|
|
نصوص حول الموقف من الدين
من نقد السماء إلى نقد الأرض
مقدمة من كتاب
نصوص حول الموقف من الدين
بعنوان :
من نقد السماء إلى نقد الأرض
بقلم العفيف الاخضر
إصدار دار الطليعة للطباعة والنشر
بيروت
الطبعة الثانية ، يناير 1978
الجزء الاول // الجزء الثاني // الجزء الثالث
|
الجزء الثاني
ما زالت السلطة العربية تحرق البخور لمزابل تراثنا
لإنعكاس هذه الأزمة الشاملة نكاد نراه ارقاً فى عيون جميع الحكام الذين يقض مضاجعهم شبح الشيوعية و قد عاد من جديد ليرود لا فى ربوع أوربا الشرقية و الغربية و حسب بل فى ربوع العالم كله .
لا ضرورة للرجوع المطول لاستقضاء أمثلة هذا الأرق .
حسبنا هنا وصف المطران المحافظ مخائيل ضوميط لقلق الطبقات السائدة من عواقب هذه الأزمة الطاحنة التى أخذت تنحر أسس مؤسساتها و تبريراته الدينية و الدنيوية :
فالقيامة قائمة فى العالم كله ، من كل صوب : القيامة قائمة على كل قديم ، فى الشرائع و النظم ، فى الأخلاق و العادات فى الأدب و الفنون (...) و القيامة قائمة كذلك فى الكنيسة على قديم : فى العقيدة : التعاليم الكنيسية غدت فى نظر الكثيرين لغزاً مغلقاً ، كلاما فارغا لا طائل تحته (...) وفى الأخلاق : الشرائع الكنسية غدت إلى نظر الكثيرين نيراً ثقيلاً .. و بعضهم خلعه واحل محله إندفاعاً عفوياً إلى لإنماء الذات ... و فى العبادة أيضاً : الطقوس الكنسية غدت فى نظر الكثير تمثيلاً أعجم أجوف ، لا دلالة فيه ولا وقع له ...أنه لا يطاق ( .. ) و أخيراً فى النظام الذى لم يعد يرى فيه بعضهم غير بقية باقية من عهد بائد ينبغى أن يندثر (...) هذه بعض مظاهر الأزمة التى يعانيها العالم و تعانيها الكنيسة ، وهى على ما يبدو تتعدى النزاع الذى لم يخلو منه عصر العصور ، بين حديث و قديم ، بين جديد و تقليد ، أن النزاعات التى شهدتها العصور الخالية كثيراً ما كانت تدور على أسلوب التعبير ، و أن نعدنه فعلى صيغة التفكير .
إما الركائز و الأسس فقلما كانت موضوع جدل أو شك .
أما اليوم فإننا نشهد نزاعاً أعنف و أِشد ، تناول أول ما تناول ، الأساليب و الصيغ ، لم يلبث أن تجاوزها إلى تاركائز و الأسس (..) أما للدين فقد أصبح إثراً بالياً و ممارسات شكلية لا يقيبل عليها غير قصار الأبدى و قصار العقول " .
الإنسانية المعاصرة ، كما لاحظ المطران بحزن ، أخذت تبحث عن إنجيل خلاصها " فى مناهل غير إنجيل الخلاص ، وفى ثورة تطيح بجميع الأستلابات القديمة و الحديثة ، فى إطار سلطة شعبية حقاً قائمة على الإنتخاب المباشر من القاعدة ، الإنتداب الموالت و الجمع الضرورى بين سلطتى التنفيذ و التشريع تجد فيها مشاكل الثورة البروليتارية حلها الحقيقى ، أوعلى الأقل إطار لمثل هذا الحل : سلطة يسترد فيها و بها الإنسان ، فردا و جمعاً ، سلطته المهدورة ، ابداعه لمصادر ووجوده الضائع .
المسيحية التى تعانى من هذه الأزمة عرفت عبر تاريخها و مراراً الإصلاح و التطهير من الطقوس الشرقية .
أولها أوربة europeanisation المسيحية على يد الفيلسوف سيناك Seneque الرمانى ومدرسة فيلون الاسكندرانى الرواقية ، حيث تمت اقلمة المسيحية البدائية مع الفلسفة الرومانية اليونانية الميتذلة ، التى على عكس فلسفة اللذة الابيقورية التى تطورت باتجاه الإلحاد ، اتنهت هى إلى الإيمان بإله واحد و بخلود الروح .
وهكذا فالمسيحية الغربية ، و الكلمة لبورنو باور Burno Bauer لم تولد فى الجليل و القدس بل فى الأسكندرية و روما .
حدث هذا قبل أن تصبح ، بل لكى تصبح ، المسيحية ديانة الدولة الرومانية التى توافد عليها الهنس و الجرمان للاقتيات بجثتها .
أما التطهير الأخير من بقايا الطقوس الشرقية فقد حدث فى المجمع الفايتكانى الثانى (1965) .
أعلن المجمع أولاً أن الكنيسة التى كانت على الدوام ضامنة النظام الإجتماعى السائد ، لم تعد مرتبطة بأى نظام إجتماعى قائم لنمط الإنتاج . وأعطى المجمع الضوء الأخضر لمفسرى الكتاب ليقولوا بأن ( أيام الخليقة الستة ) و " تفاحة حواء " و توقف الشمس " بأمر يوشع و " الأيام الثلاث التى قضاها يونان ( يونس) فى بطن الحوت " إنما أساطير تصورها كتاب الأناجيل أو تلقفوها من أفواه الرواة الشعبين فى أيامهم . و ليست من الحقيقة التاريخية فى شئ .
على أن بعض الشرائح لم يكتف بهذا الحد من التطهير بل دفعه إلى ملء مداه : تطهير الكتاب من الخوارق الشرقية و العودة به إلى العقلانية الغربية المعاصرة و هكذا انكروا أسطورة قيام المسيح بعد موته ، أعتبروا أن ذلك مجرد تخيل من حواريية ، كما ذهبوا نفس المذهب فى فهم بتولة مريم التى لم تكن ، فى رأيهم ، إلا من نسج خيال المؤمنين القدامى الذين ، من فرط اعتزازهم بالمسيح ، تصوروا أنه ولد من غير زرع بشرى و مع بقاء أمه عذراء .
لأن البكارة كانت عند الشرقيين وما تزال - رمزاً لطهارة النفس و الجسد معاً .
لكنها اليوم فى الغرب لم تعد شيئاً مذكورا .
ولهذا يرى هؤلاء الشراح أن البكارة لا معنى روحى لها ولا تزيد أم يسوع كرامة .
أما الإسلام المكبل بالطقوس المشلة للتفكير الخرافى فإنه لم يتعرض فى تاريخه الحديث إلى أى محاولة جدية لتطهيره من الطقوس المعطلة للنشاط الإنسانى : تبذير ملايين المواشى فى الحج و عيد الأضحى كل عام ، ارتباك الإنتاج فى شهر رمضان ( 100 مليون ساعة عمل خسارة فى مصر 1968 حسب الأهرام ) وازدياد استهلاك الطبقات المالكة و خراب الموازنات العائلية .
المتواضعة ، تفاقم أمراض المعدة و السل خاصة فى الريف الفقير و الأحياء العمالية و مخيمات اللاجئين .
هذا فضلاً عن الطقوس البربرية فى بعض المناسبات الدينية و التبذير المخيف على قبور الأولياء و مزاراتهم ...
صحيح أن قطاعاً من سكان المدن خفف من الصيام فى المشرق و الصلاة فى المغرب .
لكن سلطان هذه الطقوس ما زال مع ذلك ينيخ بكلكية على ملكه النقد و الإبداع عند أوسع الجماهير بما فيها ذلك القطاع نفسه .
وما زال قوة مرسخة لتقاليد الإنضباط أمام طغيان عناصر الطبيعة الغاشمة ( صلاة الإستسقاء ، صلاة الخسوف و الكسوف إلخ ) .
و طغيان حكام الطبقات الغاشمة ( صلاة اللطيف فى المغرب مثلاً ) .
الإستسلام للقضاء و القدر ، للكوارث و للطغاة كان و ما يزال يجد فى أعماق الوجدان الذى صاغه الإسلام استقبالاً بدون اعتراض .
بل أن الاعتراض يصبح ضرباً من الأثم و الكفران .
فعندما أعلن الخليفة المنصور أمام ألوف الحجيج : " أيها الناس أن الله ملكنى رقابكم و أموالكم فإن شئت قبضت وإن شئت بسطت " صاحت الجموع المروضة دينياً ... الله ..الله يا امير المؤمنين و عندما أعلن عبد الناصر بعد المنصور باثنى عشر قرناً ، لتبرير هزيمة 67 : " لا يعفى حذر من قدرة " تنفس 99 بالمئة من سامعيه ، والأمة العربية كلها كانت تستمع ، الصعداء و أحسوا بعزاء مريح يضمد مشاعرهم الجريحة .
لا شك أن الحديث قد حرك بطريق التدامى فوجاً من الأحاديث و الأيات و الامثال المماثلة : وما اصابنا من مصيبة إلا بإذن الله ... وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم و أنتم لا تعلمون .
وإنما يبلوا الله عباده الصابرين ... و المكتوب على الجبين تراه العين ... ليس من الضرورى أن تتحرك شفاه الجميع بهذه الأحاديث و الأيات و الأمثال ، إنها جاثمة على عقولهم ، ، إنها هناك فى الأعماق دركى داخلى يعلى عليهم ، عن وعى أو بدونه ، ردود فعلهم فى اللحظات الصعبة خاصة .
ما زال تراثنا بمناى عن أى تصفية حساب تاريخية مماثلة لمسلسل التصفيات ، التى نزلت بالتراث المسيحى : الإصلاح فى القرن 16 ع ، مادية القرن 18 ع لكن أكثرها حسماً اثنتان: الأولى عندما شنقت البورجوازية الصاعدة مع ملوكها تراثها . و الثانية عندما صفت الثورات البيروقراطية ، البديل التاريخى للبورجوازية ، فى شرقى أوربا المسيحية ، فى آسيا الإسلامية ، وفى الشرق البوذى تراث الطبقات السابقة عنها .
أما " توراتنا الفوقية ، العسكرية فإنها لم تزل تحرق البخور لمزابل تراثنا الذى لم توجه إليه سبابة الإتهام منذ تسعة قرون على الأقل : منذ إندحار الإسماعيلية الثورية !
المناخ النقدى إزاء الثراث الذى أوجدته الإسماعيلية - كما سنرى - تلاشى . بل حتى العقلانية الإنتقائية ( التوفيق بين الفلسفة و الدين ) والمحتشمة التى نشرها المعتزلة أصبحت مستنكرة فى المجتمع العربى المعطل blequee تاريخياً و المصاب بتأخر مثلث : تأخر و سائل الإنتاج ، تأخر نمو الطبقات على النمط الغربى المتضمن بدوره لتأخر الصراع الطبقى محرك التاريخ ، و تأخر الثورة - و بالتالى -، الثورة تنسف نسفاً الأوضاع السابقة عنها .
أى من مسلسل الثورات العربية على النبى ما قبل الرأسمالية لم تفجر مجتمعنا المعطل .
وعندما انفجرت فيه لم تفجره لأنها كانت فوقية (مصر ) و تعبيراً عن طبقات مصابة بكساح نوعى مزمن .
الثورة البرحوازية الحقيقية الوحيدة التى عرفناها كانت الإستعمار . ولكن لم نعرفها إلا كثورة مضادة :
- شوهت الصراع الطبقى مرتين : مرة بحرفة عن مساره الطبيعى : طبقة ضد طبقة ، برنامج ، ليصبح صراعاً دينياً - قومياً ضد الأجنبى - الكافر . وهذا ما جعل البروليتاريا العربية المحدودة عدداً و عدة تعيش انتصارات القيادات البورجوازية كانتصارات لها ( تونس ، مصر ، الجزائر ، المغرب ) و بالتالى دورها النوعى .
- ومرة ثانية بتنميته ، لابد من التناقضات الإجتماعية : ظالم - مظلوم ، للتناقضات العرقية عرب - بربر ( الجزائر ، المغرب ) الإقليمية ، و الطائفية فى المشرق - جعلتنا ، خاصة بواسطة البترول و نهب المواد الخام عموماً نعرف الرأسمالية . لاكسيادة للإنتاج البضاعى بل كسيادة للتبادل البضاعى ، جعلنا الإستعمار سوقاً .
- فعل الإستعمار كل شئ ليبقى على الطابع البلى archaique للحياة العربية جيث تتجاوز كل أنماط الإنتاج القديمة و تتعايش، فيما يشبه تنكيد الضرائر لا صراع الأضداد ، جميع الأديولوجيات التى تناسب معها .
فى ظل هذا الإستعمار و حمايته لهذه البنى المشلولة و الأديولوجيات المشلة لعب الدين دوراً مرموقاً فى ترسيخ التأخر المثلث وفى تخليف وعى الإنسان العربى و شروط حياته معاً .
- انزل بنا ردة حضارية ممرة : الغزو الإستعمارى للعالم العربى لم يعد لذاكرة الجماهير ذكريات الحروب الصليبية فقط بل هو نفسه كان صليبياً و كان يتظاهر بذلك .
- وعندما احتل الفرنسيون سوريا حياً ( اوركل ) جنرال فرنسى قبر صلاح الدين قائلاً : ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين
وليس بدون مدلول كون هذه الحادثة متداولة على السنة العامة حتى فى المغرب العربى .
لقد سمعتها عشرات المرات قبل أن اقراها . وعندما احتلوا الجزائر هدموا أو حوالوا إلى كنائس 2000 مسجد من بينهما المسجد الأكبر فى العاصمة - كتشاوه وبعد الإستقلال حول جديد من ابرشية إلى مسجد .
وعاشت الرجعية الجزائرية عاماً كاملاً من على نبش تاريخه حتى أكثر تفاصيله تفاهة .
وعلى تلقين الجماهير بأن الإستعمار لم يكن مشروعاً للنهب الإقتصادى كما يقول الماركسيون .
بل كان مشروعاً لنهب مساجد الإسلام و تقويض اركانه ...
أمام الإستعمار " الذى وجد فى المسيحية ... تتمته الأكثر ملاءمة " (ماركس) لاذت الجماهير الشعبية العزلاء من كل سلاح للمقاومة الجدية بالتقوقع فى تقاليدها الدينية - القومية البالية .
تقريباً نفس ردود فعل رعاة جبال الألب فى القرن 12ع على غزو الإقطاعية لهم فى عقر دارهم لتدمير نمط حياتهم البطريقى .
فى هذا الوضع أصبح نقد الإسلام أو حتى نقد أقل طقوسه شأتاً مرادفً لنقد المشاعر الشعبية ، لنقد الشكل الجوهرى لقوميتها و تقويض السلاح الوحيد الذى كان بيد القوى المحلية فى دفاعها ضد الهمجية البورجوازية على هجميتها التقليدية .
أسوأ من ذلك بات نقد الإسلام مرادفاً للخيانة الوطنية و التواطؤ مع المستعمر الكافر .
كما أن نقد تخلف اللغة العربية ( رسما ، نحواً أو مصطلحات ) أصبح يعنى الإنتقاص من لغة القرآن ، يجريدها من اصالتها و مؤامرة على سلاح صمود الشخصية الإسلامية - العربية فى وجه الإبتلاع الغربى .
أصبح التحريض بالصراع الطبقى فى المجتمع العربى ، حيث فى الواقع لم يكن له إلا مجال هامشى ، موصوماً بكونه تصديعاً لوحدة الأمة بمفهومه الإسلامى : يشد بعضها البعض كالبنيان المرصوص .
هكذا أصيب الفكر النقدى العربى ازاء التراث الدينى القومى بردة حضارية شاملة عادت به إلى مواقع كان قد تخطاها منذ زمان بعيد بالمعتزلة ، باخوان الصفاء ، بالفلاسفة العقلانيين و الملحدين و بالأيدلوجيا الأسماعلية الثورية .
انتصر الدين على الفلسفة فى العالم العربى مرتين : الأولى تحت الحكم السلجوقي و الثانية تحت الحكم الأوربى الإستعمارى حيث ولد شعار الإصالة " العودة إلى المنبع" ، إلى السلف الصالح هذا الشعار الذى رأى الفكر الثورة الأممى نفياً له ، عود بشكل آخر للصلبية الأوربية و مؤامرة لقتلاع الأمة العربية من جذورها .
لم تواهج الشيوعية العربية هذا الوضع و مضاعفاته بالكشف عن أسبابه علناً أمام الجماهير لكى تساعدها على تحرير
وعيها النقدى من استلابه الدينى - القومى ، لكى تساعدها بقوة المثل بممارستها النظرية - العلمية الثورية على الإهتداء إلى سلاح فعال للمقاومة الإيجابية للإستعمار بدلاً من سلاح المقاومة السلبية العاجزة و المنطوية على نفسها و ماضيها . لا فقط لم تعرف كيف تواجه مشكلة قومية أو إجتماعية من مشاكل المجتمع العربى .
والأسوأ أنها حاولت هى الأخرى ، بانتقائية و ديماغوجية ، استخدام نفس السلاح لكنها مع ذلك بل بسبب ذلك لم تكسب إليها أى قطاع هام من الجماهير التى شمت بحاستها السادسة رائحة الإنتهازية .
وصلت بها الإنتهازية إلى حد إنكار . رغم الوقائع اليومية العنيدة . أن يكون للدين عندنا نفس الوظيفة التى اداها فى أوروبا ما قبل اقتصاد الإستهلاك .
وظيفة التخدير : " نعم أن الشقاء و الألم هما قدر الإننسان " ( الباباليون ، القرن 13ع ) .
تماماً كما " لايعفى حذر من قدر".
"و الفقر مفتاح الجنة " .
أو ،الكلمة هذه المرة لجلاد كومونة بالريس تيير : " أريد أن أجعل تأثير رجال الدين كلى الجبروت .
لأنى اعتمد عليهم لترويج تلك الفلسفة الجيدة التى تعلم الإنسان بأنه وجد فى هذه الدنيا الفانية ليشقى ، لا تلك الفلسفة الأخرى التى تقول له بالعكس : تمتع بالحياة " .
وباختصار كانت وظيفة الدين فى أوروبا وهى اليوم عندنا مناهضة الثورة . وفى هذا المعنى حدد معن أبو نوار ، رئيس شعبة التوجيه المعنوى فى جيش عمان الوظيفة التى اداها القرآن و الإنجيل فى تنفيذ مجزرة عمان بنجاح "لقد طبعنا ....،60 نسخة من القرآن ووزعناها على جميع الجنود المسلمين . وقريباً جداً نأمل أن نوزع نسخاً من الإنجيل على جميع الجنود المسحيين .
أصبح كل جندى الآن يضع هويته فى جيب و يضع القرآن فى الجيب الأخر . لقد عملنا القرآن بحجم الجيب بحيث يمكن حمله مثلما يحمل الماركسيون الكتاب الأحمر .
اعتقد أن الجيش محصن فى وجه الماركسية الآن . وعلى استعداد لقتال الفدائين .
أن ماركسيينا و الماركسيين الإسرائيليين التقوا معاً يقولون أنهم يريدون أقامة دولة ديمقراطية علمانية ، حيث ستتعايش فى سلام الديانات الثلاث .
من المحزن جداً أن يكون الماركسيون العرب و الإسرائيليون هم الذين التقوا و لسنا نحن المحافظين عرباً و إسرائيليين .
اعتقد اننا فى غضون 30أو40 عاماً سنقاتل نحن و الإسرائليين معاًُ الماركسيين ".
ليس هذا الإستخدام للدين مصادفة عارضة . بل انه استراتيجية طبقية مدروسة : سيطرة الإقلية على الأكثرية لن تدوم إلا إذا قبلت بها الأكثرية نسبياً ، إلا إذا استسلمت لها كقدر مقدور ، إلا القمع داخلياً و البوليس مرابطاً فى رؤوس الناس الذين لا سلطان لهم على حياتهم لكى يمنعهم من وعى ذلك و ضرورة الثورة علية .
أن الدين ما زال عندنا اداة فعالة لتحقيق استبطان القمع .
التعايش السلمى المعلن بين الشيوعية العربية و الدين يعكس تعايشها السلمى مع الأنظمة البروقراطية - الأتوقراطية و هدنتها المفتوحة مع الأنظمة التقليدية .
لقد تخلت نهائياً عن هدف قلب الأنظمة البيروقراطية بل تخلت حتى عن وسيلة نقدها ، ويعكس بالتالى تخليها -فى الواقع تخلت حتى قبل أن تشرع - عن صراع الطبقات لصالح تصالح الطبقات الذى هو جوهر الأيدلوجية البونابارتية العربية
( الناصرية ، البورقيبية إلخ . ) التى تعرف فيها عجز الستاللينية العلابية عما كان يطمح عبثاً فى تحقيقه هذا التعايش ليس إلا تعبيراً عن اندماجها فى الأوضاع الراهنة .
كانت القيادات الشيوعية العربية ستضع هذه الأوضاع المتعفنة لو لم تكن هى نفسها من صنعها .
لذا فان الحرب القادمة على أوضاعنا الراهنة ، والتى تستمد بقاءها من الإحتفاظ بكل العاهات حتى باتت هى نفسها العاهات تجسدت أوضاعاً ، أما أن تكون حرية شاملة عليها وعلى فضلاتها أو لا تكون .
صراع الطبقات فى العصر العباسى
الثورة هى الذكرى و الذاكرة الأعمق لشعب من الشعوب . ذاكرة ثورتنا القادمة التى سيكون عليها أن تحل ، بعصاهاغير السحرية : سلطة المجالس الشيوعية ، جميع التناقضات المتراكمة و المزمنة ، وأن تطيح فى وقت واحد
بالإستبداد دون أن تسقط فى الليبرالية ، وأن تقضى على التخلف دون أن تسقط فى عبادة اقتصاد الإنتاج و ديكتاتورية الإستهلاك ، يجب أن تكون ذكرى ثورات الجماهير العربية و الأعجمية التى ناطحت سماء الطغاة ارباباً ، أفراداً و طبقات أكثر بكثير مما تجرأ عليه أجراً الشعوب فى القرون الوسطى و قاومت تسلط الإسلام على العقول وتسلط أصحاب اللإقطاعات على الأرض .
عندما تعود البروليتاريا العربية الحديثة إلى تاريخ أسلافها الثوريين فلن تريد وما ينبغى لها ، التعرف على مطالبها النوعية الأكثر تبلوراً ، راديكالية و شمولاً فى مطالبهم المحدودة بحدود وعيهم و حدود عصرهم . بل لتذكر نفسها بأن أسباب ثورتهم على الدولة و دينها و استغلالها و طغيانها ما زالت حاضرة ، رغم اختلاف الشروط التاريخية ، فى ثورتها القادمة التى يجب أن تكون تحقيقاً لمشروع الإنسان الكامل الذى لن يقبل بديلاً عن إمتلاك العالم و الزمن للإستمتاع بالحياة المتحررة .
ما كان عند الأسلاف طموحاً سديمياً يجب أن يصبح اليوم عند البروليتاريا مشروعاً واعياً . و لقاء المشروع الثورى الراهن بذاكرته القرمطية ، البدالية سيتم حتماً على أساس تطهيرها من بقايا استلابها الدينى .
ذاكرة جماهيرنا المظلومة التى تغير سيادتها و لم تتغير شروط حياتها هى بالأخص الأيديولوجيا الثورية للشعبية الإسماعلية و انتفاضاتها المتعاقبة فى العصر العباسى .
رافق إنتقال السلطة من الأرستوقراطية العربية ( القيسية و اليمنية ) التى سادت على الإمبراطورية الأموية إلى الأرستوقراطية ( العربية ، الفارسية و التركية ) التى سادت على الأمبراطورية العباسية ، انتقال المجتمع الإسلامى من مجنمع عشائرى عسكرى يغلب فيه نمط الإنتاج الزراعى ولا تلعب فيه الصناعة و التجارة إلا درواً هامشياُ إلى مجتمع تعدى عرفياُ و فكرياُ تغلب فيه التجارة و التبادل البضاعى و مستقطب بين طبقتين " طبقة الخاصة التى تملك المال و الوقت الذى تبذره فى الجنس و اللهو و القنص و طبقة العامة التى يملكها الحرمان الشامل و السخرة .
طبقة الخاصة نعنى بها مجموع مراتب الأرستوقراطية السائدة و الفئات المستغلة المرتبطة بها فى العصر العباسى:
1- البيروقراطية و تتكون من : الخليفة ، الرئيس الزمن و الروحى للدولة وهو لا يسأل عما يفعل ، الوزير ، الوسيط بين الخليفة و مراتب البيروقراطية الأدنى ، القاضى ، القيم على تطبيق الشريعة و القضاء بين الناس ، حاشية البلاط وموظفوه ( الجلادون ، الخدم المنجمون ) قواد الجيش ، العمال ، ممثلو الخليفة فى الولايات ، ضباط الشرطة ، المسؤولون عن الأمن داخل المدن ، و الجباة و السجانون ، وموظفو ديوان الإنشاء .
2- أصحاب الإقطاعات ، المالكون المقاريون الكبار الذين أستولوا على أراضى الفلاحين بواسطة الالجاء .
3- التجار ، وهم فئة واسعة ، غنية و متداخلة مع المالكين العقاريين إذ أن قطاعاً واسعاً منهم كان يوظف رؤوس أمواله فى تمللك الأراضى .
4- الإنتليجانسيا و تضم الأطباء ، الكتاب ، المغنون الشعراء - شعراء كانوا دائماً فيما ندر شعراء دولة ! - المترجمون ، فقد كان المنصور مثلاً يدفع لحنين المترجم 250 دينار شهرياً ووزن الكتاب الذى يترجمه ذهباً .
5- رجال الدين أو العلماء كما كانوا يسمون عهد.
وهم خمس مراتب أساسية :
1- القضاة .
2- الأئمة ، وقد لعبوا دور الإذاعة اليوم فى تطويع الرعية للخليفة الذى يضعون الولاء له بمنزله الإيمان .
3- الفقهاء الذين كانوا قادة الرأى ، موجهى أفكار الناس و مفبركى الأحكام و الإجتهادات لمن يحتاجها من رجال السلطات او من التجار . و كانت لهم هيبة روحية فى نفوس الناس : " أين لذة الملوك من لذة ما نحن فيه .
لو فطنوا لقاتلونا عليه " (أبو حنيفة ) .
4- المحدثون ، ومهمتهم ، إلا القليلون ، اختلاق الأحاديث لتبرير نزوات الحكام أو مطالب هذا أو ذاك من الأحزاب المتنافسة و يبدو أن كل حزب كان له محدثوه .
5- الوعاظ ، الذين كانوا يدخلون على الخلفاء ليعظوهم معطين لأنفسهم ولهم الشعور براحة الضمير . يشبه دورهم دور كاهن الاعتراف فى المسيحية .
كان رجال الدين حجر الزاوية لسلطة الأتوقراطية الخلافية . بدون فتاويهم و دسائسهم لم يكن الخلفاء بقادرين ، بكل تلك السهولة ، على تصفية المعارضة بتهمة المروق عن الدين ، ونادراً ما أقدم خليفة على دق عنق معارض دينى أو سياسى قبل الحصول على فتوى شفوية أو كتابية من واحد أو أكثر من العلماء المشهورين فى عهده .
غالبية رجال الين كانوا متداخلين مع الدولة الجائرة ، إلا قلة من الفقراء و الأتقياء منهم كانت تشكل المعارض السلبية لهم و للدولة . مضمون معارضتها : الإحتجاج على مداخلة رجال الدين للسلطات الجائر ( الدولة ) .
وأعتقد أن الأحاديث الموضوعة .
ما فى ذلك شك ، للتنديد يتواطؤ رجال الدين و رجال الدولة على حساب الشعب هى من وضع هذه المعارضة و عامة الشعب . مثل : " صنفان من أمتى إذا صلحا صلحت الأمة و إذا فسدا فسدت السلطات و العلماء " و " هلاك أمتى : عالم فاجر و عابد جاهل " .
قويت هذه المعارضة الدينية الشعبية فى القرن الثالث حيث كان تواطؤ رجال الدين و البلاط ضد ثورات العامة جلياً إلى درجة أن الفقيه أبو بكر الأجرى تجاسر على تأليف كتابه " اخلاق العلماء و أدابهم الذى ضمنه مقارنة لاذغة بين علماء السلف الذين لم يتقربوا من السلطات لأن " السلطات من لا يعرف السلطان عندهم .
و الذين يرون الجهاد " كلمة حق تقال فى وجه سلطان جائر و بين علماء عصره ، " الفسقة ، الفجرة " الذين "
يداخلون السلطات الجائر " و " يحتقرون ما دونه من العباد ".
وفى كلمات نارية شهر بحبهم للدنيا و اقبالهم على المال و الشهرة و حرصهم على مجالسة الملوك وإدارة ظهرهم للدين ... مستشداً بعشرات الأحاديث ، التى أسهم هو نفسه فى وضعها ، و التى تحرض العامة على رجال الدين و السلطات ، مثل : " يكون عليكم أمراء تعرفون منهم و تنكرون ، فمن أنكر فقد برئ ، ومن كره فقد سلم .لكن من رضى و تابع فأبعده الله " .
فى القرن الخامس صنف أبن عبد البر القرطبى كتابة : جامع بيان العلم و فضله . أغنى فيه بوقائع عصره و ثيقة اتهام الأجرى لعلماء القرن الثالث ، قائلاً : " لم يزل الفساد متزايداً على ما ذكرنا أضعافاً . فلا حول ولا قوة إلا بالله ".
فى الإمبراطورية الأموية كان الفرز الأساسى عنصرياً : بين العرب و الموالى . فأصبح فى الإمبراطورية العباسية أجتماعياً : بين الأرستوقراطية و العامة . و بين ذوى السلطات و الدين لا سلطان لهم على استخدام حياتهم .
فى العهد الجديد نما التنظيم الإدارى . التجارى . الزراعى و الصناعى نمواً ضخماً . غدت بغداد مركز التجارة التجارية العالمية توريداً و تصديراً . أصبحت الدولة المركزية . المراتبية و المنظمة أداة نهب داخلى و خارجى لم يسبق له مثيل . فقد بلغ دخل الدولة السنوى فى عهد الرشيد . على حد تقييم أبن خلدون ، 70 مليوناً و 150 ألف دينار . هى موازنة ضخمة بالمقارنة مع موازنات الدولة القديمة .
مصادرة هذه الموازنة : الخراج على الأرض ، الجزية المفروضة على أهل الذمة و الشعوب المقهورة ، الضرائب المفروضة على أهل الصناعات و الحرف و الزكاة ....
لم يعد الخليفة ، كما كان فى العهد الأموى ، مجرد شيخ قبيلة مهيب " بدون وزير طقوس يستقبل الناس و يجلس للفصل فى المظالم بين العامة ، بل تحول إلى أمبراطور تبنى تقاليد البلاط الفارسى و الرومى من إتخاذ الوزير إلى الإحتجاب عن الناس . بتعقد مراتب السلطة ازداد اضطهاد عامة الشعب . لكن الإضطهاد لم يكن فى الواقع ، مقصوراً عليه بل كان معمماً و مراتبياً : تمارسه بدون ضابط المرتبة العليا ضد المرتبة الأدنى : الخليفة يصادر أملاك الوزير . و الوزير يصادر أملاك مرؤسيه .
و العمال ( الولادة ) يصادرون أملاك الأغنياء و حياة الفقراء .
لقد كان ديوان المصادرة سيفاً على أعناق الجميع بما فى ذلك الخلفاء أنفسهم على عهد استبداد قادة الجيش الأتراك بالسلطة .
هذا الديوان مشاهد إثبات آخر على الدور المضاد للتقدم التاريخى الذى لعبه وما يزال الإستبداد الشرقى : تحكم الفرد الحاكم فى المراتب البيروقراطية و تحكم هذه الأخيرة فى الطبقة .
من هنا أسبقية الدولة ظهوراً وأهمية على الطبقة و بالتالى إستقلالها عنها و حكمها فيها .. عكس المسار العام لبروتسيس التاريخ الغربى .
فى لايونان كانت السلطة تعبيراً عن رأى السادة الذين يختارون قيادتهم من بينهم .
أما دولة الإستبداد الشرقى فهى مغلقة عن كل ديمقراطية و حوار .
السلطة فيها لا تنبع عن مجلس شيوخ ، أو مجمع كرادلة إو برلمان بل من حد السيف و من ثورات القصور . الخلفية هو الذى يختار ولى عهده على هواه ، لا حسب تقليد مرعى يشجع على الإستقرار و يقصد حروب الأسر ، يأخذ له البيعة الأسمية من حاشيته ، قواد جيشه و رجال دينه بمحضر السيف و النطع و الجلاد !
السلطة عبر التاريخ العربى كله كانت _ وما زالت - دائماً فوق القانون ، سواء كان قانوناً و ضعها هى نفسها ، أو قرآناً ولم ينجح كفاح المعارضات القديمة و الحديثة لكى يصبح القانون فوق السلطة !
لم يكن مثل هذا النظام الإستبدادى الفردى يساعد على تشكيل طبقة سائدة متماسكة تغلب مصالحها الشاملة على المصالح الفئوية لهذا أو ذاك من اجنحتها أو افرادها ، وكل إنتعاش لطبقة اجتماعية ، مثل انتعاش التجار و ملاك الأرض فى العصر العباسى الأول ، إنما هو إنتعاش ظرفى على رحمة نزوة من نزوات الخليفة التى لا يستطيع أحد أن يتنبأ بها أو يتعرض عليها ( نكبة البرامكة مثلاً ).
فى ظل الإستقرار النسبى الذى تميز به عهدً الرشيد و المأمون تكونت طبقة من التجار نملك الأموال الطائلة ، وقد بلغت ثروات لبعض الملايين و ظهرت فئة رأسمالية نشطة ، وكونوا أنواعاً من الشركات مثل شركة الضمان ( تشبه شركة المساهمة ) و شركة المفاوضة ( حيث تبقى رؤوس الأموال مستقلة ) ، وشركة الوجوه ، وتكون الإختصاص بين التجار"
فعلاً تنوعت التجارة و تخصصت أى أن تقسيم لعمل فيها بلغ درجة علياً . فقد كانت واردات بغداد متنوعة جداً ، من الصين : البورسلين ، الحرير و المسك .
من الهند وجزر الملايا :
البهارات ، العطور ، الأصبغة المعادن ، العمل الشمع و الفرو .
و من السويد و روسيا : العبيد البيض للأستمتاع الجنسي . من افريقيا : العاج الذهب و العبيد السود للأستعمال المنزلى و الزراعى .
نشطت الصناعات ، تنوعت و تخصصت هى الأخرى : صناعة الأقمشة ، المرايا المعدنية ، الورق ، الجواهر الحلى ، صناعة الساعات ، تجليد الكتب ، صناعة العطور ، النسيج و الحرير خاصة فى الكوفة .
قامت القصور فى بغداد التى كانت على عهد الرشيد تعد مليونى ساكن ، نفس عدد سكان باريس فى 1871 .
أحتلت أرستوقراطية الدم المال حى الرصافة . غدت بغداد مدينة الملاهى حقاً التى ينفق فيها الخلفاء ، الوزراء ، الأغنياء و الأدباء فائض وقتهم فى الأفراح المستمرة ، بينما سواد الشعب الذى لا مال ولا وقت _ بالتالى - لديه غارق فى الأتراح المستمرة . هب رجال الدين يفتون للأرستوقراطية و الخليفة بشرب أصناف من الخمور ( الجعة ، الطلاء ، نبيذ التمر) و يتحايلون على الشريعة لتسهيل المعاملات الربوية استجابة لرغبة التجار . وبعض رجال الدين أنفسهم كانوا تجار !
لم تكن بغداد باذخة و حسب بل كانت مبذرة : الرشيد ينفق على طعامه 10 الآف درهم يومياً .
ويومياً يعد له الطهاة 30 صنفاً من الطعام السعودى . وعند زفافة بزبيدة كان يهب الناس أوانى الذهب مملوءة فضة وأوانى الفضة مملؤة ذهباً . وغالى فى تزيينها بالحلى عجزت عن المشى لكثرة ما كان عليها من الجواهر .
كان البيروقراطيون و الأغنياء على دين خليفتهم فانتشر التبذير بينهم ، وقويت شهيتهم للنهب .
كان هذا التبذير استفزاز غير حكيم لبؤس الجماهير الكادحة فى المدن التى كانت على حافة المجاعة : أجرة عامل البناء ثلث درهم فى اليوم . بينما أجرة الجندي درهم . ودخل القاضى 8 دنانير يومياً . أما عن بؤس العاطلين و الفئات الهامشية كالشطار و العيارين ، التى افرزتها هجرة الريفيين إلى المدن و اختلال التوازن بين عدد السكان و إمكانيات الإستخدام ، فحدث ولا حرج !
ظل الريف بطريقياً ، بدوياً و فقيراً .
و القصة المروية فى الأغانى دلالة ، فقد شهد الشاعر البدوى : ناهض بن شولة عرساً بمدينة حلب فأصيب بالجنون لما هاله من ألوان الطعام و الملابس و الات الغناء و مظاهر البذخ الفارسى .
كان وضع طبقة العوام : الموالى ، العبيد ، عمال الزراعة ، الفلاحين ، العمال ( الفعلة ) ، أهل الصناعات و الحرف و جماهير البدو ، لا يطاق . مع ذلك فقد كانت هدفاً للنهب الهمجى : نهب الحكومة المركزية و ممثليها فى الولايات . ولعل إتهام الرشيد . لعامله على الشام عندما ادخل عليه مكبلاً بالأغلال ، أبلغ من الإستشهادات و الإحصاءات التقريبية : " أوليتك دمشق وهى جنة بها غدر تتكفاً أمواجهاً على رياض كالزرابى ، واردة منها كفاية المؤن إلى بيوت أموالى ، فما برح بك التعـدى (...) حتى جعلتها أجرد من الصخر وأوحش من الفقر " ( المسعودى) و عندما صادر نفس الرشيد أموال عامله بخرسان ، على بن عيسى ، حملت إليه على 1500 يعبر ، نهيت من عرق الناس وخبزهم اليومى .
من البديهى أن التغيرات فى المجتمع العباسى لم تكن اقتصادية و حسب بل كانت انقلاباً شاملاً على جميع الأصعـدة : الأقتصادية ، السياسية ، العرقية والأديولوجية . التعدد العرقى و الإجتماعى كان يتطلب تعدداً فكرياً و سياسياً : هكذا فتح هذا المجتمع التجارى نوافذه لكل الرياح . خاصة لرياح الفلسفة اليونانية التى حاول المستنيرون من المفكرين المسلمين عقلنه الإسلام بها : التوفيق بين النقل و العقل ، بين الفكر الأرستوطاليسى و الشريعة المحمدية .
و من الذين أضطلعوا بهذه المهمة المعتزلة . و المعتزلة هم التركيب الذى أعطاه لقاء نهوض البورجوازية التجارية بالفكر اليونانى . فالأنسان ، فى تحليلهم ، خالق أفعاله كما أن التاجر خالق ثروته . والله هو مبدع قوانين الكون العامة أما الشؤون الصغيرة ، الطبيقات الأرضية فقد تركها لعناية الحرية الإنسانية . تماماً على صورة الملك الدستورى الذى كانوا يحلمون به قبل أن تنزل على رقابهم سيوف المتوكل .
كان الباب أيضاً مفتوحاً أو موارياً أمام تأثير الديانات و الهرطقات الغارسية الوثنية و غيرها التى قهرها الإسلام كما قهر شعوبهاً .
فلا عجب اذن أن تكون جميع المدارس ، الفرق و الهراطقات الثورية و الرجعية التى شكلت العمود الفقرى للحضارة العربية ، ظهرت أو تحددت ملامحها واختياراتها فى مناخ الصراع الإجتماعى المحتدم على الصعيدين السياسي و الأيديولوجى لهذا العصر الذى تمكن مقارنته ، مع حفظ الفوارق ، بمصر الأنوار فى القرن 18ع ففيه بدأ الصراع الطبقى يتمتم باسمه . وفيه ولد شرعت فى الصراخ باسم صراعها الطبقى فى حلوان و الدار البيضاء وقريباً فى كل مكان .
لامر ما أنطلقت معظم الهرطقات و الحركات الثورية فى العصر العباسى من الكوفة ، باريس القرن 19ع لقد كان الفرز و الصراع الطبقى فيها واضحين : الزراع الكبار ، التجار ، البيروقراطية ورجال الدين فى قطب .
وفى القطب الآخر لفيف العامة من الموالى إلى الزنج مروراً بالعمال و الشطار و الفلاحين وهم إجراء لاملكية لهم أو أقنان محرمون حتى من الحرية الشخصية .
" كان فى الكوفة أقلية تملك الأرض الواسعة . وكان المالكون عرب و غير عرب . وكان الفلاحون خليطاً من فرس و انباط و عرب لذا كان طبيعياً أن يكون الإنقسام فيها على أساس اقتصادى . كما أن الكوفة مركز تجارى ، لوقوعها على طريق الحج ، كما أنها مركز صناعات مهمة كصناعات العطور و النسيج ، مما كون فيها طبقة صغيرة لرية من أرستوقراطية التجار و أصحاب المعامل ، إضافة إلى أرستوقراطية الزراع ، فكان تذمر الفلاحين و العمال قوياً .
ثم أن الكوفة مركز ثقافى هام أنتشرت فيه الفلسفة اليونانية و حركت الزندقة بين المثقفين فوسعت الشكوك بينهم و زعزعت ارائهم الدينية الإسلامية " . ( ع . الدورى ) .
فى هذا المجتمع المستقطب خلت التقاليد البطريقية ، الدينية و القومية التى كانت تطمس الصراع الطبقى مكانها للتبادل البضاعى و الصراع الإجتماعى .
لم يعد معيار الصلاح هو التقوى كما كانت فى عهد محمد و خلفائه : أبو بكر ، عمر وعلى . ولم يعد الدم العربى كما كان فى العهد الأموى بل أصبح أرستوقراطية المال و الدم ( التجار ...وآل العباس ): " بدلاً لكم من الكتاب و عمال و أعوان ، فاستعينوا بالأشراف و اياكم و سفلة الناس ، فإن النعمة على الإشراف أبقى وهى بهم أحسن ، و المعروف عندهم أشهر و الشكر منهم أكثر " ( من وصية يحى بن خالد البرمكي لبنية ) (السعودى ) .
وأمام التخلى الفعلى الصريح للخلفاء و الأغنياء و معظم رجال الدين عن الدين ، فقد العزاء الدينى قوة ضبطه لجموع البائسين .
وبدت سيطرة الخاصة الخامسة على العامة بدون قناع ، أصبحت بالتالى عرضة لنقد اللسان و نقد السلاح .
تلك هى حال المجتمع الإسلامى فى نهاية القرن الثانى الذى فقد غطاءه الدينى لحاكمين و لجامة الدينى للمحكومين . فاختل توازن العام و تصاعد فيه الصراع بين الطبقات الظالمة و المظلومة .
على امتداد القروون الثالث ، الرابع و الخامس ، انفجر هذا الصراع حروباً أهلية مختلفة هدفاً سياسياً و تركياً اجتماعياً عن الحروب الأهلية الشيعية و الخارجية التى دارت رحاها فى ظل الإمبراطورية الأموية و ضدها . لم يعد تنصيب آل على أو اتنخاب أمام كفء ( الخوارج ) هو الهدف الجوهرى المعلن للحرب الأهلية .
بل الإستيلاء الجماعى على الأرض ، المساوة فى الثروة ، المساوة بين الرجل و المرأة ، إقامة حكومة الشورى (الديموقراطية ) ، عبادة العقل و التمتع بالحياة هى مضمون البرنامج الذى على شرط وضعه موضع التطبيق ، يأتى محكم الإمام ( الحزب الثورى ) اسماعلياً كان أم مستقلاً مثل صاحب الزنج . لم يعد الإمام الشيعى ، كما كان عند الأوائل ، انتساباً اسروياً إلى آل على بل أصبح ولاء فكرياً للإسماعلية الباطنية وإلتزاماً ببرنامج ثورتها : ملء الأرض عدلاً بعدما أمتلأت جوراً بعد الإطاحة بالدولة العباسية و دينها بالنسبة للراديكالين أو بتفسيره السنى بالنسبة للمعتدلين .
من السخف و الإدعاء ، . كما فعل بعض العرب و المستشرقين ، بأن هذه الصراعات كانت دينية ، فوقية و مستقلة عن الطبقات الإجتماعية و مطالبها . بل أنها ، كما سنرى ، وكما لاحظ انجلز " حركات و لدت من أسباب اقتصادية رغم انها كانت تحمل قناعاً دينياً " أحياناً شفافاً جداً ، لأنها لم تكن قادرة على مواجهة عدوها بدونه . وفى امكاننا اليوم تحديد الفرقاء الطبقيين لمعظم الفرق و الهرطقات التى تصارعت فى ظل الدولة الإسلامية من محمد إلى عبد الناصر .
الجزء الاول // الجزء الثاني // الجزء الثالث
|
|