| لام ألف دوت نت تحاول أن تقول لا فى وجه الحاكم الجائر والمستبد، وفى وجه من يقولون نعم لهذه الأوضاع السيئة التى تعيشها مصر، والعالم العربى |
|
![]() |
|---|---|
|
المحتويات | الكتاب الأول
ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 |
الكتاب الثاني
نقلا عن مجلة القاهرة العدد (149 ) إبريل 1995 أسباب انتحال الشعر -1 ليس الانتحال مقصورا علي العربيجب أن يتعود الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قدر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال ، وما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف ، ليفهم تاريخ الأمة العربية علي وجهه ويرد كل شيء فيه إلي أصله . وإذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا إلي الحق فيه . فهو أنهم لم يلموا إلماما كافيا بتاريخ هذه الأمم القديمة ، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها ، وإنما نظروا غلي هذه الأمة العربية كأنها امة فذة لم تعرف أحدا ولم يعرفها احد ، لم تشبه احد ولم يشبهها احد ، لم تؤثر في احد ولم يؤثر فيها احد ، قبل قيام الحضارة العربية انبساط سلطانها علي العالم القديم . والحق أنهم لو درسوا تاريخ هذه الأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغير رأيهم في الأمة العربية ، ولتغير بذلك تاريخ العرب أنفسهم ، ولست اذكر من هذه الأمم القديمة إلا أمتين اثنتين : الأمة اليونانية والأمة الرومانية . فقد قدر لهاتين الأنتين في العصور القديمة مثل ما قدر للأمة العربية في العصور الوسطي . كلتاهما تحضرت بعد بداوة . وكلتاهما خضعت في حياتها الداخلية لهذه الصروف السياسية المختلفة . وكلتاهما انتهت إلي نوع من التكوين السياسي دفعها إلي أن تتجاوز موطنها الخاص وتغير علي البلاد المجاورة وتبسط سلطانها علي الأرض . وكلتاهما لم تبسط سلطانها علي الأرض عبثا وإنما نفعت وانتفعت وتركت للإنسانية تراثا قيما لاتزال تنتفع به غلي الآن : ترك اليونان فلسفة وأدبا ، وترك الرومان تشريعا ونظاما . وكذلك كان شان هذه الأمة العربية ، تحضرت كما تحضر اليونان والرومان بعد بداوة ، وتأثرت كما تأثر اليونان والرومان بصروف سياسية مختلفة وأنتهي بها تكوينها السياسي إلي ما انتهي التكوين السياسي لليونان والرومان إليه من تجاوز الحدود الطبيعية وبسط السلطان علي الأرض وتركت كما ترك اليونان والرومان للإنسانية تراثا قيما خالدا فيه علم وأدب ودين . وليس من العجب في شيء أن تكون العوارض التي عرضت لحياة العرب علي اختلاف فروعها مشبهة للعوارض التي عرضت لحياة اليونان والرومان من وجوه كثيرة . وفي الحق أن التفكير الهادىء في حياة هذه الأمم الثلاث ينتهي بنا إلي متشابهة إن لم نقل متحدة . ولم لا ؟ أليست هذه الإشارة التي قدمناها إلي ما بين هذه الأمم الثلاث من شبهة تكفي لتحملك علي أن تفكر في أن مؤثرات واحدة أو متقاربة قد أثرت في حياة هذه الأمم فانتهت إلي نتائج واحدة أو متقاربة! ولسنا نريد أن نترك الموضوع الذي نحن بإزائه للبحث عما يمكن أن يكون من اتفاق أو افتراق بين العرب واليونان والرومان ، فنحن لم نكتب لهذا ، وإنما نريد أن نقول أن هذه الظاهرة الأدبية التي نحاول أن ندرسها في هذا الكتاب والتي يجزع لها أنصار القديم جزعا شديدا ليست مقصورة علي الأمة العربية ، وإنما تتجاوزها إلي غيرها من الأمم القديمة ، ولاسيما هاتين الأمتين الخالدتين . فلن تكون الأمة العربية أول أمة أنتحل فيها الشعر انتحالا وحمل علي قدمائها كذبا وزورا ، وإنما انتحل الشعر في الأمة اليونانية والرومانية من قبل وحمل علي القدماء من شعراؤهما ، وانخدع به الناس وآمنوا له ، ونشأت عن هذا الانخداع والإيمان سنة أدبية توارثها الناس مطمئنين إليها ، حتى هذا العصر الحديث وحتى استطاع النقاد من أصحاب التاريخ والأدب واللغة والفلسفة أن يردوا الأشياء إلي أصولها ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا . وأنت تعلم أن حركة النقد هذه بالقياس إلي اليونان والرومان لم تنته بعد ، وأنها لن تنتهي غدا ولا بعد غد . وأنت تعلم أنها قد وصلت إلي نتائج غيرت تغيرا تاما ما كان معروفا متوارثا من تاريخ هاتي الأمتين وآدابهما . وأنت إذا فكرت فستوافقني علي أن منشأ هذه الحركة النقدية إنما هو في حقيقة الأمر تأثر الباحثين في الأدب والتاريخ بهذا المنهج الذي دعوت إليه في أول هذا الكتاب ، وهو منهج ديكارت الفلسفي . وسواء رضينا أو كرهنا فلابد من أن نتأثر بهذا المنهج في بحثنا العلمي والأدبي كما تأثر من قبلنا به أهل الغرب . ولابد من أن نصطنعه في نقد آدابنا وتاريخنا كما أصطنعه أهل الغرب في نقد آدابهم وتاريخهم . ذلك لأن عقليتنا نفسها قد أخذت منذ عشرات من السنين تتغير وتصبح غربية ، أو قل أقرب إلي الغربية منها إلي الشرقية . وهي كلما مضي عليها الزمن جدت في التغير وأسرعت في الاتصال بأهل الغرب . وإذا كان في مصر الآن قوم ينصرون القديم وآخرون ينصرون الجديد ، فليس ذلك إلا لأن في مصر قوما قد اصطبغت عقليتهم بهذه الصبغة الغربية ، وآخرين لم يظفروا منها بحظ أو لم يظفروا منها إلا بحظ قليل . وانتشار العلم الغربي في مصر وازدياد انتشاره من يوم إلي يوم واتجاه الجهود الفردية والجماعية إلي نشر هذا العلم الغربي ، كل هذا سيقضي غدا أو بعد غد بأن يصبح عقلنا غربيا ، وأن ندرس آداب العرب وتاريخهم متأثرين بمنهج ديكارت كما فعل أهل الغرب في درس آدابهم وآداب اليونان والرومان . ولقد أحب أن تلم إلماما قليلا بأي كتاب من هذه الكتب الكثيرة التي تنشر الآن في أوروبا في تاريخ الآداب اليونانية أو اللاتينية ، وأن تسأل نفسك بعد هذا الإلمام ماذا بقي مما كان يعتقده القدماء في تاريخ الآداب عند هاتين الأمتين : أحق ما كان يعتقده القدماء في شان الإلياذة والأوديسا ؟ أحق ما كانوا يتحدثون به بل ما كانوا يؤمنون به في شأن ( هوميروس ) و (هيريودوس ) وغيرهما من الشعراء القصصيين ؟ أحق ما كان القدماء يتخذونه أساسا لسياستهم وعلمهم وآدابهم وحياتهم كلها من أخبار اليونان والرومان ؟ إن من اللذيذ حقا أن تقرأ ما كتب (هيرودوت ) في تاريخ اليونان ، و (تيتوس ليفوس ) في تاريخ الرومان ، وما يكتب المحدثون الآن في تاريخ هاتين الأمتين . ولكنك لا تكاد تجد شيئا من الفرق بين ما كان يتحدث به ابن إسحاق ويرويه الطبري من تاريخ العرب وآدابهم ، وما يكتبه المؤرخون والأدباء في هذا العصر . ذلك لأن الكثرة من هؤلاء المؤرخين والأدباء لم تتأثر بعد بهذا المنهج الحديث ، ولم تستطع بعد أن تؤمن بشخصيتها وأن تخلص هذه الشخصية من الأوهام والأساطير . وإذا كان قد قدر لهذا الكتاب ألا يرضي الكثرة من هؤلاء الأدباء والمؤرخين فنحن واثقون بأن ذلك لن يضيره ولن يقلل من تأثيره في هذا الجيل الناشيء . فالمستقبل لمنهج ( ديكارت ) لا لمنهج القدماء . -2 السياسة وانتحال الشعر قلت أن العرب قد خضعوا لمثل ما خضعت له الأمم القديمة من المؤثرات التي دعت إلي انتحال الشعر والأخبار . ولعل أهم هذه المؤثرات التي طبعت الأمة العربية وحياتها بطابع لا يمحى ولا يزول هو هذا المؤثر الذي يصعب تمييزه والفصل فيه ، لأنه مزاج من عنصرين قويين جدا ، هما السياسة والدين . والحق أن لا سبيل إلي فهم التاريخ الإسلامي مهما تختلف فروعه إلا إذا وضحت هذه المسألة (مسألة الدين والسياسة ) توضيحا كافيا . فقد أرادت الظروف ألا يستطيع العرب منذ ظهور الإسلام أن يخلصوا من هذين المؤثرين في لحظة من لحظات حياتهم في القرنين الأول والثاني . هم مسلمون لم يظهروا علي العالم إلا بالإسلام ، فهم محتاجون إلي أن يعتزوا بهذا الإسلام ويرضوه ويجدوا في اتصالهم به ما يضمن لهم هذا الظهور وهذا السلطان الذي يحرصون عليه . وهم في نفس الوقت أهل عصبية وأصحاب مطامع ومنافع ، فهم مضطرون إلي أن يرعوا هذه العصبية ويلائموا بينها وبين منافعهم ومطامعهم ودينهم . وإذن فكل حركة من حركاتهم وكل مظهر من مظاهر حياتهم متأثر بالدين ، متأثر بالسياسة . وإذا كانت حياتهم كما نصف تأثرا متصلا بالدين والسياسة ، واجتهادا متصلا في التوفيق بسنهما ، أو بعبارة أصح : في الاستفادة منهما جميعا ، فخليق بالمؤرخ السياسي أو الأدبي أو الاجتماعي أن يجعل مسألة الدين والسياسة عند العرب أساسا للبحث عن الفرع الذي يريد أن يبحث عنه من فروع التاريخ . وستري عندما نتعمق بك قليلا في هذا الموضوع أنا لسنا غلاة ولا مخطئين . وأول ما يحسن أن نلاحظه هو هذا الجهاد العنيف الذي اتصل بين النبي وأصحابه من ناحية ، وبين قريش وأوليائها من ناحية أخري . أما في أول عهد الإسلام بالظهور حين كان النبي وأصحابه في مكة فقد كان هذا الجهاد جدليا خالصا ، وكان النبي يكاد يقوم به وحده بإزاء الكثرة المطلقة من قومه ، يجادلهم بالقرآن ويقارعهم بهذه الآيات المحكمات ، فيبلغ منهم ويفحمهم ويضطرهم إلي الإعياء . وهو كلما بلغ من ذلك حظا أنتصر له من قومه فريق حتى تكون له حزبا ذو خطر ولكنه لم يكن حزبا سياسيا ، ولم يكن يطمع في ملك ولا تغلب ولا قهر ، أو لم يكن ذلك في دعوته . غير أن هذا الحزب كان كلما اشتدت قوته وقوي أسره اشتدت مناضلة قريش له وفتنتها إياه حتى كان ما تعلم من الهجرة الأولي ثم من هجرة النبي إلي المدينة . وليس هذا موضع البحث عن هذه الهجرة إلي المدينة ، وعما أعد الأنصار لنصر النبي وإيوائه ، وعن النتائج المختلفة التي أنتجتها الهجرة . ولكنا نستطيع أن نسجل مطمئنين أن هذه الهجرة قد وضعت مسألة الخلاف بين النبي وقريش وضعا جديدا جعلت الخلاف سياسيا يعتمد في حله علي القوة والسيف بعد ان كان من قبل دينيا يعتمد علي الجدال والنضال بالحجة ليس غير . منذ هاجر النبي إلي المدينة تكونت للإسلام وحدة سياسية لها قوتها المادية وبأسها الشديد ، وأحست قريش أن الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسنن القديمة ، إلي شيئا آخر كان فيما يظهر أعظم خطرا في نفوس قريش من الدين وما يتصل به ، وهو السيادة السياسية في الحجاز ، والطرق التجارية بين مكة والبلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشتاء والصيف . وأنت تعلم أن الاستيلاء علي العير هو اصل الوقعة الكبرى الأولي بين النبي وقريش في بدر . فليس من شك إذن في أن الجهاد بين النبي وقريش كان دينيا خالصا ما أقام النبي في مكة . فلما أنتقل إلي المدينة أصبح هذا الجهاد دينيا وسياسيا واقتصاديا ، وأصبح موضوع النزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصورا علي أن الإسلام حق أو غير حق ، بل هو يتناول مع ذلك الأمة العربية أو الحجازية علي أقل تقدير لمن تذعن ، والطرق التجارية لمن تخضع . وعلي هذا النحو وحده تستطيع أن تفهم سيرة النبي منذ أن هاجر إلي المدينة لا مع قريش وحدها بل مع غيرها من العرب ، بل مع اليهود أيضا . ولكننا لا نكتب تاريخ النبي وإنما نريد أن نصل مسرعين إلي ما يعنينا من هذا كله ، وهو أن استحالة الجهاد إلي جهاد سياسي بعد أن كان جهاد دينيا قد استحدث عداوة بين مكة والمدينة ، أو بين قريش والأنصار لم تكن موجودة من قبل . فالسيرة تحدثنا بأن صلات المودة كانت قوية بين قريش وبين الأوس والخزرج قبل أن يهاجر النبي إلي المدينة . وكان هذا معقولا وطبيعيا ، فقد كان الأوس والخزرج علي طريق قريش إلي الشام . ولم يكن بد لهذه المدينة التجارية التي تسمي مكة من أن تؤمن طرقها التجارية وتوثق صلات الود مع الذين يستطيعون أن يعرضوا هذه الطريق إلي الخطر . نشأت إذن بعد الهجرة عداوة بين مكة والمدينة ، وما هي إلا أن اصطبغت هذه العداوة بالدم يوم أنتصر الأنصار في " بدر " ويوم انتصرت قريش في " أحد " . وما هي إلا أن اشترك الشعر في هذه العداوة مع السيف ، فوقف شعراء الأنصار وشعراء قريش يتهاجون ويتجادلون ويتناضلون ، يدافع كل فريق عن أحسابه وأنسابه ويشيد بذكر قومه . ثم كان الموقف دقيقا ، فقد كان شعراء الأنصار يدافعون قريشا عن النبي وأصحابه ، وهم من خلاصة قريش . ويجب أن يكون هذا الهجاء قد بلغ أقصي ما يمكن من الحدة والعنف ، فإن النبي كان يحرض عليه ، ويثيب أصحابه ويقدمهم ويعدهم ، مثل ما كان يعد المقاتلين من الأجر والمثوبة عند الله ، ويتحدث أن جبريل كان يؤيد "حسانا " . كثر الهجاء إذن واشتد بين قريش والأنصار لما كثرت الحرب واشتدت . وأنت تعلم مقدار حظ العرب من العصبية وحرصهم علي الثأر للدماء المسفوكة ، وجدهم في الدفاع عن الأعراض المنتهكة . فليس غريبا أن تبلغ الضغينة بين هذين الحيين من أهل الحجاز أقصي ما كانت تستطيع أن تبلغ . وقد مضت قريش في جهادها بالسنان واللسان والأنفس والأموال ، وأعانها من أعانها من العرب واليهود ، ولكنها لم توفق . وأمست ذات يوم إذا خيل النبي قد أظلت مكة ، فنظر زعيمها وحازمها أبو سفيان فإذا هو بين اثنتين : إما أن يمضي في المقاومة فتفني مكة وإما أن يصانع ويصالح ويدخل فيما دخل فيه الناس وينتظر لعل هذا السلطان السياسي الذي انتقل من مكة إلي المدينة ومن قريش إلي الأنصار أن يعود إلي قريش وإلي مكة مرة أخري . أسلم أبو سفيان وأسلمت معه قريش ، وتمت للنبي هذه الوحدة العربية ، وأصبح الناس جميعا في ظاهر الأمر أخوانا مؤتلفين في الدين . ولعل النبي لو عمر بعد فتح مكة زمنا طويلا لاستطاع أن يمحو تلك الضغائن ، وأن يوجه نفوس العرب وجهة أخري ، ولكنه توفي بعد الفتح بقليل ، ولم يضع قاعدة للخلافة ، ولا دستورا لهذه الأمة التي جمعها بعد فرقة . فأي غرابة في أن تعود تلك الضغائن إلي الظهور وفي أن تستيقظ الفتنة بعد نومها ، وفي أن يزول هذا الرماد الذي كان يخفي تلك الأحقاد ! وفي الحق أن النبي لم يكد يدع هذه الدنيا حنى أختلف المهاجرون من قريش والأنصار من الأوس والخزرج في الخلافة أين تكون ؟ ولمن تكون ؟ وكاد المر يفسد بين الفريقين لولا بقية من دين وحزم نفر من قريش ، ولولا أن القوة المادية كانت إذ ذاك إلي قريش . فما هي إلا أن أذعنت الأنصار وقبلت أن تخرج منهم الإمارة إلي قريش . وظهر أن الأمر قد استقر بين الفريقين ، وأنهم قد اجمعوا علي ذلك لا يخلفهم فيه إلا سعد بن عبادة الأنصاري الذي أبي أن يبايع أبا بطر ، وأن يبايع عمر ، وأن يصلي بصلاة المسلمين ، وأن يحج بحجهم وظل يمثل المعارضة قوي الشكيمة ماضي العزيمة ، حتى قيل غيلة في بعض أسفاره . قتلته الجن فيما يزعم الرواة . وانصرفت قوة قريش والأنصار إلي ما كان من انتقاض العرب علي المسلمين أيام أبي بكر ، وإلي ما كان من الفتوح أيام عمر . ولكن المقيمين من أولئك وهؤلاء في مكة والمدينة لم يكونوا يستطيعون أن ينسوا تلك الخصومة العنيفة التي كانت بنهم أيام النبي ، ولا تلك الدماء التي سفكت في الغزوات . وليس من شك في إن حزم عمر قد حال بين المهاجرين والأنصار ، أو بعبارة أصح : بين قريش والأنصار وبين الفتنة . فالرواة يحدثوننا أن عمر نهي رواية الشعر الذي تهاجي به المسلمون والمشركون أيام النبي . وهذه الرواية نفسها تثبت رواية أخري ، وهي أن قريشا والأنصار تذاكروا ما كان قد هجا به بعضهم بعضا أيام النبي ، وكانوا حراصا علي روايته يجدون في ذلك من اللذة والشماتة ما لا يشعر به إلا صاحب العصبية القوية إذا وتر أو انتصر . وقد ذكر الرواة إن عمر مر ذات يوم فإذا حسان في نفر من المسلمين ينشدهم شعرا في مسجد النبي فأخذ بأذنه وقال : أرغاء كرغاء البعير ؟ قال حسان : إليك عني يا عمر، فوالله لقد كنت انشد في هذا المكان من هو خير منك فيرضي ، فمضي عمر وتركه . وفقه هذه الرواية يسير لمن يلاحظ ما قدمنا من أن الأنصار كانوا موتورين ، وان عصبيتهم كانت لا تطمئن إلي انصراف الأمر عنهم ، فكانوا يتعزون بنصرهم للنبي وانتصافهم من قريش وما كان لهم من البلاء قبل موت النبي وما أفادوا بأيديهم والسنتهم من مجد . وكان عمر قرشيا تكره عصبيته أن تزدري قريش ، وتذكر ما اصابها من هزيمة ، وما اشيع عنها من مذكر . وكان فوق هذا كله اميرا حازما يريد ان يضبط امور الرعية ، وان يؤسس ملك المسلمين علي شيء غير العصبية . وقد وفق بعض التوفيق ، ولكنه لم يظفر بكل ما كان يريد . تحدث الرواة ان عبد الله بن الزبعري وضرار بن الخطاب قدما إلي المدينة ايام عمر فذهبا إلي أبي احمد بن جحش ، وكان رجلا ضريرا حسن الحديث يألفه الناس ويتحدثون عنده ، قالا جئناك لتدعو لنا حسان بن ثابت لينشدنا وننشده ، قال : هو ما تريدان ، وأرسل إلي حسان فجاء ، قال هناك اخواك قد اقبلا من مكة يريدان يسمعاك ويسمعا لك قال حسان ان شئتما فابدآ وان شئتما بدأت ، : بل نبدأ ، فأخذا ينشدانه مما قالت قريش في الأنصار حتى فار وأخذ يغلي كالمرجل ، فلما فرغا استوي كل منها علي راحلته ومضيا إلي مكة . وذهب حسان مغضبا إلي عمر وقص عليه الخبر فقال عمر : سأردهما عليك ان شاء الله . حتى إذا كانا بين يدي عمر ومعه نفر من أصحاب النبي ، قال لحسان : انشدهما ما شئت ، فأنشدهما حتى اشتفي . وقال عمر بعد ذلك - فيما يحدثنا صاحب ألاغاني : قد كنت نهيتكم عن رواية هذا الشعر لأنه يوقظ الضغائن ، فأما إذ أبوا فاكتبوه . وسواء قال عمر هذا ام لم يقله ، فقد كان الأنصار يكتبون هجاءهم لقريش ويحرصون علي إلا يضيع . قال ابن سلام : وقد نظرت قريش فإذا حظها من الشعر قليل في الجاهلية ، فاستكثرت منه في الإسلام . وليس من شك عندي في أنها استكثرت بنوع خاص من هذا الشعر الذي يهجي فيه الأنصار . ولما قتل عمر وانتهت الخلافة إلي عثمان بعد المشقة ، تقدمت الفكرة السياسية التي كانت تشغل أبا سفيان خطوة أخري فلم تصبح الخلافة في قريش فحسب ، بل أصبحت في بني أمية خاصة . واشتدت عصبية قريش واشتدت عصبية الأمويين ، واشتدت العصبيات الأخرى بين العرب ، وقد هدأت حركة الفتح ، وأخذ العرب يفزع بعضهم لبعض . وكان من نتائج ذلك ما تعلم من قتل عثمان وافتراق المسلمين وانتهاء الأمر كله إلي بني أمية بعد تلك الفتن والحروب . في ذلك الوقت تغيرت خطة الخليفة السياسية أو بعبارة أدق : فشلت هذه الخطة التي كان يختطها عمر ، وهي منع العرب ان يتذاكروا ما كان بينهم من الضغائن قبل الإسلام . وعاد العرب إلي شر مما كانوا فيه في جاهليتهم من التنافس والتفاخر في جميع الأمصار الإسلامية . ويكفي ان أقص عليك ما كان من تنافس الشعراء من الأنصار وغيرهم عند معاوية ويزيد بن معاوية ، لتعلم إلي اى حد عاد العرب في ذلك الوقت إلي عصبيتهم القديمة . ولعلك قرأت تلك القصة التي تخبرنا بان عبد الرحمن بن حسان شبب برملة بنت معاوية نكاية في بني أمية . فأما معاوية فاصطنع الحلم كعادته ، وقال لعبد الرحمن : فاين أنت من أختها هند ! وأما يزيد فقد كان صورة لجده ابي سفيان ، كان رجل عصبية وقوة وفتك وسخط علي الإسلام وما سنه للناس من سنن فاغري كعب بن جعيل بهجاء الأنصار ، فاستعفاه وقال : أتريد ان تردني كافرا بعد إسلام ؟ فاغري الأخطل وكان نصرانيا فأجابه وهجا الأنصار هجاء مقذعا مشهورا . قلت ان يزيد كان صورة صادقة لجده ابي سفيان ، يؤثر العصبية علي كل شيء . وأنت لا تنكر ان يزيد هو صاحب وقعة الحرة التي انتهكت فيها حرمات الأنصار في المدينة ، والتي انتقمت فيها قريش من الذين انتصروا عليها في بدر , والتي لم تقم للأنصار بعدها قائمة . ولأمر ما يقول الرواة حين يقصون وقعة الحرة إنه قتل فيها ثمانون من اللذين شهدوا بدرا ، اى من اللذين أذلوا قريش . ولست في حاجة إلي أن أقص عليك هذه القصة الأخرى التي تمثل لنا عمرو بن العاص وقد ضاق ذرعا بالأنصار حتى كره اسمهم هذا ، وطلب إلي معاوية أن يمحوه ، واضطر النعمان بن بشير وهو الأنصاري الوحيد الذي شايع بني أمية إلي أن يقول : يا سعد لا تجب الدعاء فما لنا نسب نجيب به سوى الأنصار
نسب تخيره الإله لقومنا
أثقل به نسبا علي الكفار !
إن اللذين ثووا ببدر منكم
يوم القليب هم وقود النار
وقد سمع معاوية هذا الشعر فلام عمرا علي تسرعه ليس غير . فلم يكن معاوية اقل بغضا للأنصار وتعصبا لقريش من مشيره عمرو، أو ولي عهده يزيد . ولكن أصحاب هذه العصبية القرشية كانوا يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا شديدا ، فكان منهم السرف كيزيد، والمقتصد كمعاوية . وكان منهم من يتجاوز الاقتصاد في العصبية إلي شيء يشبه العطف علي الأنصار والرثاء لهم . ولعل الزبير بن العوام كان من هؤلاء العاطفين علي الأنصار الراثين لهم الحافظين لعهدهم والراعين لوصية النبي فيهم ، فقد يحدثنا الرواة أنه مر بنفر من المسلمين فإذا فيهم حسان ينشدهم ، وهم غير حافلين بما يقول ، فلامهم علي ذلك وذكرهم موقع شعر حسان من النبي ،وأثر ذلك في نفس حسان فقال يمدحه - وأحب أن تلتفت إلي أول هذا الشعر ، فهو حسن الدلالة علي ما أريد أن اثبته من دخول الحزن علي نفوس الأنصار لهذا الموقف الجديد الذي وقفته منهم قريش : أقام علي عهد النبي وهديه حواريه والقول بالفعل يعدل
أقام علي مناهجه وطريقه
يوال ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي
يصول إذا ما كان يوم محجل
إذا ما كشفت عن ساقها الحرب حشها
بأبيض سباق إلي الموت يرقل
وإن أمرا كانت صفية أمه
ومن أسد في بيتها لمرفل
له من رسول الله قربي قربية
ومن نصرة الإسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه
عن المصطفي والله يعطي فيجزل
فما مثله فيهم ولا كان قبله
وليس يكون الدهر مادام يذبل
ثناؤك خير من فعال معاشر
وفعلك يابن الهاشمية أفضل
فأنظر إلي هذين البيتين في أول هذه المقطوعة كيف يمثلان ذكر حسان لعهد النبي وحزبه عليه وأسفه علي ما فات من موالاة النبي لهم وإنصافه إياهم . ولكن بقية هذه الأبيات تدعوا إلي شيء من الاستطراد لا بأس به ، لأنه لا يتجاوز الموضوع كثيرا ، فقد يظهر من قراءة هذه الأبيات أنه قصد بها إلي الإلحاح في مدح الزبير وإحصاء مآثره وقد يظهر أن في أخرها ضعفا لا يلائم قوة أولها . وقد روى هذه القصة نفر من أل الزبير ومن أحفاد عبد الله بن الزبير بالدقة . أفتستبعد أن تكون عصبية الزبيريين قد مدت هذه الأبيات وطولتها وتجاوزت بها ما كان قد أراد حسان من الاعتراف بالجميل إلي ما كانت تريد العصبية الزبيرية من تفضيل الزبير علي منافسيه أو علي منافسي أبنه عبد الله بنوع خاص . واستطرد آخر لا بأس به ، لأنه يثبت ما نحن فيه أيضا ، فقد ذكرت لك ما كان من هجاء الأخطل للأنصار . وهم يتحدثون - كما رأيت - أن النعمان بن بشير غضب لهذا الهجاء وانشد بين يدي معاوية أبيات نرويها لك ، فستري فيها مثل ما رأيت في أبيات حسان من أثر هذه العصبية التي تضيف إلي الشعراء ما لم يقولوا . وقد كان النعمان بن بشير في الأنصار يتعصب لقريش وبني أمية ، أو قل يمالئهم التماسا للدفع عندهم . وقد تحدثوا أنه كان الأنصاري الوحيد الذي شهد " صفين " مع معاوية، كما كان الزبير من هذه القلة القرشية التي كانت تعطف علي الأنصار ذكرا لعهد النبي ، أو احتفاظا بمودة الأنصار ليوم الحاجة . قال النعمان بن بشير لمعاوية : معاوي ألا تعطينا الحق تعترف لحي الأزد مشدودا عليها العمائم
أيشتمنا عبد الأراقم ضلة
ا لي ثأر دون قطع لسانه
فدونك من ترضيه عنك الدراهم
وراع رويدا لا تسمنا دنية
لعلك في غب الحوادث نادم
متي تلق منا عصبة خزرجية
وماذا الذي تجدي عليك الأراقم
فمأو الأوس يوما تخترمك المخارم
وتلقاك خيل كالقطا مستطيرة
شماطيط إرسال عليها الشكائم
يسومها العمران عمرو بن عامر
وعمران حتى تستباح المحارم
ويبدو من الخود العزيزة حجلها
وتبيض من هول السيوف المقادم
فنطلب شعب الصدع بعد التئامه
فتغريه فآلان والأ مر سالم
إلا فثوبي لأمة تبعية
تواريث آبائي وابيض صارم
واسمر خطى كأن كعوبه
بوى القسب فيها لهذمي خثارم
فإن كنت لم تشهد ببدر وقيعة
أذلت قريش والأنوف روا غم
فسائل بنا حيي لؤي بن غالب
وأنت بما يخفي من الأمر عالم
الم تتبدر يوم بدر سيوفنا
وليلك عما ناب قومك قاتم
ضربناكم حتى تفرق جمعكم
وطارت اكف منكم وجماجم
وعادت علي البيت الحرام عرائس
وأنت علي خوف عليك التمائم
وعضت قريش بالأنامل بغضة
ومن قبل ما عضت عليك الأداهم
فكنا لها فى كل آمر نكيدة
ما كان الشجا والأمر فيه تفاقم
فما إن رمي رام فأوهي صفاتنا
ولا ضامنا يوم من الدهر ضائم
وإني لأغضي م عن امور كثيرة
سترقي بها يوما إليك السلالم
أصانع فيها عبد شمس وإنني
لتلك التي في النفس مني أكاتم
فما أنت والأمر الذي لست أهله
ولكن ولي الحق والأمر هاشم
إليهم يصير الأمر عند شتاته
فمن لك بالأمر الذي هو لازم
بهم شرع الله الهدى فاهتدي بهم
ومنهم له هاد إمام وخاتم
فظاهر جدا أن هذه الأبيات الثلاثة الأخيرة علي أقل تقدير قد حملت علي النعمان بن بشير حملا ، حملها عليه الشيعة . ومع أننا نعلم أن الأنصار حين أخطأهم الحكم فأضطغنوا علي قريش مالوا بطبيعة موقفهم السياسي إلي تأييد الحزب المناويء لبني أمية ، فانضموا إلي علي ، فلسنا نشك في أن النعمانبن بشير لم يكن هاشمي المذهب ولا علوي الرأي ، إنما كان امويا أو بعبارة أصح : سفيانيا . فلما أحس أنتقال الأمر من أل ابي سفيان إلي مروان بن الحكم تحول عن الأمويين إلي ابن الزبير وقتل في ذلك . فأنت ترى إلي أي حد كانت العصبية قد انتهت بقريش والأنصار . وأنت ترى تأثيرها في الشعر والشعراء . وأن ترى من هذين الاستطرادين كيف استغلت العصبية الزبيرية والهاشمية شعر حسان وشعر النعمان بن بشير لمناهضة خصومها ولكني لم أفزع بعد من أمر هذه العصبية بين قريش والأنصار وتأثيرها في الشعر والشعراء ، ولا أريد أن أدع هذه العصبية دون أن أذكر ما كان بين عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن الحكم أخي الخليفة مروان من هذا النضال العنيف الذي تبق لنا منه أثار ضئيلة . والرواة يختلفون في اصل هذه المهاجاة بين هذين الرجلين . وهم مضطرون إلي أن يختلفوا فقد دخلت العصبية في الرواية أيضا . أما الأنصار فكانوا يتحدثون أن هذين الرجلين كانا صديقين ، ولكن عبد الرحمن الأنصاري كان يحب امرأة صاحبة القرشي ويختلف إليها ، فبلغ ذلك صاحبه فراسل امرأة عبد الرحمن بن حسان ، وأنبأت هذه زوجها فأحتال حتى حمل امرأة صاحبة علي أن تزوره في بيته ، وأخفاها في أحدى الحجر ، واحتالت امرأة حتى حملت القرشي علي أن يزورها ، فلما استقر به المقام عندها أقبل زوجها فأرادت أن تخفيه فأدخلته في أحدى الحجر فإذا هو يرى امرأته ، ففسد الأمر بين الصديقين . وأما قريش فكانت تروي القصة نفسها ، ولكنها تعكسها وتظهر صاحبها مظهر الوفي لصديقه بأنه كانت تأتيه رسائل امرأة عبد الرحمن بن حسان فلا يجيبها إلي ما كانت تريد رعاية لحرمة الصديق . وليس من شك في أن هذه القصة خيال كانت تتفكه به الأنصار وقريش بعد أن هدأت نار الخصومة العملية بسنهما ، وأن ما يرويه صاحب الأغاني عن أصل هذه المهاجاة بعيد كل البعد عن النساء : كان الصديقان يتصيدان بأكلب لهما ، فقال القرشي لصاحبه : ازجر كلابك إنها قلطية بقع ومثل كلابك لم تصطد
فرد عليه ابن حسان
من كان يأكل من فريسة صيده
فالتمر يغنينا عن المتصيد
إنا أناس ريقون وأمكم
ككلابكم في الولع والمتمرد
حزناكم للضب تحترشونه
والريف يمنعكم بكل مهند
وعظم الشر بين الصديقين منذ ذلك اليوم . ولعل عبد الرحمن بن حسان قد أحسن تصوير نفسية الأنصار حين قال : صار الذليل عزيزا والعزيز به ذل وصار فروع الناس أذنابا
إني لملتمس حتى يبين لكم
فيكم متى كنتم للناس أربابا
وفارقوا طلعكم ثم أنظروا وسلوا
عنا عنكم قديم العلم انسابا علي أن الأمر تجاوز هذين الشاعرين ، فاستعان القرشي بشعراء من مضر وربيعة . ثم تجاوز الأمر الشعر والشعراء إلي معاوية ، فأرسل إلي سعيد بن العاص ، كان واليه علي المدينة ، يأمره بأن يضرب كلا من الشاعرين مائة سوط ، وكان سعيد عطوفا علي الأنصار في ايام معاوية كما كان الزبير عطوفا عليهم أيام عمر ، وكانت بين سعيد وعبد الرحمن بن حسان مودة فكره أن يضربه ، وكره أيضا أن يضرب القرشي فعطل أمر معاوية . غير أنه لم يلبث أن ترك ولاية المدينة لمروان بن الحكم الذي اسرع فتعصب لأخيه وضرب عبد الرحمن ابن حسان مائة سوط . هنا ذكر عبد الرحمن بن حسان أن للأنصار سفيرا في الشام هو النعمان بن بشير فكتب إليه : ليت شعري أغائب انت بالشام خليلي ام راقد نعمان
أية ما تكن فقد يرجع الغائب
يوما ويوقظ الوسنان
إن عمرا وعامرا أبوينا
وحراما قدما علي العهد كانوا
إنهم مانعوك أم قلة الكتاب
أم أنت عاتب غضبان
أم جفاء أم أعوزتك القراطيس
أم أمري به عليك هوان
يوم أنبئت أن ساقي رضات
وأنتكم بذلك الركبان
ثم قالوا إن ابن عمك في بلوي
أمور أتي بها الحدثان
فنسيت الأرحام والود والصحبة
فيما أتت به الأزمان
إنما الرمح فاعلمن قناة
أو كبعض العيدان لولا السنان
قالوا : فدخل النعمان بن بشير علي معاوية ، فذكر له أن سعيد عطل أمره ، وأن مروان نفذه في الأنصاري وحده ، قال معاوية : فتريد ماذا ؟ قال النعمان : أريد أن تعزم علي مروان ليمضين أمرك في الرجلين جميعا . ويروى أن النعمان قال في ذلك هذه الأبيات : يابن أبي سفيان ما مثلنا جار عليه ملك أو أمير
اذكر بنا مقدم أفراسنا
بالحنو إذا أنت ألينا فقير
واذكر غداة الساعدي الذي
آثركم بالأمر فيها بشير
فاحذر عليهم مثل بدر وقد
مر بكم ببدر يوم عسير
إن ابن حسان له ثائر
فأعطه الحق تصح الصدور
ومثل أيام لنا شتت
ملكا لكم أمرك فيها صغير
أما ترى الأزد وأشياعها
تجول خزرا كاظمات تزير
يصول حولي منهم معشر
إن صلت صالوا وهم لي نصير
يأبي لنا الضيم فلا نعتلي
عز منيع وعديد كثير
وعنصر في عز جرثومة
عادية تنقل عنها الصخور
وانتهي أمر معاوية إلي مروان ، فضرب أخاه خمسين سوطا ، وأستعفي عبد الرحمن بن حسان في الباقي فعفي . ولكنه أخذ يذيع في المدينة أن مروان قد ضربه حد الحر مائة سوط وضرب أخاه حد العبد خمسين . فشقت هذه المقالة علي عبد الرحمن بن الحكم وأقبل علي أخيه فطلب أن يتم عليه المائة ففعل . واتصل الهجاء بين الرجلين . ولقد يستطيع الكاتب في التاريخ السياسي أن يضع كتابا خاصا ضخما في هذه العصبية بين قريش والأنصار ، وما كان لها من التأثير في حياة المسلمين أيام بني أمية ، لا نقول في المدينة ومكة ودمشق ، بل نقول في مصر وأفريقيا والأندلس . ويستطيع الكاتب في تاريخ الأدب أن يضع سفرا مستقلا في ما كان لهذه العصبية بين قريش والأنصار من التأثير في شعر الفريقين الذي قالوه في الإسلام ، وفي الشعر الذي انتحله الفريقان علي شعرائهما في الجاهلية . هذا دون أن يتجاوز المؤرخ السياسي أو الأدبي الخصومة بين قريش والأنصار ، فكيف إذا تجاوزها إلي الخصومة بين القبائل الأخرى ! ذلك أن العصبية لم تكن مقصورة علي أهل مكة والمدينة ، ولكنها تجاوزتهم إلي العرب كافة ، فتعصبت العدنانية علي اليمنية ، وتعصبت مضر علي بقية عدنان ، وتعصبت ربيعة علي مضر . وانقسمت مضر نفسها فكانت فيها العصبية القيسية والتميمية والقرشية . وانقسمت ربيعة فكانت فيها عصبية تغلب وعصبية بكر . وقل مثل ذلك في اليمن ، فقد كانت للأزد عصبيتها ، ولحمير عصبيتها ، ولقضاعة عصبيتها . وكانت كل هذه العصبيات تتشعب وتتفرع وتمتد أطرافها وتتشكل بأشكال الظروف السياسية والإقليمية التي تحيط بها ، فلها شكل في الشام ، وآخر في العراق ، وثالث في خراسان ، ورابع في الأندلس . وأنت تعلم حق العلم أن هذه العصبية هي التي ازالت سلطان بني أمية ، لأنهم عدلوا عن سياسة النبي التي كانت تريد محو العصبيات ، وأرادوا أن يعتزوا بفريق من العرب علي فريق . قووا العصبية ثم عجزوا عن ضبطها ، فأدالت منهم ، بل أدالت من العرب إلي الفرس . وإذا كان هذا تأثير العصبية في الحياة السياسية وقد رأيت طرفا يسيرا من تأثيرها في الشعر والشعراء، فأنت تستطيع أن تتصور هذه القبائل العربية في هذا الجهاد السياسي العنيف ، تحرص كل واحدة منها علي أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم ، وعلي أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعا مؤثلا بعيد العهد . وقد أرادت الظروف أن يضيع الشعر الجاهلي ، لأن العرب لم تكن تكتب شعرها بعد ، وإنما كانت ترويه حفظا . فلما كان ما كان في الإسلام من حرب الردة ثم الفتوح ثم الفتن ، قتل من الرواة والحفاظ خلق كبير . ثم اطمأنت العرب في الأمصار أيام بني أمية وراجعت شعرها ، فإذا أكثره قد ضاع ، وإذا اقله قد بقي . وهي بعد في حاجة إلي الشعر تقدمه وقودا لهذه العصبية المضطرمة . فاستكثرت من الشعر وقالت منه القصائد الطوال وغير الطوال ونحلتها شعراءها القدماء . ليس هذا شيئا نفترضه نحن أو نستنبطه استنباطا ، وإنما هو شيء كان يعتقده القدماء أنفسهم . وقد حدثنا به محمد بن سلام في كتابه " طبقات الشعراء " وهو يحدثنا بأكثر من هذا ، يحدثنا بأن العرب كانت أقل شعرا في الجاهلية ، فاضطرها ذلك غلي أن تكون أكثر العرب انتحالا للشعر في الإسلام . وابن سلام يحدثنا عن يونس ابن حبيب أنه نقل عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : ما بقي لكم من شعر الجاهلية إلا اقله ولو جاءكم علم وشعر كثير . ولابن سلام مذهب من الاستدلال لإثبات أن أكثر الشعر قد ضاع لابأس بأن نلم به المامة قصيرة. فهو يرى أن طرفة بن العبد وعبيد بن الأبرص من أشهر الشعراء الجاهليين وأشدهم تقدما ز وهو يرى أن الرواة الصحيحين لم لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر . فهو يقول : أن لم يكن هذان الشاعران قد قالا ما يحفظ لهما فهما لا يستحقا هذه الشهرة وهذا التقدم ، وإذن فقد قالا شعرا كثيرا ولكنه ضاع ، ولم يبق منه إلا القليل . وشق علي الرواة أو غير الرواة أن يروى لهذين الشاعرين إلا قصائد بقدر عشر فأضافوا إليهما ما لم يقولا ، وحمل عليهما كما يقول أبن سلام حملا كثيرا . ولكن ابن سلام لا يقف عند هذا الحد ، بل هو ينقد ما يرويه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير من الشعر يضيفونه إلي عاد وثمود وغيرهم ، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق . وأي دليل علي ذلك اوضح من هذه النصوص القرآنية التي تثبت أن الله قد أباد عادا وثمود ولم يبق منهم باقية ! وسنعرض بعد قليل لهذا النحو من شعر عاد وثمود وغير عاد وثمود. ولكننا إنما ذكرناه الآن لنبين كيف كان القدماء يتبينون كما نتبين ويحسون كما نحس أن هذا الشعر الذي يضاف إلي الجاهليين أكثره منحولا ، لأسباب منها السياسي ومنها غير السياسي . كان القدماء يتبينون هذا . ولكن مناهجهم في النقد كانت أضعف من مناهجنا ، فكانوا يبدءون ثم يقصرون عن الغاية . ومن هنا زعم ابن سلام أنه يستطيع أن يروي لنا شيئا من أولية الشعر العربي . فروي أبياتا تنسب لجزيمة الأبرش ، وأخرى تنسب لزهير ابن جناب ، ونحو هذا وسترى أننا نحن لا نستطيع أن نقبل هذا الشعر ، كما أن ابن سلام لم سستطع أن يقبل شعر عاد وثمود . ومهما يكن من شيء فإن هذا الفصل الطويل ينتهي بنا إلي نتيجة نعتقد أنها لا تقبل الشك ، وهي أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من اهم السباب التي حملت العرب علي انتحال الشعر وإضافته إلي الجاهليين . وقد رأيت أن القدماء قد سبقونا إلي هذه النتيجة . وأريد ان ترى أنهم قد شقوا بها شقاء كثيرا . فإن ابن سلام يحدثنا بأن أهل العلم قادرون علي أن يميزوا الشعر الذي ينتحله الرواة في سهولة ، ولكنهم يجدون مشقة وعسر في تمييز الشعر الذي ينتحله العرب أنفسهم ، ونحن لا نقف عند استخلاص هذه النتيجة وتسجيلها ، وإنما نستخلص منها قاعدة علمية وهي أن مؤرخ الآداب مضطر حين يقرأ الشعر الذي يسمي جاهليا أن يشك في صحته كلما رأى من شأنه تقوية العصبية أو تأييد فريق من العرب علي فريق . ويجب أن يشتد هذا الشك كلما كانت القبيلة أو العصبية التي يؤيدها هذا الشعر قبيلة أو عصبية قد لعبت - كما يقولون - دورا في الحياة السياسية للمسلمين . المحتويات | الكتاب الأول ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 | |
|
![]() |
بريد لام ألف خالد السرجاني :ksrgany@yahoo.com محمد واكد :waked@arabia.com جمال عيد :eidgamal@hotmail.com |
الصفحة الرئيسية من زمان |