هذه الناحية .
و السلاح الثانى كان القانون القمعى . وهنا أيضاً لمصر تاريخ منذ أن بدأ القانون الوضعى فيها من أيام محمد على ( لائحة الفلاح) . ولكن النظامين الناصري و الساداتى أضافا إلى التركة السابقة من تفانين التشديد مالم يطرأ على خيال الملوك ولا المستعمرين ( التعديلات والاضافات على الماد 98 من قانون الجنايات وعلى قانون الاحكام العسكرية و الطوارئ ، ومواد الدستور القمعية ..ألخ ) . ولاشك أن للبطش قدرة على فرض نوع معين من الهدوء . ولكنه فى الوقت نفسه لا يترك متنفساً للضغوط الناتجة من الغليان الداخلى . وهكذا كان للقمع القانونى دور مع العوامل الأخرى لكى تتوجه الجماهير الشعبية الفقيرة و عناصر المعارضة الخارجة عن إطار النظام نحو السكة الوحيدة الممكنة ، سكة الأنتفاضة . وقد عرفت القاهرة أنتفاضات وهبات أخرى من قبل ، ومن أعنفها حريق القاهرة فى يناير 1952 ، ثم أقربها هى مظاهرات 1975 . ولكن انتفاضة يناير 1977 كانت لها خصائصها الخطيرة و البالغة الأهمية . ذلك أن حادثة حريق القاهرة كانت محصورة بالعاصمة ، فى حين أن ما حدث فى يناير 1977 بالقاهرة كان فقط نموذجاً واسعاً عنفاً لما وقع فى عدد من عواصم الأقاليم و مدنها ، أى أقرب إلى ثورة المدن المصرية .
وكان حريق القاهرة أشبه بالأنفجار الفوضوى غير محدد الهدف السياسى الا شتاتا فى بعض اللون الوطنى المعادى للصهيونية و الدين ، فى حين أن أحداث 1977 كانت موجهة ضد النظام القائم وسلطته وحكومته بصورة أساسية . وكانت مظاهرات 1975 أيضاً ذات طابع إجتماعى سياسى . ولكن مستواها كان دون مستوى مظاهرات 1977 بما لا يقاس . وتساعدنا هذه المقارنة على وضع أحداث 1977 كنتيجة تاريخية لتجارب سابقة ، ولكنها على درجة أعلى من الأهمية و الدلالة .

4- أوضاع السلطة

فى وجه هذا التحفز الشعبى و التوتر الحضرى خاصة ، الذى عبر عن نفسه أكثر من مرة فى " الحوادث المؤسفة "، كانت أوضاع السلطة الساداتية قبيل أحداث 1977 مفككة و مهتزة ، على رأسها مجموعة سياستها فى حل المشاكل ، عبارة عن " الهروب أماماً ".
خرجت السلطة الساداتية من شرنقتها الناصرية من خلال سلسلة من الصراعات الداخلية العنيفة و التحالفات السياسية و الفئوية و المؤقته التى سرعان ما تنفك بعد تكونها ، دون أن نتمكن مع ذلك من وصول إلى الوحدة أو التجانس الداخلى ، وحتى قبيل الأحداث ، كانت قوى كبرى تتصارع مع مجموعة الساداتية الضيقة الخاصة و حولها . ومنها الجيش الذى كبرى فقد الكثير من هيمنته السابقة على الصفوة ( انخفضت نسبة الوزراء من أصل عسكرى من 38% عام 1970 - 1971 - إلى 7.8 % بعد الأنفتاح عام 1974 وهذا رغم تعيين السيد / محمد حسنى مبارك نائباً لرئيس الجمهورية . ومنها طاقم وزارة الخارجية لذى لم يكن راضياً عن سياسية السادات . ومنها مجموعة القيادات الموالية للناصرية فى القطاع العام الذى تعرض للتغيرات المتتالية و الهجوم العنيف ، وفى الحركة التعاونية و الاتحاد النقابى . ومنها قوى حزب مصر ترى أن غنائم الحكم لم تكن توزع بين الأنصار بالعدل . وأخيراً فقد كانت هناك قوى خارجية تمارس على السلطة الضغوط و الإغراءات و التهديدات . ومنها شتى الأجهزة الاميريكية التى ظلت تبحث عن بديل للسادات حتى فى أشد أيام الوئام معه ، والسعودية و بلاد نفطية أخرى ، تلك التى كانت تمزج حساباتها الخاصة مع التبعية العامة للسياسة الأمريكية ، و منها فرنسا التى ارادت أن تدخل سوق السلاح المصرى لمنافسة واشنطن . و كانت تختلط مع هذه الصراعات المصلحية صراعات سياسية و فكرية تتقاطع بين الأتجاهات الناصرية و بين الأنفتاحية الجديدة ، وبين المجموعات الداعية إلى التحررية و تلك المتمسكة بهيمنة الدولة .
وقد أتبع السادات سياسة تتضمن تناقضات صارخة و مفاجآت شديدة ، فمن أجراءات انقلابية و أحاديث عن دولة المؤسسات ، ومن اجراءات ديمقراطية و بطش بالمعارضة ، ومن أستعمال التراث الإسلامى لفائدته و انكار على الحركات الدينية الخوض فى الأمور السياسية الخ .. وكانت النتيجة مزيداً من التفكك وتيه بين عناصر السلطة و أجهزتها ، الأمر الذى يقدم تفسيراً - ولو جزئياً - للذهول و الشلل الذين أصابا الحكومة عند انفجار الهبة .
و كانت ظروف موضوعية تزيد السلطة ضعفاً و تفككاً . على رأسها الأزمة المالية . ولن نخوض فى تفاصيل زيادة نسبة التضخم وارتفاع العجز فى الميزان التجارية أضعافاً عما كانا عليه من قبل ، ومضاعفة الديون الخارجية ..الخ ، إذ أنها معروفة للجميع . ولكن الذى نود الاشارة إليه هو أن هذه الأزمة كانت تشكل مشكلة للسلطة من نواح لا تمت مباشرة فقط إلى البحث عن قواعد السلمية لادارة الاقتصاد القومى .
ذلك أن إقتراب مصر من الافلاس و احتمال انقطاع الفيض الخارجى كان يعنى للقمة خطرين : خطر نضوب المنبع الذى تنهل منه عناصر إلى القمة و المستويات الأخرى أيضاً و التى تتكون ثرواتها من الرشاوى و الوساطات و الأختلاس و النهب من أموال الدولة و مواردها الخارجية ، وهو الاعتبار الأول . و الخطر الثانى أن تكف فئات واسعة من الجماهير الشعبية و الحضرية عن سكوتها و استسلامها للذين تتوصل السلطة إليهما بفضل الفئات التى تذهب للدعم .
مع الملاحظة أن هذا الأخير باب واسع للرزق لنفس الطبقة العليا بالطرق الشرعية و غير الشرعية أيضاً فى الوقت نفسه ( وليست قضايا الأغذية الفاسدة الاقطرة فى المحيط ) .
ومن هنا نفهم السبب فى زيادة و التخضم و ارتفاع الدعم ، رغم الصراخات المنذرة من الأجهزة الحاكمة ومن المعبرين عنها بشكل متكرر : ان هذا الوضع المتأزم كان لمصلحة القمة سواء كطبقة مالكة أو كسلطة سياسية . و كانت هذه الظروف المالية المتأزمة فى مصر فرصة للمعسكر الاستعمارى لكى يشدد من ضغوطه حتى تصبح البلاد فى قبضته تماماً ، يخفض الدعم و تخفض قيمة الجنيه حتى تكون الأسواق المصرية مفتوحة أمام البضائع الأجنبية ودار صراع فى الكواليس يطلب فيه الحكم الساداتى من السعودية و الكويت و قطر و الأمارات العربية المتحدة ثمناً للدم المصرى المراق فى الحروب ضد إسرائيل ، وتعتمد الطراف النفطية ثم تخفض المبالغ التى وعدتها ، حتى تراجعت عن المزيد من القروض و المنح 16 يناير 1977 إلا إذا كانت مصر تخضع لشروط صندوق النقد الدولى و البنك و تطيع نصائح الولايات المتحدة و بنوكها و حلفائها فى خفض الدعم و الجنيه . ولم تكن هذه الضغوط الا لتزيد من ارتباك السلطة و تنازع عناصر تكوينها و شللها .
وأخيراً ، فقد كانت هناك أيضاً أسباب سياسية تدفع فى نفس الاتجاه . ونقصد أن الحكم الساداتى ظل منذ 1974 يزعم لنفسه حق الحصول على الرعاية الأولى من واشنطن ، باعتباره قادراً على القيام بدور الشرطى فى أفريقيا و الشرق الأوسط بديلا عن إسرائيل . ولم ينجح السادات فى هذا الخط و ظل مركزه فى الجبهة الاستعمارية محاطاً بالشكوك . ومنذ اواخر 1976 ازدادت احتمالات عقد مؤتمر جينيف باشتراك الاتحاد السوفيتى ، وهو أمر كان النظام المصرى يرى فيه هزيمه لخطتة المتكاملة . فكان مزنقاً اضعف إلى الازمة القائمة فى القمة .
ويبدو منطقياً مع هذا السياق أن تكون الحكومة الساداتية كلها غير منتبة على احتمال اندلاع الحوادث الخطيرة التى قامت فى 18 ، 19 يناير ، وانها اخذت بها على غرة كما قالت التعليقات و التحليلات كلها تقريباً التى صدرت لا فى مصر فقط بل و فى الخارج أيضاً . ومع ذلك فهناك من القرائن المحيرة التى تثير بعض الشكوك حول عمومية هذه المقولة و احتمالا أن بعض العناصر فى السلطات رأت فى الأنتفاضة اداة تستعملها لاعادة بعض الوحدة فى الصفوف حول السادات ، واجبار الدولة العربية و امريكا على توفيق العلاقة مع السلطة المصرية القائمة باعتبارها درع الحماية من ممكنة ، فدخلت تلك العناصر فى مقامرة يائسة لم تكن نتائجها مضمونة .

الجزء الاول من مجلة الراية العربية
كتاب غير دورى - العدد الثانى - سبتمبر 1988
إشراف
عادل العمرى
شريف يونس
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه