lamalef.net
من أجل طرح
رؤى بديلة
والمسكوت عنه
  

لام الف دوت نت

 

حاجتنا الى استراتيجية اشتراكية جديدة
قراءة ثانيةفى أحداث يناير1977

الجزء الثاني

5- الأحداث
ليست السطور التالية مجرد تسجيل للأحداث بهدف تذكرها ، وانما خاصة لكى نبرر بعض النواحى فيها التى لم تلق الاهتمام الكافى .
وبدأ الامر بخطاب نائب رئيس الوزارء للشئون المالية و الأقتصادية ، الدكتور عبد المنعم القيسونى ، أمام مجلس الشعب فى 17/1 بمناسبة تقديم مشروع الميزانية عن 1977 حيث أعلن اجراءات تقشفية لتخفيض العجز ، ومنها تخفيض الدعم للحاجات الأساسية بصورة ترفع سعر الخبز بنسبة 50 % و السكر 25% ، والشاى 35% وأنابيب البوتاجاز 50 % و كذلك بعض السلع الأخرى ، ومنها الأرز ، وزيت الطهى و البنزين و السجائر ..
وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولى و البنك الدولى لتدبير الموارد المالية الاضافية اللازمة .
وتبعة خطاب وزير المالية محمود صلاح الدين حامد يؤكد على نفس الأتجاه .
ويلاحظ أن هذه القرارات خفضت .
الدعم للأغذية و السلع الضرورية المذكورة الأخرى من 554 مليون إلى 276 مليون ، أى لم يوفر توفيراً كبيراً فى حد ذاته .
ووصفت الصحف الحكومية ( الأهرام 18/1 ) هذا بأنه " أقترح " من الوزارة فى حين أنه كان قراراً تنفيذياً ، و قيل بعد ذلك أن عدداً من الوزراء لم يكونوا على علم به .
وقد بدأ التنفيذ الفعلى يومها أى قبل الاعلان أمام مجلس الشعب ، ورفع التجار و بعض المحلات أسعار المواد الغذائية ، وكذلك فعلت المطاعم الصغيرة على الفور ، فأحس الشعب بالكارثة مباشرة ، فضلاً عن اذاعة الخبر فى الرديو و التلفزيون . وكان من عناصر اثارة الغضب ، الادراك بالتواء السياسة الحكومية و كذبها ، واستصغارها عقول الناس باصدارها هذا القرار بعد قرار أعطاء المنح و العلاوات التى لم تكن لتغطى إثر زيادة الأسعار ( كانت العلاوة بنسبة 22% فى المتوسط فى حين أن أقل زيادة فى الاسعار كانت 25% ) .
وقد سبب القرار اعتراضات بعضها عنيف ، من طرف عدد من النواب . وقامت تجمعات من الأهالى و العمال فى بعض أحياء الأسكندرية و القاهرة و منطقة حلوان الصناعية خاصة منذ مساء يوم 17 / 1 ، وتوقفت المواصلات بين حلوان و القاهرة بعض الوقت .
وهذا مما يؤكد تلقائياً التحرك الشعبى بشكل مبكر ودون تحريض منظم . و لكن المظاهرات أندلعت بصورة هائلة منذ صباح يوم 18/1 ، عندما فوجئ الناس بشكل ملموس بالسعر المضاعف للرغيف و لساندوتشات الفول .
وكان عمال حلون هم الذين بدأوا التحرك .
فقبل الساعة التاسعة صباحاً ، خرج عمال شركة مصر حلوان للغزل و النسيج فى مظاهرات طافت الضاحية الصناعية و انضم إليهم عمال مصانع أخرى ( منها المصانع الحربية ) و كانت الهتافات موجهة ضد زيادة الأسعار و بسقوط الحكومة و تحمل عداء صريحاً للسادات و عائلته .
وكان بعض العمال " المعروفين بميولهم الماركسية " (طبقاً لتقارير الشرطة ) يتزعمون المظاهرات و يهتفون بكلمة " ناصر " و يرفعون صورة الرئيس الراحل .
وقامت قوات الشرطة بمحاولة عزل منطقة حلوان عن القاهرة لمنع العمال من النزول إلى العاصمة ، ففى نفس الوقت الذى وضع بعض العمال الحواجز على قضبان القطار و على الطرق ( ولعله لإرباك المرور و الحيلولة دون وصول قوات اضافية لفرض النظام ) .
و القيت الاحجار على السيارات التى رفضت تهدئة السير .
ووصل عدد من العمال القاهرة ، فتشكلت به و بغيرهم مظاهرات اخرى فى الأحياء الشعبية ، كما أنضم بعضهم إلى مظاهرة لطلبة جامعة عين شمس و أهالى القاهرة بعد ذلك .
وفى شبرا الخيمة ، المنطقة الصناعية العريقة بتاريخها النضالى شمالى القاهرة ، اضرب العمال و أعتصموا فى بعض المصانع فتوقف الأنتاج ، وفى شركة الدلتا للصلب ، علق العامل صابر محمد بركات صورة لبرقية مرسلة إلى رئيس الجمهورية نصها " العاملون الكادحون بشركة الدلتا يشكرون سيادتكم على رفع الأسعار ، رافعين شعار مزيداً ( كذا ) من رفع الأسعار من أجل مزيد من الجوع و الحرمان " .
واجنمع طلبة هندسة عين شمس فى مؤتمر يندد برفع الأسعار ، ثم خرجوا فى مظاهرة أنضم إليها طلبة من كليات أخرى ، واتجهوا نحو مجلس الشعب لتقديم أحتجاج على قرارات القيسونية و أثناء مرورهم بشارع الجيش ، انضم إلى المظاهرة نساء الأحياء الشعبية ، وفى ميدان التحرير أنضم إليهم موظفون و طلبة جامعة القاهرة ، فتلاقت المظاهرة بأخرى آتية من جنوب و غرب القاهرة و ذهبت هذه الكتل فى معظمها إلى مجلس الشعب ، مرددة الهتافات العدائية للحكومة و النظام و دخل وفد من الطلبة رئاسة المجلس لتقدم المطالب ، و عند غياب هذا الوفد فترة ، تصدر النساء محاولة الهجوم على حرس المجلس على ظن أن أفراد الوفد أعتقلوا ، وقامت قوات البوليس بتفريق هذه المظاهرة ، فتشتتت فى مجموعات متظاهرة أصغر فى جارد ستى و الأحياء المجاورة ، ومر بعضها أمام السفارة الأمريكية دون أهتمام خاص بها.
وأكد ت بعض التقارير لصحفين حسنى النية أن هذه المظاهرات كانت سليمة تماماً طوال الصباح و بعد الظهر ليوم 18 حتى الساعة السابعة مساء حيث أصطدمت بها قوات البوليس بعد أن كان شبه غائب من قبل ، قوات الأمن المركزى أيضاً.
و لكن هذه المحاولة لتبرئة المظاهرات مما أعتبرها هؤلاء تهمة لا تنطبق مع الواقع .
فقد وقعت صدامات مع البوليس و الأمن المركزى قبل ذلك ، بين الظهر و العصر ، وكذلك هاجم المتظاهرون بعض الأقسام مثل قسم شرطة الأزبكية بميدان العتبة الخضراء ، والذى حاولوا أشعال النار فيه ، وكذا قسم السيدة زينب و قسم الدرب الأحمر . وجرت محاولات الأقتحام مبنى مدرية أمن الدولة بباب الخلق و قذف قسم الساحل بالأحجار .
وتم تدمير عدد من الأتوبيسات ، وواجهات المحلات ، ومصابيح الشوارع .
وحطم المتظاهرون صورة كبيرة للسادات فى أحد الميادين المركزية ، ورشقوا قوات الأمن المركزى بالأحجار فالقت عليهم القنابل المسيلة للدموع التى كان يجمعها الصبية و يعيدون القاءها على الجنود فى حركات كر و فر سريعة ، وهذا بعد ظهر يوم 18 بقليل .
وكذلك القيت الأحجار على المبانى الجديدة للجامعة الأميريكية الواقعة فى ميدان التحرير و تمثل فى أعين الكثيرين مركزاً لأسلوب حياة أفرنجى شاذ .
ومع ذلك ، فصحيح أن المظاهرات أشتدت عنفاً و أتساعاً فى المساء حيث تدفقت عليها عشرات الالآف من سكان القاهرة الأشد فقراً و عمت أعمال قذف السيارات الفاخرة بالأحجار .
وفى الجيزة و أمبابة ، قذف مكتب البريد حيث يقف كبار السن المحالون على المعاش ساعات طويلة فى طوابير لتحصيل أستحقاقاتهم ، ووضعت المواسير بعرض الطرق لعرقلة المرور .
وقذف المتظاهرون فندق الشيراتون الفاخر بالدقى بالأحجار ، وحطموا أعلانات النيون البراقة عن السلع الكمالية .
وفى الأسكندرية أيضاً ، بدأت المظاهرات بعمال الترسانة البحرية فى صبيحة 18 يناير ، وانضم إليهم عمال الشركات المجاورة ، واتجهت المظاهرات إلى قصر الإتحاد الاشتراكى تهتف " الهتافات العدائية " ضد الحكومة ، وتقذف قوات الشرطة و الأمن بالأحجار .
وانضم إليها عدد من طلبة الجامعة .
وهدمت عدداً من السيارات و الأتوبيسات .
والقت الأحجار على استراحتى رئيس الجمهورية و نائبه و نهبتها ، واقتحمت نقط شرطة و احرقت سينما أوديون ومبانى لشركات كبرى و مجتمعات استهلاكية للخضر و الفاكهة حيث تتفشى المحسوبيات و الرشاوى ولا يأخذ الفقير الا الردئ من السلع و حطمت المظاهرات واجهات المحلات العديدة و اصيب 132 شخصاً بالأعيرة النارية .
واندلعت المظاهرات الصاخبة كذلك فى مدن الأقاليم ، فى المنصورة و المنيا و قناة السويس و فاقوس و أسوان ، حيث جرت الهجمات على مراكز الشرطة و الاتوبيسات و مبانى المصالح الحكومية ، ومحلات بيع الكماليات و ترقية الطبقة الراقية .
وفى أسوان ، احترقت أقواس النصر المخصصة لزيارة تيتو الملغاة فى الوقت الذى كان السادات بالمدينة .
و كانت المظاهرات فى يوم 18 حتى مسائه أكثر التحركات " تعبيراً، إذ القيت الشعارات الواضحة ، غالبيتها الكبرى على هيئة اهازيج ذات سجع ، واختلطت فيها الأتجاهات السياسية المعارضة عموماً للحكومة و النظام .
وفى ميدانى عرابى و طلعت حرب بالقاهرة رفع المتظاهرون علم مصر بمعنى أنهم يعبرون عن البلاد على عكس الحكومة .
وكانت هناك شعارات عامة تعبر عن اتحاد واسع ، مثل " بالروح ، بالدم ، حننزل الأسعار ".
وكانت أكثر الشعارات يسارية تصدر من بعض الطلبة الشيوعيين :

احنا الطلبة مع العمال
ضد تحالف رأس المال
احنا الطلبة مع العمال
ضد الظلم و الأستغلال
يا أمريكا لمى فلوسك
بكره الشعب العربى يدوسك

و يبدو مع ذلك أن الشعارات الواضحة ضد امريكا كانت نادرة نسبياً . وقد اشار مراسل النيويورك تايمز الامريكية من طرفة إلى عدم وجود شعارات بسقوط الولايات المتحدة وأن كان الدبلوماسيون الغربيون بالقاهرة قالوا أن الهتافات بسقوط السادات و بحياة عبد الناصر كانت تتضمن فى حد ذاتها احكاماً رافضة لعلاقاة السادات مع امريكا.
ويبدو أن الاتجاهات الناصرية كانت أكثر أنتشاراً ، وخاصة بين العمال الذين حصلوا على مستوى أفضل فى ظل الرئيس الراحل الذى كان الغلا فى عهده أيضاً اخف وواقع تحت سيطرة الدولة بصورة أكثر احكاماً .
فالمتظاهرون كانوا يهتفون " ناصر ! ناصر " وبعضهم يرفع صورة جمال عبد الناصر .
وكذلك كان الهتاف :
عبد الناصر ياما قال
خلوا بالكو من العمال
ولا شك أن فى هذا الاتجاه اراده لقلب النظام الساداتى و احلال نظام ناصرى محله . ويمكننا أكتشاف اتجاه قريب فى الهتافات الشديدة العداء و المليئة بالسباب و الموجهة ضد السادات و اسرته و سيد مرعى .
ونجد أيضاً شيئاً من هذا و ان كان على شكل مخفف فى الهتاف الشعبوى القائل :
يا حكامنا من عابدين
باسم الحق و باسم الدين
فين الحق و فين الدين ....؟
و لكن ثمة اتجاها أو أتجاهات لم تكن تعبر عن نفسها بالشعارات أو الهتافات ، وإنما بالأفعال المباشرة .
وفى أحوال ، كان المثقف المشترك فى المظاهرة ينصح من كان يحرق أتوبيسا ً أو يحطم واجهة محل بالأمتناع عن هذا ، فكان الرد القائل أن هذه هى الكيفية التى تعبر بها مشاعرنا . ومنذ بداية المظاهرات اتضح فيها اتجاهان رئيسيان :
احدهما يسير نحو مجلس الشعب ليقدم احتجاجاً ، والثانى يطوف فى تحد للسلطة القائمة و يهجم على اجهزتها ورموزها ومظاهر الغنى الفاحش لدى طبقة القمة .
وكان الأتجاه الأول ماتتبناه بعض القيادات التلقائية للطلبة وزعماء العمال النقابين .
أما الثانى ، فهو توسيع بدرجة هائلة لتلك الحوادث العنيفة - المسماه " بالمؤسسة " من الصحافة الحكومية - والسابقة لأحداث يناير 1977 .
ولذلك ، فليس غريباً أن يشير صلاح حافظ فى روزاليوسف ( 24 /1) إلى أن أعمال العنف قد زادت فى مساء يوم 18 بعد انسحاب الطلبة و العمال من المظاهرات .
فإن كان هذا القول محل نقاش كواقعة ( كما سنرى من أحداث يوم 19 ) ، فليس من شك فى أن عدم تراجع الحكومة يوم 18 عن القرار القيسونية من جهه ، وازدياد كثافة الجماهير الفقيرة فى المظاهرات من جهة أخرى ، جعلا التحرك الشعبى يفقد الأمل فى نجاح المشروع السياسى الإصلاحى الذى كان يتقدم به اليسار العريض بصورة عامة ، وترفع محله نبرةالتحدى و الغضب الجذرى .
وعلى أى حال ، فإن تقارير وكالات الأنباء تشير إلى أن الأمور قد هدأت نوعاً يوم 18 ليلا عدا منطقتان بالقاهرة ظلتا مضطربتين إلى ما بعد منتصف الليل .
ولكن المظاهرات أندلعت باتساع أكبر و عنف أشد فى صباح اليوم التالى ، 19 يناير ، حتى صارت العاصمة عند الظهر ميدان قتال ، تجوبه مظاهرات تجمع عشرات الألوف .
ففى حوالى الساعة الثامنة . أمتنع عمال الوردية الأولى لشركة الحرير الصناعى و عمال مصنع 45 الحربى فى حلوان عن العمل ، وخرجوا فى مظاهرة . وتوقفت وسائل المواصلات بين حلوان و العاصمة بسبب قطع الحجار الضخمة التى وضعت على خطوط القطار بعد نزعها من الأرضية ، وتجمع عمال حلوان أمام محطة القطار المؤدى إلى المصانع ، ففرقتهم قوات الشرطة ، فتحولوا إلى مظاهرات تجوب وسط المدينة .
وخرجت مظاهرة عمالية فى الصباح أيضاً من مصانع " سوجات " بحدائق القبة .
ثم قامت المظاهرات فى جميع أنحاء المدينة ، تهاجم المنشأت الحكومية و خاصة اقسام الشرطة و مدريات الأمن، ووسائل المواصلات العامة و الخاصة و المتظاهرون و يرفعون اعلاماً مصرية و صوراً لعبد الناصر و يرددون شعارات منغمة .
وهاجموا دار أخبار اليوم فحرقوا كميات من ورق الطباعة . وحاولوا اقتحام بنك مصر فرع رمسيس فلم ينجحوا فقاموا بتحطيم زجاجات و أتلفوا 30 طن أسمنت مخصصة لعملية كوبرى رمسيس .
وفى روض الفرج أتلف محل باتا للأحذية و13 محلاً آخر و أحرق كشك تحصيل فواتير الكهرباء .
وجرت المصادمات بين المتظاهرين و رجال الشرطة أطلقوا النار على المتظاهرين لمنعهم من الإستلاء على أسلحة الاقسام .
وكذلك اتجه هجوم المتظاهرين إلى الملاهى الليلية و الفنادق الكبرى .
وبعد الظهر تجمعت أعداد كبيرة من طلاب الجامعات و العمال فى ميدان التحرير و توجهوا إلى مجلس الشعب حيث رفضوا أوامر البوليس بالتفرق .
وجرت مظاهرات مماثلة فى العتبة و السيدة زينب و الدرب الأحمر وأحياء أخرى و حاول المتظاهرون اقتحام مبنى مديرية أمن القاهرة واشعلوا النار فى كازينو صفية حلمى بميدان الأوبرا ، ونهبوا المجمعات الأستهلاكية بالمطرية و السيدة زينب و غيرها . واطلقت قوات الأمن المركزى الرصاص على مظاهرة فى حى الأزهر فقتلت صبياً .
وفى أمبابة ، بغربى القاهرة ، تظاهر عمال مصنع الشوربجى وشركة الشرق ، وتوجهوا إلى هيئة المطابع الأميرية فلم يخرج عمالها ، فقذفوا المبنى بالأحجاركما قذفوا مركز أمبابة بشكل متكرر . واطلق البوليس عليهم النار .
فوضع المتظاهرون العوائق على السكة الحديدية فى المنطقة و اشعلوا النار فى أحد القطارات وتروللى باص .
وشهد ميدان الجيزة معارك بين المواطنين و الأمن المركزى ، وأتجهت المظاهرات إلى شارع الهرم فوجدت مبنى المحافظة تحت حماية مركزة ، فانتقلت تهاجم ملاهى الأبرج و الليل والأريزونا ورمسيس الهرم و غيرها فنهبوا وحطموا محتوياتها و اثاثها وأشعلوا النار فى بعضها .
وقذف المتظاهرون بالأحجار المركز القومى للبحوث الإجتماعيى و الجنائية ، ومبنى وزارة الزراعة ومجمع المصالح الكومية ومبنى بنك التسليف التعاونى و مديرية التموين و اشعلوا النيران فى بعض سيارات الشرطة .
واصيبت أقسام البوليس فى أمبابة و العجوزة و الدقى و بولاق الدكرور و البدرشين بالتلفيات .
وقد هوجمت السكة الحديدة المؤدية إلى بعض الضواحى و اشعل المتظاهرون النار فى عجلات الكاوتش على خط القاهرة الأسكندرية محاولين تعطيله .
وفى هذه الصدامات ، أستعملت الشرطة كميات كبيرة من القنابل المسيلة للموع والأعيرة النارية على أنواعها .
وجرت أحداث مماثلة فى مدن الأقاليم ومنها الأسكندرية .
وفى السويس اقتحم المتظاهرون مخزن السلاح فى قسم الشرطة وأخذوا يطلقون النار .
وفى المنصورة أخرجوا أثاث منزل المحافظ وأحرقوه كما هاجموا مبنى المحافظة .
وشهدت قنا و المنيا و أسوان وأغلب مدن الجمهورية الأخرى أحداثاً متشابهة .
ويروى الصحفى صبرى أبو المجد الحادثة الشخصية التالية وهى ذات دلالة على الفكرية لدى القائمين بتلك المظاهرات العنيفة .
يقول :
" على كوبرى قصر النيل ، وجدت بعض الصبية يقومون بتكسير السيارات التى تمر بالكوبرى ، لقد امتلاءت عيناى بالدموع حزناً على ما يقوم به هؤلاء الصبية الصغار .
قلت لأحدهم : أنك تحرق بلدك ؟
قال لى " أنها ليست بلدى أنها بلد الأخرين ".
وقالت جريدة الأهرام ( 20 /1 /1977 ) إن المظاهرات و المعارك و أعمال العنف توقفت بعد اعلان الحكومة إلغاء رفع الأسعار و إذاعة القرار فى الساعة 2.30 م يوم 19 يناير .
و لكن الصحيح أن بعض الهدوء عاد فى المناطق المركزية بالقاهرة فى حين أن بعض الأحياء الأخرى أستمرت تقاتل حتى ساعة متأخرة من الليل و فجر يوم 20 فى صدامات مع قوات المشاه الميكانيكية و الصاعقة و الشرطة العسكرية التى نزلت بعد اعلان حظر التجول فى الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 19 فى مدن القاهرة و الجيزة و الأسكندرية و السويس ، ووقفت الدبابات أمام منزل السادات بالجيزة .
وقد اشعل المتظاهرون النار فى مركز الأتحاد الاشتراكى بميدان التحرير عند نزول الليل ، وبقيت حرائق صغيرة مشتعلة بالقرب من مجلس الشعب مده طويلة .
فى هذين اليومين ، كانت الفوضى تضرب اطنابها فى صفوف الحكومة و القيادة السياسية للسلطة ورغم أن أجهزة الأمن كانت أكثر اجزاء الدولة تماسكاً فى وجه الهبة ، الا أن اشارات متفرقة تبين ترددا فى صفوف جنود الشرطة ولعله بسبب أن زيادة الأسعار اصابتهم كما أصابت المواطنين العاديين .
واشارت تقارير صحفية أجنبية إلى أمتعاض قوات الجيش الموجودة حول القاهرة من القيام بعملية قمع المظاهرات ، الأمر الذى أجبر الحكومة على سحب تشكيلات من الجيش المرابط فى الجبهة مع إسرائيل .
وعلى أى حال ، فلم تتراجع الحكومة عن القرارات القيسونية الا فى منتصف اليوم الثانى للمظاهرات و بعد أن أتخذت الهبة شكلاً عنيفاً عاماً ، وكان التراجع هذا على شكل قرار " تأجيل " رفع الأسعار . وفى يوم 26 / 1 ووفق على زيادة الاجور و المرتبات للعاملية فى القطاع العام و أصحاب المعاشات ، وفى نفس الوقت الذى كانت أجهزة الأمن تشن حملة واسعة من الاعتقالات ، واجهزة الاعلام تملأ الدنيا ضجيجاً عن " المؤامرة الشيوعية " التى كادت أن تنجح فى تخريب مصر.
وقدرت الخسائر المادية لأحداث يناير بمليار جنيه . وارتفعت شيئاً فشيئاً الأرقام المعلنة عن الخسائر البشرية حتى بلغت 79 قتيلا و مئات الجرحى وما بين 1250 و 2000 مقبوض عليهم ، ومنهم 551 من السياسيين بتهمة التحريض و الاشتراك فى تهيئة المناخ لأعمال العنف ، والباقى متهم بالشغب و النهب واتلاف ممتلكات عامة و خاصة مقاومة السلطات .
و من الملفت لنظر أن الأجهزة الحكومية لم توجه أى تهمة لعناصر الحركة الدينية .
أكد النائب العام فى 28 / 1/ 1977 عدم وجود اخوان مسلمين بين المقبوص عليهم ، ورغم أن الكافة كان يعلم أن عناصر من الحركة الدينية ساهمت فى الهجوم على النوادى الليلية بشارع الهرم و البارات فى أحياء أخرى .
و يستطيع المرء أن يدرك موقف السلطة من هذه العناصر عند التذكر بالأحداث التى جرت بعد ذلك :
فقد خططت السلطة لاستخدام الحركة الإسلامية الجديدة ضد اليسار ثم أعتمدت عليها لإحداث الفتنة الطائفية لحرف الأنظار عن الأستسلام التام للحلف الصهيونى الأمريكى .
و فى حين أن المعلومات عن المتهمين السياسين و فيرة ، فتلك المتعلقة بالمتتهمين بالشغب والاتلاف و النهب الخ لم تحظ بالأهتمام . وقد أستطعنا تجميع بعضها بصورة غير كاملة ، ولكنها تعطينا مع ذلك مؤشرات واضحة .
ففى قسم الشرابية بلغ عدد المقبوض عليهم 45 وتم تسليم 3 منهم لذويهم وإيداع 10 مؤسسات الأحداث و حبس 26 حبساً مطلقاً .
وبلغ عدد المصابين 13 من الاهالى و 14 من قوة القسم . و فى قسم الأزبكية بلغ عدد المقبوض عليهم 69 أخلى سبيل 7 منهم وتم تسليم 7 لذويهم و إيداع 6 بمؤسسات الأحداث و حبس 49 حبساً مطلقاً .
وفى قسم روض الفرج ، كان عدد المقبوض عليهم 20 ، أخلى سبيل 3 منهم وتم تسليم واحد لذويه وايداع 3 بمؤسسات الأحداث و حبس 13 حبساً مطلقاً ( و هذه معلومات تخص جميعا مدينة القاهرة ) .
تقول صحيفة الأهرام فى عددها الصادر فى 23/1/1977 أنه فى جنوب القاهرة تبين أن 15 % من القبوض عليهم أحداث تقل أعمارهم عن 15 سنة ، و20% احداث تقل أعمارهم عم 18 سنة . كما تبين أن نسبة الطلاب لا تزيد عن عشرة 10 % يدخلون ضمن نسبة الحداث وخلو المقبوض عليهم من الجامعيين باستثناء 3 ولم تمهل الدولة هؤلاء الذين جرأوا على تحديها و اعتدوا على الملكية المقدسة العامة و الخاصة .
فقد حوكموا بسرعة و صدرت أحكام رادعة ضد ما يقرب من الربع فى مدة لا تزيد على ستة شهور . واستطعنا تجميع الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة فى أحداث الشغب بمدن الأسكندرية و المنصورة و المنيا و أسوان و قنا و الجيزة و عدد من أحياء القاهرة ( الساحل و الشربية و السيدة زينب و الدرب الأحمر و المطرية و حدائق القبة و حلوان ) فقط فبلغ عدد المتهمين 537 حكم بالبراءة لعدد 423 و بلغ مجموع الأحكام على الباقين ( 144 أى 21.2% من المقبوض عليهم ) 446 سنة ( مع أهمال الشهور ) اشغالاً شاقة و سجناء و حسبما بمتوسط 4 سنوات تقريباً لكل منهم ..
وبلغ مجموع التعويضات و الغرمات المحكوم بها على هؤلاء 630 1071 جنيه .
وتم تنفيذ هذه الأحكام ، ومازال بعض المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة عشرة سنوات فى السجون حتى كتابة هذه السطور .
أما السياسيون المتهمون بالأنضمام إلى احزاب منظمات شيوعية و بالتحريض على أعمال العنف فقد بلغ عدد المتهمين منهم نهاية الأمر166 متهماً أستغرقت محاكمتهم أكثر من ثلاث سنوات , فصدر فى 2/4/1980 الحكم على عشرين 20 منهم بأحكام مجموعها 42 سنة سجن وحبس ( بمتوسط سنتان لكل منهم ) وبالبراءة للباقين البالغ عددهم 146 ، وكانت نسبة المعاقين 14% تقريباً .
غير أن هذه الاحكام نفسها لم تنفذ ، إذ اعترضت النيابة عليها و اعيدت القضية أمام دائرة أخرى لا تزال تنظرها عند كتابة هذه السطور .
ولعل هذه الأرقام تشير إلى أن الصفوة تتمتع فى نظر السلطة بمركز متميز ، وأن كان ما بينهما ما كان .
من نحن
أخبار تانية
مقالات ودراسات
اختيارات
ثقافة
حوارات وندوات
مناوشات
كورة
من زمان
مواقع اخرى
اكتب إلى
ksrgany@lamalef.net
waked@lamalef.net
gamal@lamalef.net
الاولى لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه