لام ألف دوت نت تحاول أن تقول لا فى وجه الحاكم الجائر والمستبد، وفى وجه من يقولون نعم لهذه الأوضاع السيئة التى تعيشها مصر، والعالم العربى
المحتويات | الكتاب الأول ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 |


أما العصر العباسي فيكفى أن تقرأ هذه القصيدة التى قالها أبو نواس يهجو فيها العرب وقريشا ، والتي يقال إن الرشيد أطال حبسه فيها .
وهم يحدثوننا أن الجرأة بلغت بإسماعيل بن يسار أن أنشد فخره بالفرس بين يدى هشام بن عبدا لملك فغضب عليه الخليفة وأمر به فألقى في بركة كانت بين يديه ولم يخرج إلا وقد أشرف على الموت
.....

نقلا عن مجلة القاهرة العدد (149 ) إبريل 1995

5-الشعوبية وانتحال الشعر
والشعوبية ما رأيك فيهم وفيما يمكن أن يكون لهم من الأثر القوى فى انتحال الشعر والأخبار وإضافتها إلى الجاهليين ؟
أما نحن فنعتقد أن هؤلاء الشعوبية قد انتحلوا أخباراً وأشعاراً كثيرة وأضافوها إلى الجاهليين والإسلاميين .
ولم يقف أمرهم عند انتحال الأخبار والأشعار , بل هم قد اضطروا خصومهم ومناظريهم إلى الانتحال والإسراف فيه .
وأنت تعلم أن أصل هذه الفرقة إنما هو هذا الحقد الذى أضمره الفرس المغلوبون للعرب الغالبين , وأنت تعلم أن هذه الخصومة قد أخذت مظاهر مختلفة منذ تم الفتح للعرب , وأحدثت آثاراً مختلفة بعيدة فى حياة المسلمين الدينية والسياسية والأدبية .
ولكنا لا نريد أن نتجاوز فى هذا الفصل تأثير الشعوبية فى الحياة الأدبية وحدها وفى انتحال الشعر على الجاهليين بنوع خاص .
لم يكد ينتصف القرن الأول للهجرة حتى كان فريق من سبئ الفرس قد استغرق وأتقن العربية واستوطن الأقطار العربية الخالصة , وأخذ يكون له فيها نسل وذرية , وأخذ هذا الشباب الفارسى الناشئ يتكلم العربية كما يتكلمها العرب أنفسهم . وما هى إلا أن أخذ هذا الشباب يحاول نظم الشعر العربي على نحو ما كان ينظمه شعراء العرب .
ثم لم يقف أمرهم عند نظم الشعر بل تجاوزوه إلى أن شاركوا العرب فى أغراضهم الشعرية السياسية , فكان من هؤلاء الموالى شعراء يتعصبون للأحزاب العربية السياسية ويناضلون عنها .
وهذا الموقف السياسى الذى وقفه الموالى من الأحزاب يسر الأمر عليهم تيسيرا شديدا , فقد كان أحدهم لا يكاد يظهر تأييده لحزب من هذه الأحزاب حتى يفرح به هذا الحزب ويعطف عليه ويجزل له الصلات ويذهب فى تشجيعه كل مذهب , على نحو ما تفعل الأحزاب السياسية الآن بالصحف التى تقف منها مواقف التأييد , تقبل عليها وتمنحها المعونة لا تبالي في ذلك بشئ , لأنها لا تزيد إلا نشر الدعوة , ولأنها لا تزيد إلا الفوز .
ومن ابتغى الفوز وحده كان خليقاً ألا يحقق فى اختيار الوسائل وتدبر العواقب .
وكذلك كانت تفعل الأحزاب العربية أيام بنى أمية , كان المولى يعلن تأييده للأمويين فى قصيدة من الشعر فما أسرع ما يضمه الأمويون إليهم لا يعنيهم أكان مخلصًا لهم أو مبتغيًا للحظوة وتزلفي .
وكذلك كان يفعل حزب آل الزبير وحزب الهاشميين .
وكذلك ماتت الخصومة بين الأحزاب العربية تبيح للمغلوبين الموتورين من الموالى أن يتدخلوا فى السياسة العربية وأن يهجوا أشراف قريش وقرابة النبى .
كان بنو أمية يشجعون أبا العباس الأعمى , وكان آل الزبير يشجعون إسماعيل بن يسار , وكان هذان الشاعران يستبيحان لأنفسهما هجو أشراف قريش خاصة والعرب عامة فى سبيل التأييد لآل مروان .
وآل حرب أو آل الزبير .
ولم يكن هؤلاء الموالى مخلصين للعرب حقا، إنما كانوا يستغلون هذه الخصومة السياسية بين الأحزاب ليعيشوا من جهة وليخرجوا من حياة الرق أو حياة الولاء إلى حياة تشبه حياة الأحرار والسادة من جهة أخرى ، ثم ليشفوا ما فى صدورهم من غل وينفسوا عن أنفسهم ما كانوا يضمرون من ضغينة للعرب من جهة ثالثة .
ولعل إسماعيل بن يسار أظهر مثل لهذه الطائفة من الشعراء الموالى الذين كانوا يبغضون العرب ويزدرونهم ويستغلون ما بينهم من الخصومات السياسية لحاجاتهم ولذاتهم وأهوائهم .
قالوا : كان إسماعيل بن يسار زبيرى الهوى ، فلما ظفر آل مروان بآل الزبير أصبح إسماعيل مر وانيا وقبله بنو أمية ، فاستأذن ذات يوم على الوليد بن عبد الملك فأخره ساعة حتى إذا أذن له دخل عليه يبكى، فلما سأله عن بكائه هذا قال : أخرتني وأنت تعلم مروانيتى ومروانية أبى؛ فأخذ الوليد يهون عليه ويعتذر إليه وهو لا يزداد إلا إغراقا فى البكاء ، حتى وصله الوليد فأحسن صلته ، فلما خرت تبعه بعض من حضر فسأله عن هذه المر وانية التي ادعاها: ما هى؟ ومتى كانت ؟
فأجاب : إن هذه المر وانية هي بغضنا لآل مروان وهى التى حملت اباه يسارم وهو يموت على أن يتقرب إلى الله بلعن مروان بن الحكم ، وهى التى تحمل أمه على أن تلعن آل مروان مكان ما تتقرب به من التسبيح . ولكن آل مروان كانوا في حاجة إلى اصطناع هؤلاء الشعراء يذودون عنهم ويناضلون بنى هاشم خاصة ، فقد علمت منزلة بنى هاشم فى نفوس الموالى والفرس .
والرواة يحدثوننا بأن حب بنى أمية لشاعرهم أبى العباس الأعمى لم يكن له حد؟ فقد كانت صلات بنى أمية ترسل إليه فى مكة .
وحج عبد الملك مرة فدخل عليه هذا الشاعر وأنشده شعرا هجا به ابن الزبير، فحلف عبد الملك على من فى المجلس من قرابته ومن قريش ليكسونه كل واحد منهم ؟ قالوا فألقيت عليه الحلل والثياب حتى كادت تخفيه ، ونهض فجلس عليها بقية مجلسه مع عبدا لملك .
ولم تكن سيرة الهاشميين مع أنصارهم من الموالى أقل من سيرة الأمويين والزبيريين .
وكانت النتيجة لهذا كله أن استباح هؤلاء الموالى لأنفسهم هجو العرب أولا ثم ذكر قديمهم والافتخار بالفرس ثانيا .
وقد ضاع أكثر ما قال هؤلاء الموالى فى الافتخار بالفرس وهجاء العرب أيام بنى أمية؟ ولكنك تجد من ذلك طرفا مجزئا مغنيا فى الأغانى وغيره من كتب الأدب .
أما العصر العباسي فيكفى أن تقرأ هذه القصيدة التى قالها أبو نواس يهجو فيها العرب وقريشا ، والتي يقال إن الرشيد أطال حبسه فيها .
وهم يحدثوننا أن الجرأة بلغت بإسماعيل بن يسار أن أنشد فخره بالفرس بين يدى هشام بن عبدا لملك فغضب عليه الخليفة وأمر به فألقى في بركة كانت بين يديه ولم يخرج إلا وقد أشرف على الموت .
نسوق هذا كله لنعطيك صوره من حقد الفرس على العرب وما كان له من أثر في الحياة الأدبية لهؤلاء الشعراء.
وقد وصلنا إلى ما كنا نريد من تأثير هذه الشعوبية فى انتحال الشعر، فيكفى أن يحاول الشاعر من الموالى الافتخار على العرب ليفكر فى أن يثبت ان العرب أنفسهم كانوا قبل أن يطيح لهم الإسلام هذا التغلب يعترفون بفضل الفرس وتقدمهم ، ويقولون فى ذلك الشعر يتقربون به إليهم ويبتغون به المثوبة عندهم ، ولاسيما إذا كانت الحوادث التاريخية والأساطير تعين على ذلك وتدنى منه .
ومن الذى يستطيع أن ينكر أن الفرس قد سيطروا قبل الإسلام على العراق وأخضعوا لسلطانهم من كان يسكن حضره وباديته من العرب !
ومن ذا الذى يستطيع أن ينكر أن الفرس قد أرسلوا جيشا احتل اليمن وأخرج منه الحبشة !
ومن ذا الذى يستطيع أن ينكر أنه قد كانت بين الفرس والعرب وقائع ، وأن ملوك الحيرة كانوا أتباعا للفرس يوفدون إليهم من حين إلى حين أشراف البادية العربية ؟ وإذا كان هذا كله حقا فلم لا يستغله الموالى؟ ولم لا يعتزون به على العرب المتغلبين الذين يزدرونهم ويتخذونهم رقيقا وخدما ؟ الحق أن الموالى لم يقصروا فى هذا ، فهم أنطقوا العرب بكثير من نثر الكلام وشعره ، فيه مدح للفرس وثناء عليهم وتقرب منهم .
وهم زعموا لنا أن الأعشى زار كسرى ومدحه وظفر بجوائزه .
وهم أضافوا الى عدى بن زيد ولقيط بن يعمر وغيرهما من إياد والعباد كثيرا من الشعر فيه الإشادة بملوك الفرس وسلطانهم وجيوشهم .
وهم أنطقوا شاعرا من شعراء الطائف بأبيات رواها السقاة من الرواة على أنها صحيحة لاشك فيها وهى أبيات تضاف إلى أبى الصلت بن رييعة ، وهو أبو أمية بن ابى الصلت المعروف .
وقد يكون من الخير أن نروى هذه الأبيات وهى:
لله درهم من عصبة خرجوا
ما إن ترى لهم في الناس أمثالا
بيضا مرازبة غرا جحا جحة
أسدا تربب فى الغيضات أشبالا
لا يرمضون إذا حرت مغافرهم و
لا ترى منهم في الطعن ميالا
من مثل كسرى وسابورالجنود له
أو مثل وهرز يوم الجيش إذ صالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا
في رأس غمدان دارا منك محلالا
واحتطم بالمسك إذا شالت نعامتهم
وأسبل اليوم فى بريدك إسبالا
تلك المكارم لا كعبان من لبن
شيبا ماء فعادا بعد ابوالا

والشعر في مدح سيف بن ذىيزن . وقد زاد ابن قتيبة فى أوله هذه الأبيات وهى أبلغ فى الدلالة على ما نريد أن ندل عليه وهى:
لن يطلب الوتر أمثال ابن ذى يزن
لحج في البحر للأعداء أحوالا
أتى هرقل وقد شالت نعامته
فلم يجد عنده القول الذى قالا
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة
من السنين ، لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم
إنك عمري لكد أسرعت قلقالا

فانظر إليه كيف قدم الفرس على الروم فى أول الشعر و على العرب فى سائرة !
ولو أن العرب غلبوا الروم بعد الإسلام وأزالوا سلطانهم كما أزالوا سلطان الفرس وأخضعوهم لمثل ما أخضعوا له الفرس لكان للروم مع العرب شأن يشبه شأن الفرس معهم .
ولكن العرب لم يقوضوا سلط!ان الروم وانما اقتطعوا طائفة من أقاليمهم وظلت دولتهم قائمة .
ومن الخيران نرى أبياتا قالها إسماعيل بن يسار فى الفخر بالفرس ، فسترى بينها وبين الشعر الذى يضاف إلى أبى الصلت ما يحمل على شيء من الشك والريبة بذي خور عند الحفاظ ولا حوضي بمهدوم أصلى كريم ومجدي لا يقاس به ولى لسان كحد السيف مسموم أحمى به مجد أقوام ذوى حسب من كل قرم بتاج الملك معموم
جحا جح سادة بلج مرازبة ج
رد عتاق مساميح مطاعيم
من مثل كسرى وسابورالجنود معا
والهرمزان لفخر أو لتعظيم
أسد الكتائب يوم الروع ان زحفوا
وهم أذلوا ملوك الترك والروم
يمشون فى حلق الماذى سابغه
مشى الضراغمة الأسد اللهاميم
هناك إن تسألى تنبي بأن لنا
جرثومة قهرت عز الجراثيم

على هذا النحو من انتحال الموالى للشر والأخبار يضيفونها إلى العرب ذكرا مضطرين إلى أن يجيبوا بلون من الانتحال يشبه هذا اللون ، فيه تغليب للعرب على الفرس ، وفيه إئبات لأن ملك الفرس فى الجاهلية وتسلطهم على العرب لم لكن من شأنه أن يذل هؤلاء أو أن يقدم عليهم أولئك .
ومن هنا مواقف هذه الوفود التى تتحدث أمام كسرى بمحامد العرب وعزتها ومنعتها وابائها للضيم . ومن هنا هذه المواقف التى تضاف إلى ملوك الحيرة والتي تظهر هؤلاء الملوك أحيانا عصاة مناهضين للمك الأعظم .
ثم من هنا هذه الأيام والوقائع التى كانت للعرب على الفرس والني تحدث النبي عن بعضها وهو يوم ذى قار .
فأنت ترى أن الشعوبية فى مظهرها السياسى الأول قد حملت الفرس على انتحال الأشعار والأخبار وأكرهت العرب على أن يلقوا الانتحال بمثله .
على أن هذه الشعوبية لم تلبث أن استحالت بعد سقوط الأمويين وقيام سلطان الفرس على يد العباسيين إلى خلاف له صورة علمية أدبيه أقرب إلى البحث والجدل فى أنواع العلم منها إلى ما كان معروفا من الخصومة السياسية بين الغالب والمغلوب .
وكان هذا النحو من الشعوبية أخصب من النوع السابق وأبلغ فى حمل العرب والفرس على الانتحال والإسراف فيه . ولعلك تلاحظ أن الكثرة المطلقة من العلماء الذين انصرفوا إلى الأدب واللغة والكلام والفلسفة كانوا من العجم الموالى ، وكانوا يستظلون بسلطان الوزراء والمشيرين من الفرس أيضا ؟ وكانت غايتهم قد استحالت من إثبات سابقة الفرس فى الملك والسلطان إلى ترويج هذا السلطان الذى كسبوه أيام بنى العباس وإقامة الأدلة الناهضة على أن الأمر قد رد الى أهله وعلى أن هؤلاء العرب الذين حيل بينهم وبين السيادة الفعلية ليسوا ولم يكونوا أهلا لهذه السيادة .
ومن هنا كان هؤلاء العلماء والمناظرون أصحاب ازدراء للعرب ونعى عليهم وغض من أقدارهم .
فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى الذى يرجع العرب إليه فيما يروون من لغة وأدب ، فقد كان اشد الناس بغضا للعرب وازدراء لهم ؟ وهو الذى وضع كتابا لا نعرف الآن إلا اسمه وهو " مثالب العرب " .
وأما غير ابى عبيدة من علماء الموالى ومتكلميهم وفلاسفتهم فقد كانوا يمضون فى ازدراء العرب إلى غير حد : ينالونهم فى حروبهم ، ينالونهم فى شعرهم ، ينالونهم فى خطابتهم ، وينالونهم فى دينهم أيضا .
فليست الزندقة إلا مظهرا من مظاهر الشعرية ، وليس تفضيل النار على الطين وإبليس على آدم إلا مظهرا من مظاهر الشعوبية الفارسية التي كانت تفضل المجوسية على الإسلام .
وأنت تجد فى " البيان والتبيين " ، كلاما كثيرا تستبين منه إلى أي حد كان الفرس يعجبون بآثار الأمم الأعجمية ويقدمونها على آئار العرب ، فهم يعجبون بخطب الفرس وسياستهم ، وعلم الهند وحكمتها، ومنطق اليونان وفلسفتهم ؟ وهم ينكرون على العرب أن يكون لهم شيء يقارب هذا .
والجاحظ ينفق ما يملك من قوة ليثبت أن العرب يستطيعون أن ينهضموا لكل هذه المفاخر الأعجمية وأن يأتوا بخير منها .
ولعل أصدق مثال لهذه الخصومة العنيفة بين علماء العرب والموالى : هذا الكتاب الذى كتبه الجاحظ فى البيان والتبيين وهو " كتاب العصا " . واصل هذا الكتاب كما تعلم ان الشعوبية كانوا ينكرون على العرب الخطابة ، وينكرون على خطباء العرب ما كانوا يصطنعون أثناء خطابتهم من هيئة وشكل وما كانوا يتخذون من أداة ، وكانوا يعيبون على العرب اتخاذ العصا والمخصرة وهم يخطبون . فكتب الجاحظ كتاب العصا ليثبت فيه أن العرب أخطب من العجم ، وأن اتخاذ الخطيب العربي للعصا لايغض من فنه الخطابي .
أليست العصا محمودة فى القرآن والسنة وفى التوراة وفى أحاديث القدماء ؟ ومن هنا مضى الجاحظ فى تعداد فضائل العصا حتى أنفق فى ذلك سفرا ضخما .
والذي يعنينا من هذا كله هو أن نلاحظ أن الجاحظ وأمثاله من الذين كانوا يعنون بالرد على الشعوبية ، مهما يكن علمهم ومهما تكن روايتهم لم يستطيعوا أن يعصموا أنفسهم من الانتحال الذى كانوا يضطرون الله اضطرارا ليسكتوا خصومهم من الشعوبية .
فليس من اليسير ان نصدق أن كل ما يرويه الجاحظ من الأشعار والأخبار حول العصا والمخصرة يضيفه الى الجاهليين صحيح .
ونحن نعلم حق العلم ان الخصومة حين تشتد بين الفرق والأحزاب فأيسر وسائلها الكذب .
وكانت الشعوبية تنتحل من الشعر ما فيه عب للعرب وغض منهم .
وكان خصوم الشعوبية ينتحلون من الشعر ما فيه ذود عن العرب ورفع لأقدارهم .
ونوع آخر من الانتحال دعت إليه الشعوبية ، نجده بنوع خاص فى كتاب الحيوان للجاحظ وما يشبهه من كتب العلم التى ينحو بها أصحابها نحو الأدب .
ذلك أن الخصومة بين العرب والعجم دعت العرب وأنصارهم إلى ان يزعموا أن الأدب العربي القديم لا يخلو أو لا يكاد يخلو من شيء تشتمل عليه العلوم المحدثة .
فإذا عرضوا لشيء مما في هذه العلوم الأجنبية فلابد من أن يثبتوا أن العرب قد عرفوه أو ألموا به أو كادوا يعرفونه ويمون به .
ومن هنا لا تكاد تجد شيئا من هذه الأنواع الحيوانية التى عرض لها الجاحظ فى كتاب الحيوان إلا ولقد قالت العرب فيه شيئا قليلا أو كثيرا طويلا أو قصيرا ، واضحا أو غامضا. يجب أن يكون للعرب قول فى كل شيء وسابقة في كل شئ ، هم مضطرون إلى ذلك اضطرارا ليثبتوا فضلهم على هذه الأمم المغلوبة .
واضطرارهم يشتد ويزداد شدة بمقدار ما يفقدون من الشطان السياسى ، وبمقدار ما ترفع هذه الأمم المغلوبة رءوسها. وأنا أستطيع أن أمضى فى تفصيل هذه الآثار المختلفة التي تركتها الشعوبية فى الأدب العربي وفى الانتحال بنوع خاص ؟ ولكني لم أكتب هذا الكتاب إلا لألم إلماما بكل هذه الأسباب التى تحمل على الشك فى قيمة ما يضاف إلى الجاهليين من الشعر. وأحسبنى قد ألممت بالشعوبية وتأثيرها فى ذلك إلماما ، كافيا .

6 - الرواة وانتحال الشعر
فإذا فرغنا من هذه الأسباب العامة التى كانت تحمل على الانتحال والتي كانت تتصل بظروف الحياة السياسية والدينية والفنية للمسلمين فلن نفرغ من كل شيء ، بل نحن مضطرون إلى أن نقف وقفات قصيرة عند طائفة أخرى من الأسباب ، ليست من العموم والاطراد بمنزلة الأسباب المتقدمة .
ولكنها ليست أقل منها تأثيرا فى حياة الأدب العربي القديم ، وحثا على تحميل الجاهليين ما لم يقولوا من الشعر والنثر.
أريد بها هذه الأسباب التى تتصل بأشخاص أولئك اللذين نقلوا إلينا أدب العرب ودونوه . وهؤلاء الأشخاص هم الرواة .
وهم بين اثنتين : إما أن يكونوا من العرب ، فهم متأثرون بما كان يتأثر به العرب .
وإما أن يكونوا من الموالى ، فهم متأثرون بما كان يتأثر به الموالى من تلك الأسباب العامة . وهم على تأثرهم بهذه الأسباب العامة متأثرون بأشياء أخرى هى التى أريد أن اقف عندها وقفات قصيرة كما قلت .
ولعل أهم هذه المؤثرات التى عبثت بالأدب العربي وجعلت حظه من الهزل عظيما : مجون الرواة وإسرافهم فى اللهو والعبث وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق الى ما يأباه الدين وتنكره الأخلاق .
ولعلى لا أحتاج بعد الذى كتبته مفصلا فى الجزء الأول من " حديث الأربعاء " إلى ان أطيل فى وصف ما كان فيه هؤلاء الناس من اللهو والمجون . ولست اذكر هنا إلا اثنين إذا ذكرتهما فقد ذكرت الرواية كلها والرواة جميعا : فأما أحدهما فحماد الراوية .
وأما الآخر فخلف الأحمر .
كان حماد الراوية زعيم أهل الكوفة فى الرواية والحفظ .
وكان خلف الأحمر زعيم أهل البصرة فى الرواية والحفظ أيضا .
وكان كلا الرجلين مسرفا على نفسه ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام ولا وقار .
كان كلا الرجلين سكيرا فاسقا مستهترا بالخمر والفسق . وكان كلا الرجلين صاحب شك ودعابة ومجون .
فأما حماد فقد كان صديقا لحماد عجرد وحماد الزبرقان ومطيع بن إياس .
وكلهم أسرف فيما لا يليق بالرجل الكريم الوقور. وأما خلف فكان صديقا لوالبه ابن الحباب وأستاذا لأبى نواس .
وكان هؤلاء الناس جميعا فى أمصار العراق الثلاثة مظهر الدعابة والخلاعة ؟ ليس منهم إلا من اتهم فى دينه ورمى بالزندقة ، يتفق على ذلك الناس جميعا : لا يصفهم أحد بخير، ولا يزعم لهم أحد صلاح فى دين أو دنيا .
وأهل الكوفة مجمعون على أن أستاذهم فى الرواية حماد ، عنه أخذوا ما أخذوا من شعر العرب .
وأهل البصرة مجمعون على أن أستاذهم فى الرواية خلف ، عنه أخذوا ما أخذوا من شعر العرب أيضا .
وأهل الكوفة والبصرة مجمعون على تجريح الرجلين فى دينهما وخلقهما ومروءتهما.
وهم مجمعون على أنهما لم يكونا يحفظان الشعر ويحسنان روايته ليس غير؟ وانما كانا شاعرين مجيدين يصلان من التقليد والمهارة فيه إلى حيث لا يستطلع أحد أن يميز بين ما يرويان وما ينتحلان .
فأما حماد فيحدثنا عنه راوية من خيرة رواة الكوفة هو المفضل الضبي أنه قد افسد الشعر إفسادا لا يصلح بعده أبدا ؟ فلما سئل عن سبب ذلك ألحن أم خطأ ؟ قال : ليته كان كذلك ، فإن أهل العلم يردون من أخطأا إلى الصواب ، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم ، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله فى شعره ويحمل ذلك عنه فى الآفاق ، فتختلط أشعار القدماء ، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد ، وأين ذلك ؟ ويحدثنا محمد بن سلام أنه دخل على بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعري ، فقال له بلال : ما أطرفتني شيئا فغدا عليه حماد فأنشده قصيدة للخطيئة في مدح أبى موسى ة قال بلال : ويحك يمدح الحطيئة أبا موسى ولا أعرف ذلك ، وأنا أروى شعر الخطيئة !
ولكن دعها تذهب فى الناس ؟
وقد تركها حماد فذهبت فى الناس وهى فى ديوان الحطيئة .
والرواة أنفسهم يختلفون ، فمنهم من يزعم أن الحطيئة قالها حقا.
وكان يونس بن حبيب يقول : العجب لمن يروى عن حماد، كان يكسر ويلحن ويكذب .
وثبت كذب حماد فى الرواية للمهدى فأمر حاجبه فأعلن فى الناس أنه يبطل رواية حماد .
وفى الحق أن حمادا كان يسرف فى الرواية والتكثر منها .
وأخباره فى ذلك لا يكاد يصدقها أحد، فم يكن يسأل عن شئ إلا عرفه .
وقد زعم للوليد بن يزيد أنه يستطيع أن يروى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة لمن لم يعرفهم من الشعراء .
قالوا وامتحنه الوليد حتى ضجر فوكل به من أتم امتحانه ثم أجازه ، وأما خلف فكلام الناس فى كذبه كثير.
وابن سلام ينبئنا بأنه كان أفرس الناس ببيت شعر. ويتحدثون أنه وضع لأهل الكوفة ما شاء الله أن يضع لهم ، ثم نسك فى آخر أيامه فأنبأ أهل الكوفة بما كان قد وضع لهم من الشعر، فأبوا تصديقه . واعترف هو للأصمعي بأنه وضع غير قصيدة .
ويزعمون أنه وضع لامية العرب على الشنفرى، ولامية أخرى على تأبط شرا رويت فى الحماسة.
وهناك راوية كوفي لم يكن أقل حظا من صاحبيه هذين فى الكذب والانتحال .
كان يجمع شعر القبائل حتى إذا جمع شعر قبيلة كتب مصحفا بخطه ووضعه فى مسجد الكوفة.
ويقول خصومه : إنه كان ثقة لولا إسرافه فى شرب الخمر، وهو أبو عمرو الشيبانى . ويقولون : إنه جمع شعر سبعين قبيلة .
وأكبر الظن أنه كان يأجر نفسه للقبائل يجمع لكل واحدة منها شعرا يضيفه إلى شعرائها. وليس هذا غربتا فى تاريخ الأدب ، فقد كان مثله كثيرا فى تاريخ الأدب اليونانى والرمانى .
وإذا فسدت مروءة الرواة كما فسدت مروءة حماد وخلف وابى عمرو الشيبانى ، وإذا أحاطت بهم ظروف مختلفة تحملهم على الكذب والانتحال ككسب المال والتقرب إلى الأشراف والأمراء والظهور على الخصوم والمنافسين ونكاية العرب - نقول : إذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة وأحاطت بهم مثل هذه الظروف ، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء .
والعجب أن رواه لم تفسد مروءتهم ولم يعرفوا بفسق ولا مجون ولا شعوبية قد كذبوا أيضا وانتحلوا . فأبو عمرو بن العلاء يعترف بأنه وضع على الأعشى بيتا :
وانكرتنى وما كان الذى نكرت
من الحوادث إلا الشيب والصلعا

ويعترف الأصمعى بشئ يشبه ذلك .
وبقول اللاحقي إن سيبوبه سأله عن إعمال العرب " فعلا " ، فوضع له هذا البيت :
حذر أمورا لا تضير وآمن
ما ليس ينجيه من الأقدار

ومثل هذا كثير.
وهناك طائفة من الرواة غير هؤلاء ليس من شك فى أنهم كانوا يتخذون الانتحال فى الشعر واللغة وسيله من وسائل الكسب .
وكانوا يفعلون ذلك فى شئ من السخرية والعبث ، نريد بهم هؤلاء الأعراب الذين كان يرتحل إليهم فى البادية رواة الأمصار يسألونهم عن الشعر والغريب .
فليس من شك عند من يعرف أخلاق الأعراب فى أن هؤلاء الناس حين رأوا إلحاح أهل الأمصار عليهم فى طلب الشعر والغريب وعنايتهم بما كانوا يلقون إليهم منهما، قدروا بضاعتهم واستكثروا منها .
ثم لم يلبثوا أن أحسوا ازدياد حرص الأمصار على هذه البضاعة ، فجدوا فى تجارتهم وأبوا أن يظلوا فى باديتهم ينتظرون رواه الأمصار.
ولم لا يتولون هم إصدار بضاعتهم بأنفسهم ؟
ولم لا يهبطون إلى الأمصار يحملون الشعر والغريب والنوادر إلى الرواة فيريحونهم من الرحلة ومشاق السفر ونفقاته ، ويحدثون التنافس بينهم ، ويفيدون من ذلك ما لم يكونوا يفيدون حين لم يكن يقتحم الصحارى إليهم إلا رجل كالأصمعي أو أبى عمرو ابن العلاء ؟ وكذلك فعلوا : انحدروا إلى الأمصار فى العراق خاصة ، وكثر ازدحام الرواة حولهم فنفقت بضاعتهم ، تعلم أن نفاق البضاعة أدعى إلى الإنتاج ، فأخذ هؤلاء الأعراب يكذبون وأسرفوا فى الكذب ، حنى أحس الرواة أنفسهم ذلك .
فالأصمعى يحدثنا عن أحد هؤلاء الأعراب ، واسمه أبو ضمضم ، أنه أنشد لمائة شاعر أو ثمانين شاعرا كلهم يسمى عمرا ؛ قال الأصمعى :فعددت أنا وخلف الأحمر فلم نقدر على ثلاثين .
ويحدثنا ابن سلام عن أبى عبيدة أن داود بن متمم بن نويرة ورد البصرة فيما يقدم له الأعراب ، فأخذ أبو عبيدة يسأله عن شعر أبيه وكفاه حاجته ؟ فلما فرغ داود من رواية شعر أبيه وكره أن تنقطع عناية أبى عبيدة به أخذ يضع على أبيه ما لم يقل ، وعرف ذلك أبو عبيدة .
ونظن أننا قد بلغنا ما كنا نريد من إحصاء الأسباب المختلفة التى حملت على انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ، والتي تضطرنا نحن فى هذا العصر إلى أن نقف موقف الشك والاحتياط أمام هذا الشعر.
كل شئ فى حياة المسلمين فى القرون الثلاثة الأولى كان يدعو إلى انتحال الشعر وتلفيقه سواء فى ذلك الحياة الصالحة حياة الأتقياء والبررة ، والحياة السيئة حياة الفساق وأصحاب المجون .
فإذا كان الأمر على هذا النحو فهل تظن أن من الحزم والفطنة أن نقبل ما يقول القدماء فى غير نقد ولا تحقيق ؟
وقد قدمنا أن هذا الكذب والانتحال فى الأدب والتاريخ لم يكونا مقصورين على العرب ، وانما هما حظ شائع فى الآداب القديمة كلها .
فخير لنا أن نجتهد فى تعرف ما يمكن أن تصح إضافته إلى الجاهليين من الشعر.
وسبيل ذلك أن ندرس الشعر نفسه فى ألفاظه ومعانيه بعد أن درسنا ما يحيط به من الظروف .


المحتويات | الكتاب الأول ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 |
مرحبا بزائرنا رقم
CyberCairo.NET خدمات المواقع 
منذ 12 ابريل 2003
بريد لام ألف
خالد السرجاني :ksrgany@yahoo.com
محمد واكد :waked@arabia.com
جمال عيد :eidgamal@hotmail.com
الصفحة الرئيسية
من زمان
لام ألف . نت © 2002-2003
موقع يسعى لطرح رؤى بديلة و.. المسكوت عنه