| لام ألف دوت نت تحاول أن تقول لا فى وجه الحاكم الجائر والمستبد، وفى وجه من يقولون نعم لهذه الأوضاع السيئة التى تعيشها مصر، والعالم العربى |
|
![]() |
|---|---|
المحتويات | الكتاب الأول
ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 |
نقلا عن مجلة القاهرة العدد (149 ) إبريل 1995 4- عمرو بن كلثوم الحارث بن -حلزة ونحن حين ندع مهلهلا وامرأة أخيه إلى هذين الشاعرين من أصحاب المعلقات لا نتجاوز ربيعة بل لا نتجاوز هذين الحيين من ربيعة وهما حيا بكر وتغلب . فعمرو بن كلثوم تغلبى ، وهو فى عرف الرواة لسان تغلب الناطق ، هو الذى سجل مفاخرها وأشاد بذكرها فى شعره ، أو بعبارة أدق : فى قصيدته التى تروى بين المعلقات . وقد كان - فيما يقول الرواة- بطلا من أبطال تغلب ورث القوة والأيد وشده البأس واباء الضيم عن جده مهلهل ؟ فقد كانت أمه ليلى بنت مهلهل . وقد أحيط عمرو بن كلثوم فى مولده ونشأته بل فى مولد أمه بطائفة من الأساطير لا يشك أشد الناس سذاجة فى أنها لون من ألوان العبث والانتحال : زعموا أن مهلهلا لما ولدت له ليلى أمر بوأدها فأخفتها أمها، ثم نام فأتاه آت وتنبأ له بأن ابنته هذه ستلد ابنا يكون له شأن ، فلما اصبح سأل عن ابنته فقيل وئدت فكذب وألح فأظهرت له فأمر بإحسان غذائها. ثم تزوجت كلئوما فما زالت ترى فيما يرى النائم من يأتيها فيخبرها عن ابنها بالأعاجيب حتى ولدته ونشأته . قالوا وقد ساد عمرو ابن كلثوم قومه ولما يتجاوز الخامسة عشرة . فكل هذه الأحاديث التى نشير إليها إشارة ، تدل على أن عمرو بن كلثوم قد أحيط بطائفة من الأساطير جعلته إلى أبطال القصص أقرب منه إلى أشخاص التاريخ . ومع ذلك فقد يظهر انه وجد حقا، وقد يظهر أنه على خلاف من قدمنا ذكرهم من الشعراء. وقد أعقب ؟ فصاحب الأغانى يحدثنا بأن له عقبا كان باقيا إلى أيامه . وسواء أكان عمرو بن كلثوم شخصا من أشخاص التاريخ أم بطلا من إبطال القصص، فإن القصيدة التى تنسب إليه لا يمكن أن تكون جاهلية أو لا يمكن أن تكون كثرتها جاهلية . وهل نستطيع قبل كل شئ أن نطمئن إلى ما يتحدث به الرواة من أن عمرو بن كلثوم قتل ملكا من ملوك الحيرة هو عمرو بن هند المشهور، وذلك حين بغى عمرو بن هند هذا وانتهى به الطغيان الى أن طمع فى أن تستخدم أمه ليلى بنت مهلهل أم عمرو هذا ؟ قال الرواة : فطلبت هند أم الملك إلى ليلى بنت مهلهل أن تناولها طبقا ؟ فأجابتها ليلى : لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها ، فألحت هند فصاحت ليلى : وأذلاه يا لتغلب ! وكان ابنها عمرو فى قبة الملك فسمع دعاءها فوثب إلى سيف معلق فضرب به الملك ، ونهضت بنو تغلب فنهبوا قبة الملك وعادوا إلى باديتهم . غير أن النص التاريخى الذى يثبت هذه القصة لم يصل إلينا بعد. وهل من المعقول أن يقتل ملك الحيرة هذه القتله ويقف الأمر عند هذا الحد بين آل المنذر وبنى تغلب من ناحية وبين ملوك الفرس وأهل البادية من ناحية أخرى؟ أليس هذا لونا من الأحاديث التى كان يتحدث بها القصاص يستمدونها من حاجة العرب إلى المفاخرة والتنافس ؟ بلى! وقصيدة عمرو بن كلثوم نفسها نوع من هذا الشعر الذى كان ينتحل مع هذه الأحاديث . وأنت إذا قرأت هذه القصيدة رأيت أن مهلهلا لم يكن يتكثر وحده وانما أورث التكثر والكذب سبطه عمرو بن كلثوم فلسنا نعرف كلمة تضاف إلى الجاهليين وفيها من الإسراف والغلو ما فى كلمة عمرو بن كلثوم هذه . على أن رأى الرواة فيها يشبه رأيهم فى معلقة امرئ القيس ، فهم يشكون فى بعضها وهم يختلفون فى الأبيات الأولى منها : أقالها عمرو بن كلثوم أم قالها عمرو ابن عدى ابن أخت جذيمة الأبرش ؟ فأما الذين يضيفون هذه الأبيات لعمرو بن كلثوم فيرون أن مطلع القصيد ة : " ألا هبى لصحنك فاصبحينا " وأما الآخرون فيرون أن مطلعها : " قفي كبل التفرق يا ظعينا " وأولئك وهؤلاء لا يختلفون فى إنطاق عمرو بن عدى بالبيتين : صدت الكأس أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شر الثلاثة أم عمرو بصحبك الذى لا تصبحينا وأنت حين تمضى فى القصيدة ترى فيها أبياتا مكررة تقع فى وسط القصيدة وفى آخرها . ولكن هذا النحو من الاضطراب مشترك فى أكثر الشعر الجاهلى ، مصدره اختلاف الروايات . فإذا قرأت القصيدة نفسها فستجد فيها لفظا سهلا لا يخلو من جزالة ، وستجد فيها معاني حسانا وفخرا لا بأس به لولا أن الشاعر يسرف فيه من حين إلى حين إسرافا ينتهى به إلى السخف كقوله : إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا وستجد فيها أبياتا تمثل إباء البدوي للضيم واعتزازه بقوته وبأسه كقوله : ألا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
قلت إن هذأ البيت يمثل إباء البدوي للضيم . ولكنى أسرع فأفول إنه لا يمثل سلامة الطبع البدوي وإعراضه عن تكرار الحروف إلى هذا الحد الممل : ألا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فقد كثرت هذه الجيمات والهاءات واللامات واشتد هذا الجهل حتى مل . وهم يحملون على الأعشى بيتا فيه مثل هذا النوع من التعسف . ولكنا نشك فى صحة هذا البيت الذى يضاف إلى الأعشى . ومهما يكن من شئ ، فإن فى قصيدة ابن كلثوم هذه من رقة اللفظ وسهولته ما يجعل فهمها يسيرا على أفل الناس حظا من العلم باللغة العربية فى هذا ا العصر الذى نحن فيه . وما هكذا كانت تتحدث العرب فى منتصف القرن السادس للمسيح وقبل ظهور الإسلام بما يقرب من نصف قرن. وما هكذا كانت تتحدث ربيعة خاصة فى هذا العصر الذى لم تسد فيه لغة مضر ولم تصبح فيه لغة الشعر. بل ما هكذا كان يتحدث الأخطل التغلبى الذى عاش فى العصر الأموي اى بعد ابن كلثوم بنحو قرن . واقرأ هذه الأبيات وحدثني أطمئن إلى جاهليتها : قفي قبل التفرق يا ظعينا نخبرك اليقين وتخبرينا
قفي نسألك هل أحدثت صرما لو شك البين أم خنت الأمينا
بيوم كريهة ضربا وطعنا أقر به مواليك العيونا
وإن غدا وإن اليوم رهن وبعد غد بما لا تعلمينا
تريك إذا دخلت على خلاء وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعى عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا
وثديا مثل حق العاج رخصا حصانا من أكف اللامسينا
ومتنى لدني سمقت وطالت روادفها تنوء بما ولينا
ومأكمة يضيق الباب عنها وكشحا قد جننت به جنونا
وساريتي بلنط أو رخام يرنن خشاش حليهما رنينا
واقرأ هذه الأبيات أيضا :
ألا لا يعلم الأقوام أئا تضعضعنا وأنا قد ونينا
ألا لا يجهلن احد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأى مشيئة ب هند نكون لقيلكم فيها قطينا
بأى مشبئة عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وأوعدنا رويدا متى كنا لأمك مقتوينا
فإن قناتنا يا عمرو أعيت على الأعداء قبلك أن تلينا وهذه الأبيات : ونحن التاركون لما سخطنا ونحن الآخذون لما رضينا
وكنا الأيمنين إذا التقينا وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولة فيمن يليهم وصلنا صولة فيمن يلينا
فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفدينا
إليكم يا بنى بكر إليكم ألما تعرفوا منا اليقينا وهذه الأبيات وقارن بينها وبين الأبيات الأخيرة : وقد علم القبائل من معد إذا قبب بأبطحها بنينا
بانا المطعمون إذا قدرنا وأنا المهلكون إذا ابتلينا
وإنا المانعون لما أردنا وإنا النازلون بحيث شينا
وإنا التاركون إذا سخطنا وإنا الآخذون إذا رضينا
وأنا العاصمون إذا أطعنا وأنا إلعارمون إذا عصينا
ونشرب إذا وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا
وهذه الأبيات :
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فينا
لنا الدنيا ومن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا
ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا أمتن من هذه القصيدة ،وأرصن قصيدة الحارث بن حلزة، وكان لسان بكر، فيما يقول الرواة ، ومحاميها ، والذائد عنها بين يدى عمرو بن هند أيضا ؟ زعموا أن عمرو بن هند أصلح بين القبيلتين المختصمتين بكر وتغلب واتخذ منهما رهائن ، فتعرضت رهائن تغلب لبعض الشر وهلكت أو هلك أكثرها ، فتجنب تغلب على بكر وطالبت بدية الهلكى ، وأبت بكر، وكادت تستأنف الحرب بينهما، واجتمعت أشرافها إلى عمرو بن هند ليحكم بينهم ، وأحس الحارث ميل الملك إلى تغلب فنهض فاعتمد على قوسه وارتجل هذه المصيدة. قالوا وكان به وضح ، وكان الملك قد أمر أن يكون بينه وبينه ستار ، فلما أخذ ينشد قصيدته أخذ الملك يعجب به ويدنيه شيئا فشيئا حتى أجلسه إلى جانبه وقضى لبكر. ويكفى أن تقرأ هذه المصيدة لترى أنها ليست مرتجلة ارتجالا وانما هى قصيده نظمت وفكر فيها الشاعر تفكيرا طويلا ورتب أجزاءها ترتيبا دقيقا، وليس فيها من مظاهر الارتجال إلا شئ واحد هو هذا الإقواء الذى تجده فى قوله : فملكنا بذلك الناس حتى ملك المنذر بن ماء السماء
فالقافية كلها مرفوعة إلا هذا البيت . ولكن الإقوا، كان شيئا شائعا حتى عند الشعراء المسلمين الذين ، لم يكونوا يرتجلون فى كل وقت ، نقول إن قصيدة الحارث أمتن وأرصن من قصيدة ابن كلثوم ' وقد نظمتا فى عصر واحد ، إن صح ما يقول الرواة ، فهما مسوقتان إلى عمرو بن هند . فاقرأ هذه الأبيات للحارث وقارن بسنهما فى ، اللفظ والمعنى وبين ما قدمنا لك من شعر عمرو: ملك أضرع البرية لا يوجد فيها لما لديه كفاء
ما أصابوا من تغلبي فمطلول عليه إذ ا أصيب العفاء
كتكاليف قومنا إذ غزا المنذر هل نحن لاين هند رعاء
إذا أحل العلياء قبة ميسون فأدنى ديارها العوصاء
فتأوت له قراضبة من كل حي كأنهم ألقاء
فهداهم بالأسودين وأمر الله بلغ تشقى به الأشقياء
إذ تمنونهم غرورا فساقتهم إليكم أمنية أشراء
لم يغركم غرورا ولكن رفع الآل شخصهم والضحاء وانظر إلى هذه الأبيات يعير قيها الشاعر تغلب بإغارات كانت عليهم لم ينتصفوا لأنفسهم من أصحابهما : أعلينا جناح كندة أن يغنم غازيهم ومنا الجزاء
ليس منا المضربون ولا قيس ولا جندل ولا الحذاء
أم جنايا بنى عتيق فمن يغدر فإنا من حربهم براء
أم علينا جرى العباد كما نبط يجوز إلمحمل الأعباء
وثمانون من تميم بأيديهم رماح صدورهن القضاء
تركوهم ملحبين وآبوا بنهاب يصم منها الحداء
ام علينا جرى حنيفة أم ما جمعت من محارب غبراء
أم علينا جرى قضاعة أم ليس علينا فيما جنوا أنداء ثم جاءوا يسترجعون فلم ترجع لهم شامة ولا زهراء فأنت ترى أن بين القصيدتين فرقا عظيما فى جودة اللفظ وقوة المتن وشدة الأسر. على أن هذا لا يغير رأينا فى القصيدتين ، فنحن نرجح انهما منتحلتان . وكل ما فى الأمر أن الذين كانوا ينتحلون كانوا كالشعراء أنفسهم يختلفون قوة وضعفا وشدة ولينا . فالذي انتحل قصيدة الحارث بن حلزة كان من هؤلاء الرواة الأقوياء الذين يحسنون تخير اللفظ وتنسيقه ونظم القصيد فى متانة وأيد. ولسنا نتردد فى أن نعيد ما قلناه من أن هاتين القصيدتين وما يشبههما مما يتصل بالخصومة بين بكر وتغلب إنما هو من آثار التنافس بين القبيلتين فى الإسلام لا فى الجاهلية . 5- طرفة بن العبد- المتلمس وشاعران آخران من ربيعه نقت عندهما وقفة قصيرة هما طرفة بن العبد والمتلمس وانما نجمعهما لأن القصص جمعهما من قبل . فقد زعموا أن المتلمس كان خال طرفة. ولم يقف جمع القصص بسنهما عند هذا الحد بل قد جمعهما فى الشىء القليل الذى نعرفه عئهما ؛ ذلك أن لطرفة والمتلمس أسطورة لهج بها الناس منذ القرن الأول للهجرة . وهم يختلفون فى روايتها اختلافا كثيرا ؟ ولكنا نتخير من هذه الروايات أيسرها وأقربها إلى الإنسان : زعموا أن هذين الشاعرين هجوا عمرو بن هند حتى أحنقاه عليهما، ثم وفدا عليه فتلقاهما لقاء حسنا وكتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين وأوهمهما أنه كتب لهما بالجوائز والصلات ، فخرجا يقصدان إلى هذا العامل . ولكن المتلمس شك في كتابه فأقرأه غلاما من أهل الحيرة فإذا فيه أمر بقتل المتلمس ، فألقى كتابه فى النهر، والح على طرفه فى أن يفعل فعله فأبى؟ وافترق الشاعران : مضى أحدهما إلى الشام فنجا، ومضى الآخر إلى البحرين فلقي الموت . وكان طرفة حديث السن لم يتجاوز العشرين فى رأى بعض الرواة ولم يتجاوز السادسة والعشرين فى رأى بعضهم الآخر. وقد كثرت الأحاديث حول هذه القصة وأضيفت إليها أشياء أعرضنا عن ذكرها لظهور الانتحال فيها . وغضب عمرو ابن هند على المتلمس حين هرب إلى الشام وأفلت من الموت فأقسم لا يطعم حب العراق واتصل هجاء المتلمس له . والرواة المحققون يعدون هذين الشاعرين من المقلين . بل لم يرو ابن سلام للمتلمس شيئا ولم يسم له قصيدة . فأما طرفة فقد قال ابن سلام عنه فى موضع إنه هو وعبيد من أقدم الفحول ولم يبق لهما إلا قصائد بمقر عشر. واستقل ابن سلام هذه القصائد على الشاعرين وقال إنه قد حمل عليهما حمل كثير. وقد رأيت أنه حين أراد أن يضع عبيدا فى طبقته لم يعرف له إلا بيتا واحدا . فأما طرفة فقد عرف له المطولة وروى مطلعها هكذا : لخولة أطلال ببرقة ثهمد وقفت بها أبكى وأبكى إلى الغد وعرف له الرائية المشهورة : " أصحوت اليوم أم شاقتك هر " وعرف له قصائد أخرى لم يدل عليها . وقال إنه أشعر الناس بواحدة . يريد المعلقة. وبين يديلا ديوان لطرفة يشتمل هاتين القصيدتين قصيدة أخرى مشهورة ، وهى : سألوا عنا الذى يعرفنا بخزازى يوم تحلق اللمم ثم مقطوعات أخرى ليست بذات غناء . وأنت إذا قرأت شعر طرفة رأيت فيه ما ترى فى أكثر هذا الشعر الذى يضاف إلى الجاهليين ولا سيما المضريين منهم من مكانة اللفظ وغرابته أحيانا، حتى لتقرأ الأبيات المتصلة فلا تفهم منها شيئا دون ان تستعين بالمعاجم . ولكنك مضطر أن تلاحظ أن هذا الشعر أشبه بشعر المضريين منه بشعر الربيعيين ؟ فنحن لم نجمع شعراء ربيعة عفوا ؛ وانما جمعناهم فيما تحدثنا به إليك فى هذا الكتاب إلى الآن لأن بينهم شيئا يتفقون فيه جميعا ، هو هذه السهولة التى تبلغ الإسفاف أحيانا ؟ لا نستثنى منهم فى ذلك إلا قصيدة الحارث بن حلزة . فكيف شذ طرفه عن شعراء ربيعة جميعا فقوى متنه واشتد أسره وآثر من الإغراب ما لم يؤثر أصحابه ودنا شعره من شعر المضريين ؟ وانظر فى هذه الأبيات التى يصف بها الناقة : وأنى لأمضى الهم عند احتضاره بعوجاء مرقال تروح وتغتدى
أمون كألواح الأران نصأتها على لاحب كأنه ظهر برجد
جمالية وجناء تردى كأنها سفنجة تبرى لأزعر أريد
تبارى عتاقا ناجيات وأتبعت وظيفا وظيفا مور معبد
تربعت القفين فى الشول ترتعى حدائق مولى الأسرة أغيد
تريع إلى صوت المهيب وتتقى بذى خصل روعات أكلف ملبد
كأن حناحى مضرحى تكنفا حفافيه شكا فى العسيب بمسرد وهو يمضى على هذا النحو فى وصف ناقته فيضطرنا إلى أن نفكر فيما قلناه من قبل من ان أكثر هذه الأوصاف أقرب إلى أن يكون من صنعة العلماء باللغة منه إلى أى شئ آخر . ولكن دع وصفه الناقة واقرأ: ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغنى فى حلقة القوم تلقني وإن تلتمسنى فى الحوانيت تصطد
متى تأتنى أصبحك كأسا روية وإن كنت عنها ذا غنى فاغن وازدد
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني إلى ذروة البيت الشريف المصمد
نداماى بيض كالنجوم وقينة تروح إلينا بين برد ومجسد
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة بجس الندامى بضة المتجرد
إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا على رسلها مطروقة لم تشدد
إذا رجعت فى صوتها خلت صوتها تجاوب اظار على , ربع ردى فسترى فى هذه الأبيات لينا ولكن فى غير ضعف ، وشدة ولكن فى غير عنف . وسنرى كلاما لا هو بالغريب الذى لا يفهم ، ولا هو بالسوقي المبتذل ، ولا هو بالألفاظ قد رصفت رصفا دون أن تدل على شئ . وامض فى قراءة القصيدة فستظهر لك شخصية قوية ومذهب فى الحياة واضح جلى مذهب اللهو واللذة يعمد إليهما من لا يؤمن بشيء بعد الموت ولا يطمع من الحياة إلا فيما تتيح له من نعيم برئ من الإثم والعار على ما كان يفهمهما عليه هؤلاء، الناس : وما زال تشرابى الخمور ولذتى وبيعى وانفاقى طريفى ومتلدى
إلى أن تحامتننى العشيرة كلها وأفردت إفراد البعير المعبد
رأيت بنى غبراء لا ينكروننى ولا أهل هذاك الطراف الممدد
ألا أيهذا الزاجرى أحضر الوغى وأن اشهد اللذات هل أنت مخلدي
فإن كنن لا تستطيع دفع منيتي فدعنى أبادرها بما ملكت يدى
ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبقى العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزيد
وكرى إذا نادى المضاف محنبا كسيد الغضا نبهته المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الخباء المعمد >فى هذا شخصية بارزة قوية لا يستطيع من يلمحها أن يزعم أنها متكلفة أو منتحلة أو مستعارة . وهذه الشخصية ظاهرة البداوة واضحة الإلحاد بينة الحزن واليأس والميل إلى الإباحة فى قصد واعتدال . هذه الشخصية تمثل رجلا فكر والتمس الخير والهدى فلم يصل إلى شئ ، وهو صادق فى يأسه ، صادق فى حزنه ، صادق فى ميله الى هذه اللذات التى يؤثرها. ولست أدرى أهذا الشعر قد قاله طرفة أم قاله رجل آخر؟ وليس يعنيني أن يكون طرفة قائل هذا الشعر. بل ليس يعنيني أن أعرف اسم صاحب هذا الشعر؟ وانما الذى يعنيني هو أن هذا الشعر صحيح لا تكلف فيه ولا انتحال ، وأن هذا الشعر لا يشبه ما قدمناه فى وصف الناقة ولا يمكن أن يتصل به ، وأن هذا الشعر النادر من الشعر الذى نعثر به من حين إلى حين فى تضاعيف هذا الكلام الكثير الذى يضاف إلى الجاهليين ، فنحن حين نقرؤه أنا نقرأ شعرا حقا فيه قوة وحياة وروح . وإذا فأنا ارجح أن فى هذه القصيدة شعرا صنعه علماء اللغة هو هذا الوصف الذى قدمنا بعضه ، وشعرا صدر عن شاعر حقا هو هذه الأبيات وما يشبهها. ولسنا نأمن أن يكون فى هذه الأبيات نفسها ما دس على الشاعر دسا وانتحل عليها انتحالا . فأما صاحب القصيدة فيقول الرواة إنه طرفه . ولست أدرى اهو طرفة أم غيره ؟ بل لست أدرى أجاهلي هو أم إسلامي؟ وكل ما أعرفه هو أنه شاعر بدوى ملحد شاك . ولست أحب أن أقف عند القصيدتين الأخريين ، فإن شخصية الشاعر تستخفي فيهما استخفاء وتعود معهما إلى هذا الشعر الذى وقفت عنده غير مرة والذي يمثل مجد القبيلة وفخرها القديم . وأكبر الظن أن هاتين القصيدتين كقصيدة الحارث بن حلزة وضعتا فى الإسلام تخليدا لمآثر بكر بن وائل . فلندع طرفة ولنصل إلى المتلمس . وأمر المتلمس أيسر من أمر طرفة . فشعره يعود بنا إلى شعر ربيعة الذى قدمنا الإشارة إليه والى ما فيه من رقة وإسفاف وابتذال. ومن غريب أمره أن التكلف فيه ظاهر، ولاسيما فى القافية ، فيكفى أن تقرأ سينيته التي أولها : يا آل بكر ألا لله أمكم طال الثواء وثوب العجز ملبوس لتحس تكلف القافية . على أن هذه القصيدة مضطربة الرواية فقد يوضع آخرها فى أولها ، وقد يروى مطلعها : كم دون مية من مستعمل قذف ومن فلاة بها تستودع العيس وللمتلمس قصيدة أخرى ليست أجود ولا أمتن من هذه ، ولعلها أدنى منها إلى الرداءة، وهى التى مطلعها: ألم تر أن المرء رهن منية صريع لعافى الطير أو سوف يرمس
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة وموتن بها حرا وجلدك أملس
ويقول فيها : وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
وربما كانت ميمية المتلمس أجود ما يضاف إليه من الشعر، وهى التى أولها : يعيرني أمي رجال ولا أرى أخا كرم إلا بأن يتكرما
وأكبر الظن أن كل ما يضاف إلى المتلمس من شعر- أو أكثره على أقل تقدير- مصنوع ، الغرض من صنعته ، تفسير طائفة من الأمثال وطائفة من الأخبار حفظت فى نفوس الشعب عن ملوك الحيرة وسيرتهم فى هؤلاء الأخلاط من العرب وغير العرب الذين كانوا يسكنون السواد. ولا أستبعد أن يكون شخص المتلمس نفسه قد اخترع اختراعا تفسيرا لهذا المثل الذى كان يضرب بصحيفة المتلمس والذي لم يكن الناس يعرفون من أمره شيئا، ففسره القصاص ! واستمدوا تفسيره من هذه الأساطير الشعبية التي أشرنا إليها غير مرة . وهناك شعراء آخرون من ربيعة كنا نستطيع أن نقف عندهم ونلم بشعرهم إلهاما وننتهى فيهم إلى مثل ما انتهينا إليه فى أمر هؤلاء الشعراء ، الذين درسناهم فى هذا البحث القصير. ولكنا نكتفي بما قدمنا ؟ فقد ضربنا المثل . ويخيل إلينا أنا قد وضحنا وبينا وأزلنا الحجاب عن كل ما نريد أن نقوله فى موقفنا بازاء الشعر الجاهلى . ونحن لم نقصد فى هذا الكتاب الى أن ندرس الشعراء ولا الى أن نحلل شعرهم وانما قصدنا الى أن نبسط رأينا فى طريقة درس هذا الشعر الجاهلى وهؤلاء الشعراء الجاهلين وقد بلغنا من ذلك ما كنا نريد فأما تتبع الشعراء شاعرا شاعرا ودرس شعرهم قصيدة قصيدة ومقطوعة مقطوعة فقد نفرغ لبعضه فى غير هذا الكتاب ومهما نفعل فلن نستطيع أن ننهض به وحدنا فى عام أو أعوام ، بل لابد من أن ينهض به معنا الذين يحبون الحق فيسعون إليه ويطلبونه على أن نريد أن نختم هذا السفر بملاحظتين :
وإذا فنحن نرجح أن هذه الحركات التى دفعت أهل اليمن من ناحية وأهل الحجاز من ناحية أخرى الى العراق والجزيرة ونجد ، فى عصور مختلفة لكنها لا تكاد تتجاوز القرن الرابع للمسيح ، قد أحدثت نهضة عقلية وأدبية ، لما كان من اختلاط هذين الجنسين العربيين فيما بسنهما ومن اتصالهم بالفرس ومن هذه النهضة نشأ الشعر أو أقل إذا كنت تريد التحقيق ظهر الشعر وقوى وأصبح فنا أدبيا وقد ذهب هذا الشعر ولم يبق لنا منه شيء إلا الذكرى ، ولكن لم يكد يأتى القرن السادس للمسيح حتى تجاوزت هذه النهضة أقطار العراق والجزيرة ونجد وتغلغلت فى أعماق البلاد العربية نحو الحجاز فمست أهله 0 ومن هنا ظهر الشعر فى مضر ومن إليهم من أهل البلاد العربية الشمالية 0 فالشعر كما ترى يمنى قوى حين اتصلت القحطانية بربيعة ولكنا لم نعرفه ولم نصل إليه إلا حين تغلغل فى البلاد العربية وأخذته مضر عن ربيعة ومن هنا نستطيع أن نقول أنا تعمدنا الوقوف ببحثنا عند هذا الحد الذى انتهيا إليه ؛ فلنا فى شعر مضر رأى غير رأينا فى شعر اليمن وربيعة ، لأننا نستطيع أن نؤرخه ونحدد أوليته تقريبا ، ولأننا نستطيع أن نقبل بعض قديمه دون أن تحول بيننا وبين ذلك عنيفة وإذا فنحن نستطيع أن نستأنف هذا البحث فى سفر أخر وسترى أن الشعراء الجاهلين من مضر قد أدركوا الإسلام كلهم أو أكثرهم فليس غريبا أن يصح من شعرهم شيء كثير (الثانية ) أن الذين يقرءون هذا الكتاب قد يفرغون من قراءته وفى نفوسهم شيء من الأثر المؤلم لهذا الشك الأدبي الذي نردده في كل مكان من الكتاب وقد يشعرون ، مخطئين أو مصيبين ، بأننا نتعمد الهدم تعمدا ونقصد إليه في غير رفق ولا لين وقد يتخوفون عواقب هذا الهدم على الأدب العربي عامة وعلى القرآن الذي يتصل به هذا الأدب خاصة وخير للأدب العربي أن يزال منه فى غير رفق ولا لين مالا يستطيع الحياة ولا يصلح لها من أن يبقى مثقلا بهذه الأثقال التى تضر أكثر مما تنفع ، وتعوق عن الحركة أكثر مما تمكن منها ولسنا نخشى على القرآن من هذا النوع من الشك والهدم بأسا ؛ فنحن نخالف أشد الخلاف أولئك الذين يعتقدون أن القرآن في حاجة إلى الشعر الجاهلي لتصح عربيته وتثبت ألفاظه نخالفهم فى ذلك أشد الخلاف لأن أحدا لم ينكر عربية النبى فيما نعرف ، ولأن أحدا لم ينكر أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه تتلى عليهم آياته وإذا لم ينكر أحد أن النبى عربي وإذا لم ينكر أحد أن العرب قد فهموا القرآن حين سمعوه ، فأي خوف على عربية القرآن من أن يبطل هذا الشعر الجاهلى أو هذا الشعر الذى يضاف الى الجاهليين ؟ وليس بين أنصار القديم أنفسهم من يستطيع أن ينازع فى أن المسلمين قد احتاطوا أشد الاحتياط فى رواية القرآن وكتابته ودرسه وتفسيره حتى أصبح أصدق نص عربي قديم يمكن الاعتماد عليه فى تدوين اللغة العربية وفهمها وهم لم يحلفوا برواية الشعر ولم يحتاطوا فيها ، بل انصرفوا عنها فى بعض الأوقات طائعين أو كارهين ، ولم يراجعوها إلا بعد فترة من الدهر وبعد أن عبث النسيان والزمان بما كان قد حفظ من شعر العرب فى غير كتابة ولا تدوين فأيهما أشد إكبارا للقرآن وإجلالا له وتقديسا لنصوصه وايمانا بعربيته : ذلك الذى يراه وحده النص الصحيح الصادق الذى يستدل بعربيته القاطعة على تلك العربية المشكوك فيها ، أم ذلك الذى يستدل على عربية القران بشعر كان يرويه وينتحله فى غير احتياط ولا تحفظ قوم منهم الكذاب ومنهم الفاسق منهم المأجور ومنهم صاحب اللهو والعبث ؟ أما نحن فمطمئنون الى مذهبنا مقتنعون بأن الشعر الجاهلى أو كثرة هذا الشعر الجاهلى لا تمثل شيئا ولا تدل على شيء إلا ما قدمنا من العبث والكذب والانتحال ، وأن الوجه -إذا لم يكن بد من الاستدلال بنص على نص - إنما هو الاستدلال بنصوص القران على عربية هذا الشعر لا بهذا الشعر على عربية القران طه حسين 18 مارس 1926 المحتويات | الكتاب الأول ج1 | ج2 | ج3 | الكتاب الثاني ج4 | ج5| ج6 | الكتاب الثالث ج7 | ج8 | ج9 | |
|
![]() |
بريد لام ألف خالد السرجاني :ksrgany@yahoo.com محمد واكد :waked@arabia.com جمال عيد :eidgamal@hotmail.com |
الصفحة الرئيسية من زمان |